التفاسير

< >
عرض

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
٣٠
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ
٣١
فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ
٣٢
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ
٣٣
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ
٣٤
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ
٣٥
فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ
٣٦
وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ
٣٧
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ
٣٨
هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٩
وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ
٤٠

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

فى هذه الآيات الكريمة مسألتان ذكر بعض المفسرين فيهما كلاما غير مقبول.
أما المسألة الأولى فهى مسألة: عرض الخيل على سيدنا سليمان والمقصود به.
وأما المسألة الثانية فهى مسألة المقصود بقوله - تعالى -: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ...}.
وسنسير فى تفسير هذه الآيات على الرأى الذى تطمئن إلى صحته نفوسنا، ثم نذكر بعده بعض الأقوال التى قيلت فى هذا الشأن، ونرد على ما يستحق الرد منه، فنقول - وبالله - التوفيق -:
المخصوص بالمدح فى قوله - تعالى -: {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} محذوف، والمقصود به سليمان - عليه السلام -. أى: ووهبنا - بفضلنا وإحساننا - لعبدنا داود ابنه سليمان - عليهما السلام - ونعم العبد سليمان فى دينه وفى خلقه وفى شكره لخالقه - تعالى -.
وجملة {إِنَّهُ أَوَّابٌ} تعليل لهذا المدح من الله - تعالى - لسليمان - عليه السلام - أى: إنه رجاع إلى ما يرضى الله - تعالى - مأخوذ من آب الرجل إلى داره، إذا رجع إليها.
و "إذ" فى قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} منصوب بفعل تقديره: اذكر، و "عليه" متعلق بعُرِض و "العشى" يطلق على الزمان الكائن من زوال الشمس إلى آخر النهار. وقيل إلى مطلع الفجر.
والصافنات: جمع صافن، والصافن من الخيل: الذى يقف على ثلاثة أرجل ويرفع الرابعة فيقف على مقدم حافرها.
والجياد: جمع جواد، وهو الفرس السريع العدو، الجيد الركض، سواء أكان ذاكراً أم أنثى، يقال: جاد الفرس يجود جُودَة فهو جواد، إذا كان سريع الجرى، فاره المظهر..
أى: اذكر - أيها العاقل - ما كان من سليمان - عليه السلام - وقت أن عرض عليه بالعشى الخيول الجميلة الشكل. السريعة العدو.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت. ما معنى وصفها بالصفون؟ قلت: الصفون لا يكاد يوجد فى الهجن، وإنما هو فى - الخيل - العراب الخلص وقيل: وصفها بالصفون والجودة، ليجمع لها بين الوصفين المحمودين: واقفة وجارية، يعنى إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة فى مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا خفافا فى جريها..
ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان - عليه السلام - خلال استعراضه للخيول الصافنات الجياد على سبيل الشكر لربه، فقال - تعالى - : {فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}.
والخير: يطلق كثيرا على المال الوفير، كما فى قوله - تعالى -:
{ وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } والمراد به هنا: الخيل الصافنة الجيدة، والعرب تسمى الخيل خيرا، لتعلق الخير بها، روى البخارى عن أنس - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" .
و {عن} هنا تعليلية. والمراد بـ {ذِكْرِ رَبِّي} طاعته وعبادته والضمير فى قوله {حَتَّىٰ تَوَارَتْ} يعود إلى الخيل الصافنات الجياد، والمراد بالحجاب: ظلام الليل الذى يحجب الرؤية.
والمعنى: فقال سليمان وهو يستعرض الخيل أو بعد استعراضه لها: إنى أحببت استعراض الصافنات الجياد، وأحببت تدريبها وإعدادها للجهاد، من أجل ذكر ربى وطاعته وإعلاء كلمته، ونصرة دينه، وقد بقيت حريصا على استعراضها وإعدادها للقتال فى سبيل الله، حتى توارت واختفت عن نظرى بسبب حلول الظلام الذى يحجب الرؤية {رُدُّوهَا عَلَيَّ} أى قال سليمان لجنده ردوا الصافنات الجياد علىَّ مرة أخرى، لأزداد معرفة بها، وفهما لأحوالها..
والفاء فى قوله - تعالى -: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} فصيحة تدل على كلام محذوف يفهم من السياق. و "طفق" فعل من أفعال الشروع يرفع الاسم وينصب الخبر، واسمه ضمير يعود على سليمان، و "مسحا" مفعول مطلق لفعل محذوف. والسوق والأعناق: جمع ساق وعنق.
