التفاسير

< >
عرض

وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ
٦٠
وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٦١
ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
٦٢
لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ
٦٣
قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ
٦٤
وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٦٥
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ
٦٦
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٦٧
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ
٦٨
وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٦٩
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
٧٠
-الزمر

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

فقوله -: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّة..} بيان لحالة الكافرين يوم القيامة، ولما تكون عليه هيئتهم من خزى وهوان.
أى: وفى يوم القيامة إذا نظرت - أيها الرسول الكريم - أو - أيها العاقل - إلى وجوه الذين كذبوا على الله، بأن أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى، أو جعلوا له صاحبة أو ولدا.. إذا نظرت إليها رأيتها مسودة مكفهرة بسبب ما أحاط بهم من عذاب، وما شاهدوه من أهوال.
وقوله: {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} جملة من مبتدأ وخبر، وهى فى محل نصب على الحال من الذين كذبوا.. والاستفهام فى قوله: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِين} للتقرير والمثوى: المكان والمقام.
يقال: ثوى فلان بالمكان وأثوى فيه، إذا أقام به، فهو ثاو ومنه قوله - تعالى -:
{ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ } أى: أليس فى جهنم مكانا ومقرا لإِهانة المتكبرين وإذلالهم، بسبب تطاولهم على غيرهم، وتكذيبهم لآيات الله؟ بلى إن بها ما يجعلهم يذوقون العذاب الأليم.
ثم بين - سبحانه - حال المؤمنين يوم القيامة، بعد بيانه لحال الذين كذبوا على الله فقال: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
ومفازتهم: اسم مصدر. أو مصدر ميمى. من فاز فلان بكذا، إذا ظفر به، ونال مراده منه.
أى؛ وينجى الله - تعالى - بفضله ورحمته، {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} الشرك والمعاصى من عذاب جهنم، {بِمَفَازَتِهِمْ} أى: بسبب فوزهم برضا الله - تعالى - ورحمته، جزاء إيمانهم وتقواهم، وقرأ حمزة والكسائى {بمفازاتهم} بالجمع.
ويصح أن تكون الباء فى قوله: {بِمَفَازَتِهِمْ} للملابسة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو حال من الذين اتقوا. أى ينجيهما حالة كونهم متلبسين.
وقوله: {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} يجوز أن يكون تفسيراً لذلك الفوز، كأنه قيل: وما مظاهر فوزهم فكان الجواب: لا يمسهم السوء الذى يصيب غيرهم من الكافرين والعصاة، ولا هم يحزنون على شئ تركوه خلفهم فى الدنيا.
ويجوز أن يكون حالا من الذين اتقوا. أى: ينجيهم بسبب مفازتهم، حال كونهم لا يمسهم السوء، أى: لا يمسهم شئ مما يكره لا فى الحال ولا فى الاستقبال، ولا هم يحزنون على ما كان منهم فى الماضى.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد كرم المتقين تكريما عظيما، حيث نجاهم من عذاب جهنم، وجعلهم آمنين من كل ما يغمهم فى كل زمان أو مكان.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: هذه آية جامعة، لأن الإِنسان إذا علم أنه لا يمسه السوء، كان فراغ البال بحسب الحال، وإذا علم أنه لا يحزن كان هادئ النفس عما وقع فى قلبه بسبب فوات الماضى، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الآفات.
وقد دلت الآية على أن المؤمنين، لا ينالهم الخوف والرعب فى القيامة، وتأكد هذا بقوله:
{ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ.. } ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته فقال: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}.
أى: الله - تعالى - هو وحده الخالق لكل شئ فى هذا الكون، وهو - سبحانه - المتصرف فى كل شئ فى هذا الوجود، بحيث لا يخرج مخلوق عن إذنه ومشيئته.
{لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أى: له وحده مفاتيح خزائنهما، والمقاليد جمع مقلاد، أو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مأخوذ من التقليد بمعنى الإِلتزام. أى: أنه لا يملك أمر السموات والأرض، ولا يتمكن من التصرف فيهما غيره - تعالى -.
قال صاحب الكشاف: قوله: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}: أى: هو مالك أمرهما وحافظهما؛ لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها، هو الذى يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه مقاليد الملك، وهى المفاتيح، ولا واحد لها من لفظها وقيل: جمع مقليد.. والكلمة أصلها فارسية.
فإن قلت: ما للكتاب العربى المبين وللفارسية؟
قلت: التعريب أحالها عربية، كما أخرج الاستعمال المهمل عن كونه مهملا،
ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أى: والذين كفروا بآيات الله التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيته، أولئك هم البالغون أقصى الدرجات فى الخسران.
وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} وما بينهما اعتراض للدلالة على هيمنة الله - تعالى - على شئون خلقه.. أى: وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم.. والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الكاملون فى الخسران.
وهذه المقابلة فيها ما فيها من تأكيد الثواب العظيم للمتقين، والعقاب الأليم للكافرين.
ثم أمر الله - تعالى - رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ الكافرين على جهالاتهم. فقال: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ}.
وقد ذكروا فى سبب نزولها أن المشركين قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك.
والاستفهام للإِنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، و "غير" منصوب بقوله: {أَعْبُدُ}، وأعبد معمول لتأمرونى على تقدير أن المصدرية، فلما حذفت بطل عملها.
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين على سبيل التوبيخ والتأنيب: أبعد أن شاهدتهم ما شاهدتم من الآيات الدالة على وحدانية الله - تعالى -، وعلى صدقى فيما أبلغه عنه، أبعد كل ذلك تأمرونى أن أعبد غير الله - تعالى - أيها الجاهلون بكل ما يجب لله - تعالى - من تنزيه وتقديس.
ووصفهم هنا بالجهل، لأن هذا الوصف هو الوصف المناسب للرد على ما طلبوه منه صلى الله عليه وسلم من إشراك آلهتهم فى العبادة.
ثم حذر - سبحانه - من الشرك أبلغ تحذير فقال: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ. بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ}
قال الجمل: قوله: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ...} هذه اللام دالة على قسم مقدر وقوله {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} هذه اللام - أيضا - دالة على قسم مقدر، وقوله: {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} كل من هذين اللامين واقعة فى جواب القسم الثانى. والثانى وجوابه جواب الأول. وأما جواب الشرط فى قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} فمحذوف، لدخول جواب القسم عليه، فهو من قبيل قول ابن مالك:

