التفاسير

< >
عرض

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
١١
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
١٢
تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
١٣
وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ
١٤
-النساء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} الآية:
"هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التى هى خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض. وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة فى ذلك مما هو كالتفسير لذلك. وقد ورد الترغيب فى تعلم الفرائض فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة - أى غير منسوخة - أو سنة قائمة - أى ثابتة - أو فريضه عادلة - أى عادلة فى قسمتها بين أصحابها -" .
وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا الفرائض وعلموه الناس؛ فإنه نصف العلم. وهو أول شئ ينسى.. وهو أول شئ ينزع من أمتى" .
ثم قال ابن كثير: وقال البخارى عن تفسير هذه الآية: عن جابر بن عبد الله قال: عادنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فى بنى سلمة ماشيين فوجدنى النبى صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا. فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش على فأفقت. فقلت: يا رسول الله ما تأمرنى أن أصنع فى مالى؟ فنزلت {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} الآية.
وفى حديث آخر رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن جابر قال:
"جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله!! هاتان ابنتا سعد بن الربيع. قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا. وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا. ولا تنكحان إلا ولهما مال. فقال صلى الله عليه وسلم: يقضى الله فى ذلك فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال صلى الله عليه وسلم: أعط ابنتى سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقى فهو لك" .
ثم قال ابن كثير: والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتى، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة. والحديث الثانى عن جبار أشبه بنزول هذه الآية. هذا، وقوله - تعالى - {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} بيان لما إذا مات الميت وترك أولادا من الذكور والإِناث.
وقوله {يُوصِيكُمُ} من الوصية، وهى - كما يقول الراغب -: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم: أرض واصية أى متصلة البنات ويقال: أوصاه ووصاه... ويقال: تواصى القوم إذا أوصى بعضهم بعضا..." والمراد بقوله {يُوصِيكُمُ}: أى يأمركم أمرا مؤكدا.
والأولاد: جمع ولد - بوزن فعل مثل أسد - والولد: اسم للمولود ذكرا كان أو أنثى والحظ: النصيب المقدر.
والمعنى: يعهد الله إليكم ويأمركم أمرا مؤكدا فى شأن ميراث أولادكم من بعد موتتكم أن يكون نصيب الذكر منهم فى الميراث نصيب الأنثيين.
وصدر - سبحانه - هذه الأحكام بقوله {يُوصِيكُمُ} اهتماما بشأنها، وإيذانا بوجوب سرعة الامتثال لمضمونها، إذ الوصيية من الله - تعالى - إيجاب مؤكد، بدليل قوله - تعالى -
{ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ } أى أوجب عليكم الانقياد لهذا الحكم إيجاباً مؤكداً.
وحرف {فِيۤ} هنا للظرفية المجازية، ومجروها محذوف قام المضاف إليه مقامه، لأن ذوات الأولاد لا تصلح ظرفا للوصية، والتقدير: يوصيكم الله فى توريث أولادكم أو فى شأنهم.
وبدأ - سبحانه - ببيان ميراث الأولاد، لأنهم أقرب الناس إلى الإِنسان، ولأن تعلق الإِنسان بأولاده أشد من تعلقه بأى إنسان آخر.
وقوله {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} جملة مستأنفة لا محل لها من الإِعراب لأنها فى موضع التفصيل والبيان لجملة {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ}.
وقد جعل - سبحانه - نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن التكليفات المالية على الأنثى تقل كثيراً عن التكليفات المالية على الذكر، إذ الرجل مكلف بالنفقة على نفسه وعلى أولاده وعلى زوجته وعلى كل من يعولهم بينما المرأة نصيبها من الميراث لها خاصة لا يشاركها فيه مشارك.
وبهذا يتبين أن الإِسلام قد أكرم المرأة غاية الإِكرام حيث أعطاها هذا النصيب الخاص بها من الميراث بعد أن كانت فى الجاهلية لا ترث شيئاً.
ولم يقل - سبحانه - للذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن الضعف قد يصدق على المثلين فصاعدا، فلا يكون نصا.
ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر ولا للأنثى نصف حظ الذكر، لأن المقصود تقديم الذكر لبيان فضله ومزيته على الأنثى.
وعبر بالذكر والأنثى دون الرجال والنساء، للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين فى الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر فى ذلك أصلا، كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال ولا النساء.
وبعد أن بين - سبحانه - كيفية قسمة التركة إذا كان الورثة أولادا ذكورا وإناثا، عقب ذلك ببيان كيفية تقسيم التركة إذا كان الورثة من الأولاد الإِناث فقط فقال - تعالى -: {فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك}.
قال الآلوسى: الضمير للأولاد مطلقا، ولزوم تغليب الإِناث على الذكور لا يضر، لأن ذلك مما صرحوا بجوازه مراعاة للخبر ومشاكلة له. ويجوز أن يعود إلى المولودات أو البنات اللاتى فى ضمن مطلق الأولاد.. والمراد من الفوقية زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية.
والمعنى: فإن كانت المولودات أو البنات نساء خلصا زائدات على اثنتين بالغات ما بلغن فلهن ثلثا ما ترك المتوفى.
وهذه الجملة الكريمة قد بينت بالقول الصريح نصيب الأكثر من البنتين وهو الثلثان إلا أنها لم تبين نصيب البنتين بالقول الصريح.
وقد روى عن ابن عباس أنه قال: الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا وأما فرض البنتين فهو النصف. ودليله صريح منطوق الآية، فقد اشترطت أن أخذ ثلثى التركة للنساء يكون إذا كن فوق اثنتين أى ثلاثا فصاعدا، وذلك ينفى حصول الثلثين للبنتين.
وقال جمهور العلماء: البنتان لاحقتان بالبنات، فلهما الثلثان إذا انفردتا عن البنين كما أن البنات لهن الثلثان كذلك.
وقد بسط الفخر الرازى أدلة الجمهور على أن للبنتين الثلثين كالبنات فقال ما ملخصه:
وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان. قالوا: وإنما عرفنا ذلك بوجوه:
أولها: من قوله - تعالى - {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} وذلك لأن من مات وترك إبنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله - تعالى - {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ}، فإذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين. ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين.
الثانى: إذا مات وترك إبنا وبنتا فههنا يكون نصيب البنت الثلث بدليل {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث فبأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى وإذا كان للبنت الثلث مع أختها وللأخرى كذلك فقد صار لهما الثلثان.
الثالث: أن قوله - تعالى - {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك خلاف النص. وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فتقول: وجب أن يكون ذلك هو الثلثان، لأنه لا قائل بالفرق.
والرابع: أنا ذكرنا فى سبب نزول الآية أنه صلى الله عليه وسلم أعطى بنتى سعد بن الربيع الثلثين، وذلك يدل على ما قلناه.
الخامس: أنه - سبحانه - ذكر فى هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن ولم يذكر حكم الثنتين وذكر فى شرح ميراث الأخوات - فى آخر السورة
{ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك... فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } فهنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين دون الأخوات، فصارت كل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه ومبينة من وجه فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين.
والوجوه الثلاثة الأول مستنبطة من الآية. والرابع مأخوذ من السنة. والخامس من القياس الجلى".
هذا وقد صح عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجمهور فانعقد الإِجماع على أن للبنتين الثلثين.
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا ترك الشخص بنتا واحدة فقال: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ}.
أى وإن كانت المولودة أنثى واحدة ليس معها أخ ولا أخت فلها النصف أى نصف ما تركه المتوفى.
وإلى هنا تكون الآية قد ذكرت ثلاث حالات للأولاد فى الميراث:
الأولى: أن يترك الميت ذكوراً وإناثاً. وفى هذه الحالة يكون الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
الثانية: أن يترك الميت بنتين فأكثر وليس معهما أخ ذكر: وفى هذه الحالة يكون لهما أولهن الثلثان خلافا لابن عباس فى البنتين - كما سبق أن بينا.