أى: قال سليمان لجنده: ردوا الصافنات الجياد علىّ، فردوها عليه، فأخذ فى مسح سيقانها وأعناقها إعجابا بها، وسرورا بما هى عليه من قوة هو فى حاجة إليها للجهاد فى سبيل الله - تعالى -.
هذا هو التفسير الذى تطمئن إليه نفوسنا لهذه الآيات، لخلوه من كل ما يتنافى مع سمو منزلة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .
ولكن كثيرا من المفسرين نهجوا نهجا آخر، معتمدين على قصة ملخصها: أن سليمان - عليه السلام - جلس يوما يستعرض خيلا له، حتى غابت الشمس دون أن يصلى العصر، فحزن لذلك وأمر بإحضار الخيل التى شغله استعراضها عن الصلاة، فأخذ فى ضرب سوقها وأعناقها بالسيف، قربة لله - تعالى -.
فهم يرون أن الضمير فى قوله - تعالى - {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} يعود إلى الشمس. أى: حتى استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار.
وأن المراد بقوله - تعالى - {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} الشروع فى ضرب سوق الخيل وأعناقها بالسيقف لأنها شغلته عن صلاة العصر.
قال الجمل: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} أى: جعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف. هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين.
ولم يرتض الإِمام الرازى -رحمه الله - هذا التفسير الذى عليه أكثر المفسرين، وإنما ارتضى أن الضمير فى {توارت} يعود إلى الصافنات الجياد وأن المقصود بقوله - تعالى -: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} الإِعجاب بها والمسح عليها بيده حبّاً لها..
فقد قال ما ملخصه: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه فى دينهم، كما أنه كذلك فى دين الإِسلام، ثم إن سليمان - عليه السلام - احتاج إلى الغزو. فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها. وذكر أنى لا أحبها لأجل الدنيا وإنما أحبها لأمر الله، وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله: {عَن ذِكْرِ رَبِّي} ثم إنه - عليه السلام - أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أى: غابت عن بصره.
ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه، فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها.
والغرض من ذلك: التشريف لها لكونها من أعظم الأعوان فى دفع العدو... وإظهار أنه خبير بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض..
وقال بعض العلماء نقلا عن ابن حزم: تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذ اشتغل بها عن الصلاة، خرافة موضوعة.. قد جمعت أفانين من القول؛ لأن فيها معاقبة خيل لا ذنب لها والتمثيل بها. وإتلاف مال منتفع به بلا معنى. ونسبة تضييع الصلاة إلى نبى مرسل. ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها..
وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حب الخير، من أجل ذكر ربه حتى توارت الشمس أو تلك الصافنات بحجابها.
ثم أمر بردها. فطفق مسحا بسوقها وأعناقها بيده، برا بها، وإكراما لها، هذا هو ظاهر الآية الذى لا يحتمل غيره، وليس فيها إشارة أصلا إلى ما ذكروه من قتل الخيل، وتعطيل الصلاة..
والحق أن ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن سليمان - عليه السلام - شغل باستعراض الخيل عن صلاة العصر، وأنه أمر بضرب سوقها وأعناقها.. لا دليل عليه لا من النقل الصحيح ولا من العقل السليم..
وأن التفسير المقبول للآية هو ما ذكره الإِمام الرازى والإِمام ابن حزم، وما سبق أن ذكرناه من أن المقصود بقوله - تعالى -: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} إنما هو تكريمها..
وأن الضمير فى قوله: {حَتَّىٰ تَوَارَتْ} يعود إلى الصافنات لأنه أقرب مذكور.
ثم تحدثت الآيات الكريمة بعد ذلك عن فتنة سليمان - عليه السلام - فقال - تعالى -: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ..}
وقوله: {فَتَنَّا} من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: اختبرته لتعلم جودته..
قال الآلوسى: وأظهر ما قيل فى فتنة سليمان - عليه السلام - أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة. تأتى كل واحدة بفارس يجاهد فى سبيل الله - تعالى - ولم يقل إن شاء الله. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل.
وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة مرفوعا، وفيه:
"فوالذي نفس محمد بيده لو قال إنْ شاء الله لجاهدوا فرساناً" .
ولكن الذى فى صحيح البخارى أربعين بدل سبعين. وأن الملك قال له: قل إن شاء الله، فلم يقل - أى فلم يقل ذلك على سبيل النسيان..
والمراد بالجسد ذلك الشق الذى ولدته له. ومعنى إلقائه على كرسيه: وضع القابلة له عليه ليراه.
وقد ذكروا أن سليمان: إنما قال: "تحمل كل امرأة فارسا يجاهد فى سبيل الله" على سبيل التمنى للخير، وطلب الذرية الصالحة المجاهدة فى سبيل الله.