واحذف لدى اجتماع شرط مقسمجواب ما أخرت فهو ملتزم

وقوله {أُوْحِيَ} مسلط على {إِلَيْكَ} وعلى {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} فيكون المعنى: ولقد أوحى إليك - أيها الرسول الكريم - وأوحى إلى الرسل الذين من قبلك أيضا لئن أشركت، بالله - تعالى - على سبيل الفرض {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} أى ليفسدن عملك فسادا تاما {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} خسارة ليس بعدها خسارة فى الدنيا والآخرة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: الموحى إليهم، جماعة، فكيف قال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} على التوحيد؟
قلت: معناه. أوحى إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله أو أوحى إليك وإلى كل واحد منهم، لئن أشركت ليحبطن عملك. كما تقول: فلان كسانا حلة. أى: كل واحد منا.
فإن قلت: كيف صح الكلام مع علم الله - تعالى - أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم.
قلت: هو على سبيل الفرض. والمحالات يصح فرضها..
والآية الكريمة تحذر من الشرك بأسلوب فيه ما فيه من التنفير منه ومن التقبيح له، لأنه إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لو وقع فى شئ منه - على سبيل الفرض - حبط عمله، وكان من الخاسرين. فكيف بغيره من أفراد أمته؟
وقوله - تعالى -: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أمر منه - تعالى - بالثبات على عبادة الله - تعالى - وحده، وبالمداومة على شكره، ونهى عن طاعة المشركين، ولفظ الجلالة منصوب بقوله {فَٱعْبُدْ} والفاء جزائية فى جواب شرط مقدر.
أى: لا تطع - أيها الرسول الكريم - المشركين فيما طلبوه منك، بل اجعل عبادتك لله - تعالى - وحده، وكن من الشاكرين له على نعمه التى لا تحصى.
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغير الله - تعالى - قد تجاوزوا حدودهم معه - عز وجل - ولم يعطوه ما يستحقه من تنزيه وتقديس فقال: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}.
أى: أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغيره - تعالى -، ما عظموه حق تعظيمه، وما أعطوه ما يستحقه - سبحانه - من تقديس وتكريم وتنزيه وطاعة.
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على وحدانيته. وكمال قدرته. فقال: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}.
والقَبْضة: المرة من القَبْض، وتطلق على المقدار المقبوض بالكف. ومطويات أى: مجموعات تحت قدرته وملكه، كما يجمع الكتاب المطوى، والجملة الكريمة حال من لفظ الجلالة، فيكون المعنى: إن هؤلاء المشركين لم يعظموا الله حق تعظيمه، حيث أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى هى من مخلوقاته، والحال أنه - سبحانه - هو المتولى لإِبقاء السموات والأرض على حالهما فى الدنيا، وهو المتولى لتبديلهما، أو إزالتهما فى الآخرة، فالأرض كلها مع عظمتها وكثافتها تكون يوم القيامة فى قبضته وتحت قدرته، كالشئ الذى يقبض عليه القابض، والسموات كذلك مع ضخامتها واتساعها، تكون مطويات بيمينه وتحت قدرته وتصرفه، كما يطوى الواحد منا الشئ الهين القليل بيمينه، وما دام الأمر كذلك فكيف يشركون معه غيره فى العبادة؟
فالمقصود من الآية الكريمة بيان وحدانيته وعظمته وقدرته - سبحانه - وبيان ما عليه المشركون من جهالة وانطماس بصيرة حين أشركوا معه فى العبادة غيره.
قال صاحب الكشاف: والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعته، تصوير عظمته، والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز..
وقال الآلوسى: والكلام فى هذه الآية عند كثير من الخلف، تمثيل لحال عظمته - تعالى - ونفاذ قدرته.. بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعا، ويمين بها يطوى السموات، أو بحال من يكون له قبضة فيها الأرض والسموات، ويمين بها يطوى السموات.
والسلف يقولون: إن الكلام هنا تنبيه على مزيد جلالته - تعالى -. إلا أنهم لا يقولون إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف، ولا اليمين مجاز عن القدرة، بل ينزهون الله - تعالى - عن الأعضاء والجوارح، ويؤمنون بما نسبه - تعالى - : إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذى أراده - سبحانه - وكذا يفعلون فى الأخبار الواردة فى هذا المقام.
فقد أخرج البخارى ومسلم عن ابن مسعود قال:
"جاء حبر من الأحبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد. إنا نجد الله يحمل السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ هذه الآية.."
وقدم - سبحانه - الأرض على السموات لمباشرتهم لها، ومعرفتهم بحقيقتها.
وخص يوم القيامة بالذكر، وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا - أيضا - لأن الدعاوى تنقطع فى ذلك اليوم. كما قال - تعالى -
{ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } روى الشيخان عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يطوى الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون، أين ملوك الأرض" .
وقوله - تعالى -: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تنزيه له - تعالى -: عما افتراه المفترون.
أى: تنزه وتقدس الله - تعالى - عن شرك المشركين، وعن ضلال الضالين.
ثم بين - سبحانه - حال الناس عند النفخة الأولى والثانية فقال: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}.
والصور: اسم للقرن الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - وحقيقته لا يعلمها إلا هو - سبحانه - وقوله {فَصَعِقَ} من الصعق بمعنى الموت أو بمعنى الصوت الشديد الذى يجعل الإِنسان فى حالة ذهول شديد حتى لكأنه قد فارق الحياة.
أى: ونفخ فى الصور بأمر الله - تعالى - النفخة الأولى، فخر ميتا كل من كان حيا فى السموات أو فى الأرض.
{إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} له الحياة من أهلهما، قالوا: والمستثنى من الصعق جبريل وإسرافيل وميكائيل. ولم يرد حديث صحيح يعتمد عليه فى تعيين من استثناه الله - تعالى -: من ذلك، فالأولى تفويض من استثناه الله من الصعق إلى علمه - عز وجل -.
{ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} أى: ثم نفخ فى الصور نفخة أخرى - وهى النفخة الثانية التى يكون بعدها البعث والنشور.
{فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} أى: فإذا بهؤلاء الذين صعقوا بعد النفخة الأولى قيام من قبورهم، ينظرون حولهم بدهشة وحيرة ماذا يفعل بهم، أو ينظرون على أى حال يكون مصيرهم.
فالآية الكريمة تفيد أن النفخ فى الصور يكون مرتين: المرة الأولى يكون بعدها الصعق والموت لجميع الأحياء، والنفخة الثانية يكون بعدها البعث والنشور وإعادة الحياة مرة أخرى.
والمراد بالأرض فى قوله - تعالى -: بعد ذلك: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا...} أرض المحشر.
وأصل الإِشراق: الإِضاءة. يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت، وشرقت: إذا طلعت.
قال ابن كثير: وقوله: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} أى: أضاءت - الأرض - يوم القيامة، إذا تجلى الحق - تبارك وتعالى - للخلائق لفصل القضاء.
والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى -: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} صحائف الأعمال التى تكون فى أيدى أصحابها.
فالمراد بالكتاب جنسه، أى: أعطى كل واحد كتابه إما بيمينه. وإما بشماله. وقيل المراد بالكتاب هنا: اللوح المحفوظ الذى فيه أعمال الخلق.
{وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} أى: وبعد أن أعطى كل إنسان صحائف أعماله جئ بالنبيين لكى يشهدوا على أممهم أنهم بلغوهم ما كلفهم الله بتبليغه إليهم، وجئ بالشهداء وهم الملائكة الذين يسجلون على الناس أعمالهم من خير وشر، كما قال - تعالى -:
{ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ } وقيل المراد بهم: من استشهدوا فى سبيل الله.
ثم بين - سبحانه - مظاهر عدالته فى جمل حكيمة فقال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} أى: وقضى - سبحانه - بين الجميع بقضائه العادل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أى: نوع من الظلم.
{وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} من خير أو شر {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} أى: وهو سبحانه - عليم بما يفعلونه من طاعة أو معصية، لا يخفى عليه شئ من أحوال خلقه، بل هو - تعالى - يعلم السر وأخفى.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان مصير الكافرين، وببيان مصير المتقين، وببيان ما يقوله المتقون عندما يرون النعيم المقيم الذى أعده - سبحانه - لهم، فقال - تعالى -:
{وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ...}.