الثالثة: أن يترك الميت بنتا واحدة وليس معها أخر ذكر. وفى هذه الحالة يكون لها النصف.
قال بعض العلماء: هذا توريث الأولاد. ويلاحظ ما يأتى:
أولا: أن نصيب الأولاد إذا كانوا ذكوروا وإناثا إنما يكون بعد أن يأخذ الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم. فإذا كان للمتوفى أب وزوجة وأبناء وبنات، فان القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين تكون بعد أخذ الأب والزوجة نصييبهما.
ثانيا: أن الأولاد يطلقون على كل فروع الشخص من صلبه: أى أبناؤه وأبناء أبنائه وبناته وبنات أبنائه. أما أولاد بناته فليسوا من أولاده. وقد خالف فى ذلك الشيعة فلم يفرقوا فى نسبة الأولاد بين من يكون من أولاد الظهور ومن يكون من أولاد البطون. أى: لا يفرقون بين من تتوسط بينه وبين المتوفى أنثى ومن لا تتوسط.
ثالثا: أن أبناء المتوفى وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنه. أى: أن الطبقة الأولى تمنع من يليها:
رابعا: أن بنات الابن يأخذن البنات تماما إذا لم يكن للشخص أولاد قط لا ذكور ولا إناث".
وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد أعقبه ببيان ميراث الأبوين فقال: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ}.
وقد ذكر - سبحانه - هنا ثلاث حالات للأبوين.
أما الحالة الأولى: فيشترك فيها الأب والأم بأن يأخذ كل واحد منهما السدس إذا كان للميت ولد. وقد عبر - سبحانه - عن هذه الحالة بقوله: {وَلأَبَوَيْهِ} أى لأبوى الميت ذكرا كان أو أنثى. والضمير فى {أبويه} كناية عن غير مذكور. وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه.
والمراد بالأبوين: الأب والأم. والتثنية على لفظ الأب للتغليب.
وقوله {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} بدل من قوله {وَلأَبَوَيْهِ} بتكرير العامل وهو اللام فى قوله {لِكُلِّ}. وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه.
وقوله {ٱلسُّدُسُ} بيان للنصيب الذى يستحقه كل واحد من الأبوين.
أى: أن لكل واحد من أبوى الميت السدس مما ترك من المال {إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} أى: إن كان لهذا الميت ولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر.
قال القرطبى: فرض الله - تعالى - لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس، وأبهم الولد فكان الذكر والأنثى فيه سواء. فان مات رجل وترك أبناء وابوين فلابويه لكل واحد منهم السدس وما بقى فللابن. فان ترك ابنة وأبوين فللابنة النصف وللأبوين السدسان وما بقى فلأقرب عصبة وهو الأب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر، فاجتمع للأب الاستحقاق بجهتين التعصيب والفرض" .
والحالة الثانية: وهى ما إذا مات وورثه أبواه، وقد بين - سبحانه - حكمها بقوله: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ}.
أى فإن لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن وورثه أبواه فقط، ففى هذه الحالة يكون لأم الميت ثلث التركة، ولأبيه الباقى من التركة وهو الثلثان، إذ لا وارث له سواهما. فاذا كان معهما أحد الزوجين كان للأم ثلث الباقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة وثلثاه للأب وهذا رأى جمهور الصحابة وهو الذى اختاره الأئمة الأربعة وأكثر فقهاء الامصار.
أما الحالة الثالثة: وهى ما إذا مات الميت وترك الأبوين ومعهما إخوة أو أخوات فقد بين - سبحانه - حكمها بقوله: "فان كان له إخوة فلأمه السدس أى: فان كان للميت إخوة من الأب والأم. أو من الأب فقط، أو من الأم فقط ذكورا كانوا أو أناثا أو مختلطين ففى هذه الحالة يكون لأم الميت سدس التركة والباقى. للأب ولا ميراث للإِخوة لحجبهم بالأب وبهذا نرى أن إخوة الميت ينقصون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب.