ومعنى "فلم يقل" أى: بلسانه على سبيل النسيان، والنسيان معفو عنه، إلا أن سليمان - عليه السلام - لسمو منزلته اعتبر لك ذنبا يستحق الاستغفار منه، فقال بعد ذلك "رب اغفر لى..."
وقوله: "لأطوفن الليلة..." كناية عن الجماع، قالوا: ولعل المقصود. طوافه عليهن ابتداء من تلك الليلة، ولا مانع من أن يستغرق طوافه بهن عدة ليال.
وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن فتنة سليمان، هى تركه تعليق ما طلبه على مشيئة الله، وأن عقابه على ذلك كان عدم تحقق ما طلبه.
وهذا الرأى فى تقديرنا هو الرأى الصواب فى تفسير الآية الكريمة لأنه مستند إلى حديث صحيح ثابت فى الصحيحين وفى غيرهما، ولأنه يتناسب مع عصمة الأنبياء وسمو منزلتهم، فإن النسيان الذى لا يترتب عليه ترك شئ من التكاليف التى كلفهم الله - تعالى - بها جائز عليهم.
وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى -:
{ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً. إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ } أن الوحى مكث فترة لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نسى أن يقول - عندما سأله المشركون عن بعض الأشياء إن شاء الله، وقال سأجيبكم على ما سألتمونى عنه غدا.
ومن العلماء من آثر عدم تعيين الفتنة التى اختبر الله - تعالى - بها سيدنا سليمان - عليه السلام -، بتركه المشيئة، فقال بعد أن ذكر الحديث السابق: وجائز أن تكون هذه الفتنة التى تشير إليها الآيات هنا وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق، ولكن هذا مجرد احتمال.
ثم قال: وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبى الله سليمان - عليه السلام - فى شأن يتعلق بتصرفاته فى الملك والسلطان، كما يبتلى الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم، ويبعد خطاهم عن الزلل، وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع. وطلب المغفرة، واتجه إلى الله بالرجاء والدعاء..
ونرى أنه رأى لا بأس به، وإن كنا نؤثر عليه الرأى السابق لاستناده فى استنباط المراد من الفتنة هنا إلى الحديث الصحيح.
هذا. وهناك أقوال أخرى ذكروها فى المقصود بفتنة سليمان وبالجسد الذى ألقاه الله على كرسى سليمان، وهى أقوال ساقطة، تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم السلام -.
ومن هذه الأقوال قول بعضهم: إن الجسد الذى ألقى على كرسى سليمان، عبارة عن شيطان تمثل له فى صورة إنسان، ثم أخذ من سليمان خاتمه الذى كان يصرف به ملكه. وقعد ذلك الشيطان على كرسى سليمان، ولم يعد لسليمان ملكه إلا بعد أن عثر على خاتمه.
وقول بعضهم: إن سبب فتنة سليمان - عليه السلام - هو سجود إحدى زوجاته لتمثال أبيها الذى قتله سليمان فى إحدى الحروب، وقد بقيت على هذه الحال هى وجواريها أربعين ليلة، دون أن تعلم سليمان بذلك.
وقول بعضهم: إن سبب فتنة سليمان أنه وُلِدَ له ولد فخاف عليه من الشياطين، فأمر السحاب بحفظه وتغذيته. ولكن هذا الولد وقع ميتا على كرسى سليمان، فاستغفر سليمان ربه لأنه لم يعتمد عليه فى حفظ ابنه. إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة الباطلة، التى تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وتتنافى - أيضا - مع كل عقل سليم، ولا مستند لها إلا النقل عن الإِسرائيليات وعن القصاص الذين يأتون بقصص ما أنزل الله بها من سلطان.
قال أبو حيان -رحمه الله -: نقل المفسرون فى هذه الفتنة وفى إلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الأنبياء منها، يوقف عليها فى كتبهم، وهى مما لا يحل نقلها، وهى إم من أوضاع اليهود، أو الزنادقة، ولم يبين الله - تعالى - الفتنة ما هى، ولا الجسد الذى ألقاه على كرسى سليمان.
وأقرب ما قيل فيه، أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن فى الحديث الذى قال فيه: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.. والجسد الملقى هو المولود شق رجل..
وقوله - سبحانه -: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ...} بيان لما قاله سليمان - عليه السلام - بعد الابتلاء والاختبار من الله - تعالى - له.
أى: قال سليمان - عليه السلام - يا رب اغفر لى ما فرط منى من ذنوب وزلات.. {وَهَبْ لِي مُلْكاً} عظيما {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} أى: لا يحصل مثله لأحد من الناس من بعدى {إِنَّكَ أَنتَ} يا إلهى {ٱلْوَهَّابُ} أى: الكثير العطاء لمن تريد عطاءه.
وقدم سليمان - عليه السلام - طلب المغفرة على طلب الملك، للإِشارة إلى أنها هى الأهم عنده.
قال الإِمام الرازى -رحمه الله -: دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولا، ثم بعدها طلب المملكة، وأيضا الآية تدل على أن طلب المغفرة من الله - تعالى - سبب لانفتاح أبواب الخيرات فى الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولا، ثم توسل به إلى طلب المملكة.
ولا يقال كيف طلب سليمان - عليه السلام - الدنيا والملك مع حقارتهما إلى جانب الآخرة وما فيها من نعيم دائم؛ لأن سليمان - عليه السلام - ما طلب ذلك إلا من أجل خدمة دينه وإعلاء كلمة الله فى الأرض، والتمكن من أداء الحقوق لأصحابها، ونشر العدالة بين الناس، وإنصاف المظلوم، وإعانة المحتاج. وتنفيذ شرع الله - تعالى - على الوجه الأكمل.
فهو - عليه السلام - لم يطلب الملك للظلم أو البغى.. وإنما طلبه للتقوى به على تنفيذ شريعة الله - تعالى - فى الأرض.
ولقد وضح الإِمام القرطبى هذا المعنى فقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا، مع ذمها من الله - تعالى - ...؟
فالجواب: أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله - تعالى - وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته... وحوشى سليمان - عليه السلام - أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا. لأنه هو والأنبياء، أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله. كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك.
ومعنى قوله {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} أى: أن يسأله. فكأنه سأل منه السؤال بعده، حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإِجابة..
والفاء فى قوله - تعالى -: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} للتفريع على ما تقدم من طلب سليمان من ربه أو يهبه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده. والتسخير: التذليل والانقياد. أى: دعانا - سليمان - عليه السلام والتمس منا أن نعطيه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، فاستجبنا له دعاءه، وذللنا له الريح، وجعلناها منقادة لأمره بحيث تجرى بإذنه رخية لينة، إلى حيث يريدها أن تجرى.
وقوله: {تَجْرِي} حال من الريح. وقوله {بِأَمْرِهِ} من إضافة المصدر لفاعله. أى: بأمره إياها. ولا تنافى بين هذه الآية وبين قوله - تعالى - فى آية أخرى:
{ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا... } لأن المقصود من الآيتين بيان أن الريح تجرى بأمر سليمان، فهى تارة تون لينة وتارة تكون عاصفة، وفى كلتا الحالتين هى تسير بأمره ورغبته.
وقوله: {وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} معطوف على الريح أى: سخرنا له الريح تجرى بأمره.. وسخرنا له الشياطين. بأن جعلناهم منقادين لطاعته، فمنهم من يقوم ببناء المبانى العظيمة التى يطلبها سليمان منهم. ومنهم الغواصون الذين يغوصون فى البحار ليستخرجوا له منها اللؤلؤ والمرجان، وغير ذلك من الكنوز التى اشتملت عليها البحار.
وقوله - سبحانه -: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} معطوف على كل بناء، داخل معه فى حكم البدل من الشياطين.
أى: أن الشياطين المسخرين لسليمان كان منهم البناءون، وكان منهم الغواصون، وكان منهم المقيدون بالسلاسل والأغلال، لتمردهم وكثرة شرورهم.
فمعنى {مقرنين} :مقرونا بعضهم ببعض بالأغلال والقيود. والأصفاد: جمع صَفَد وهو ما يوثق به الأسير من قيد وغُلّ.
ثم بين - سبحانه - أنه أباح لسليمان - عليه السلام - أن يتصرف فى هذا الملك الواسع كما يشاء فقال: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا} أى: منحنا هذا الملك العظيم لعبدنا سليمان - عليه السلام - وقلنا له: هذا عطاؤنا لك{فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أى: فأعط من شئت منه. وأمسك عمن شئت. فأن غير محاسب منا لا على العطاء ولا على المنع.
ثم بين - سبحانه - ما أعده لسليمان - عليه السلام - فى الآخرة، فقال: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا} أى فى الآخرة {لَزُلْفَىٰ} لقرابة وكرامة {وَحُسْنَ مَآبٍ} أى: وحسن مرجع إلينا يوم القيامة.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أيوب - عليه السلام - فذكرت نداءه لربه، واستجابة الله - تعالى - له وما وهبه من نعم جزاء صبره، فقال - تعالى -
{وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ...}.