وإذا شرط الله فى انقاص نصيبها من الثلث إلى السدس الجماعة من الإِخوة علم أن الأخ الواحد لا يحجبها عن الثلث بل يبقى لها الثلث.
أما الأخوان فيرى جمهور الصحابة والعلماء المجتهدين أنهما ينقصانها من الثلث إلى السدس. لأنه قد ورد فى اللغة اطلاق الجمع على الأثنين كما فى قوله - تعالى -
{ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } }. ولأن الشارع قد جعل الأختين كالثلاث فى الميراث. وكذلك جعل البنتين كالثلاث. ولا فرق بين الذكور والاناث.
ويروى عن ابن عباس أن الاخوين لا ينقصان الأم من الثلث إلى السدس فشأنهما شأن الأخ الواحد لأن الله - تعالى - قال {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} بصيغة الجمع، والجمع أقله ثلاث بخلاف التثنية. والعمل على ما ذهب إليه الجمهور.
وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد بينت ميراث الأولاد والأبوين. ثم عقبت ذلك ببيان الوقت الذى تدفع فيه هذه الأموال إلى مستحقيها من الورثة فقالت: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}.
أى هذه الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصى بها الميت إلى الثلث. ومن بعد قضاء دين على الميت.
فالجملة الكريمة متعلقة بما تقدم قبلها من قسمة المواريث؛ فكأنه قال: قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها الميت ومن بعد قضاء دين عليه.
ثم بين - سبحانه - حكمة هذا التقسيم, وأكد وجوب تنفيذه فقال: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}.
قال الآلوسى: الخطاب للورثة. وقوله {آبَآؤُكُمْ} مبتدأ، وقوله {وَأَبناؤُكُمْ} معطوف عليه. وقوله {لا تدرون} مع ما فى حيزه خبر له. وأىّ إما استفهامية مبتدأ. وقوله {أَقْرَبُ} خبره والفعل معلق عنها فهى سادة مسد المفعولين. واما موصولة، قوله {أَقْرَبُ} خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة الموصول. وأيهم مفعول أول مبنى على الضم لإِضافته وحذف صدر صلته. والمفعول الثاني محذوف. وقوله {نَفْعاً} نصب على التمييز وهو منقول من الفاعلية. وجملة {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} أعتراضية مؤكدة لوجوب تنفيذ الوصية.
والمعنى أن الله - تعالى - قد فرض لكم هذه الفرائض؛ وقسم بينكم الميراث هذا التقسيم العادل فعليكم أن تلتزموا بتنفيذ قسمة الله التى قسمها لكم، ولا يصح لكم أن تحكموا أهواءكم فى أموالكم، فإنكم لا تعلمون من أنفع لكم من أصولكم وفروعكم فى دنياكم وآخرتكم.
وقد صدر - سبحانه الجملة الكريمة بذكر الآباء والأبناء لقوة قرابتهم واتحاد اتصالهم، ومع ذلك لا يدرون النافع منهم، لأن الله - تعالى - وحده هو العليم بأحوال عباده، وبما تسره وتعلنه نفوسهم.
ثم أكد الله - تعالى - وجوب الانقياد لما شرعه لهم فى شأن المواريث بتأكيدين:
أولهما: قوله - تعالى - {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ}.
أى: فرض الله ذلك التقسيم للميراث فريضة، وقدره تقديرا فلا يجوز لكم أن تخالفوه، لأنه تقدير الله وقسمته، وليس لأحد أن يخالف قسمة الله وشرعه.
وقوله {فَرِيضَةً} منصوب على أنه مصدر مؤكد لنفسه، على حد قولهم؛ هذا ابنى حقا، لأنه واقع بعد جملة لا محتمل لها غيره، فيكون فعله الناصب له محذوفا وجوبا. أى فرض ذلك فريضة من الله.
وأما التأكيد الثانى: فهو قوله - تعالى -: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أى إن الله - تعالى - كان عليما بما يصلح أمر العباد فى دنياهم وآخرتهم، حكيما فيما قضى وقدر من شئون وتشريعات، فعليكم أن تقفوا عندما قضى وشرع لتفوزوا بمثوبته ورعايته ورضاه.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: ومناسبة هذا الكلام هنا أنه - تعالى - لما ذكر أنصباء الأولاد والأبوين، وكانت تلك الأنصباء مختلفة.. والإِنسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه لكانت أنفع له وأصلح، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث مخالفة لما جاء به الإِسلام. لما كان الأمر كذلك أزال الله هذه الشهبة بأن قال: إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فربما اعتقدتم فى شئ أنه صالح لكم وهو عين المضرة، وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة وهو عين المصلحة، وأما الإِله الحكيم الرحيم فهو عالم بمغيبات الأمور وعواقبها، فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التى تستحسنها عقولكم، وكونوا مطيعين لأمر الله فى هذه التقديرات التى قدرها لكم، فقوله {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} إشارة إلى ترك ما يميل إليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة. وقوله: {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} إشارة الى وجوب الانقياد لهذه القسمة التى قدرها الشرع وقضى بها".
وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد والأبوين شرع فى بيان ميراث الأزواج فقال - تعالى - {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ}.
أى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إن لم يكن لهؤلاء الزوجات الموروثات ولد ذكرا كان أو أنثى، واحدا كان أو متعددا، منكم كان أو من غيركم فإن كان لهن ولد فلكم أيها الازواج الربع مما تركن من المال.
وبهذا نرى أن للزوج فى الميراث حالتين: حالة يأخذ فيها نصف ما تركته زوجته المتوفاة من مال إن لم تترك خلفها ولدا من بطنها أو من صلب بنيها أو بنى بنيها... إلخ، فإن تركت ولدا على التفصيل السابق كان لزوجها ربع ما تركت من مال وتلك هى الحالة الثانية للزوج، ويكون الباقى فى الصورتين لبقية الورثة.
وقوله {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} متعلق بكلتا الصورتين.
أى لكم ذلك أيها الرجال من بعد استخراج وصيتهن وقضاء ما عليهن من ديون.
ثم بين - سبحانه - نصيب الزوجة فقال {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم}.
أى أن للزوجات ربع المال الذى تركه أزواجهن إذا لم يكن لهؤلاء الأزواج الأموات ولد من ظهورهم أو من ظهور بنيهم أو بنى بنيهم.. إلخ فإن ترك الأزواج من خلفهم ولدا فللزوجات ثمن المال الذى تركه أزواجهن ويكون المال الباقى فى الصورتين لبقية الورثة.
ونرى من هذا أن الزوجة على النصف فى التقدير من الزوج، وهو قاعدة عامة فى قسمة الميراث بالنسبة للذكر والأنثى، ولم يستثن إلا الإخوة لأم، والأبوين فى بعض الأحوال.
وقوله {مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} متعلق بما قبله.
أى لكن ذلك أيتها الزوجات من بعد استخراج وصيتهم وقضاء ما عليهم من ديون.
ثم بين - سبحانه، ميراث الإِخوة والأخوات لأم فقال - تعالى -: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ}.
والكلالة؛ هم القرابة من غير الأصول والفروع.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما الكلالة؟ قلت: ينطلق على واحد من ثلاثة: على من لم يخلف ولدا ولا والدا "وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم ما ورث المجد عن كلالة. كما تقول: ما صمت عن عى، وما كف عن جبن.
والكلالة فى الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء، قال الأعشى:

فآليت لا أرثى لها من كلالة

فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالإِضافة إلى قرابتها كالّة ضعيفة. عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل عن الكلالة فقال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد".
والظاهر أن كلمة "كلالة هنا وصف للميت الموروث، لأنها حال من نائب فاعل قوله: {يُورَثُ} وهو ضمير الميت الموروث. والتقدير: وإن كان رجل موروثا حال كونه كلالة. أى؛ لم يترك ولدا ولا والدا. ويرى بعضهم أن كلمة كلالة هنا: وصف للوارث الذى ليس بولد ولا والد للميت. لأن هؤلاء الوارثين يتكللون الميت من جوانبه، وليسوا فى عمود نسبه، كالإِكليل يحيط بالرأس، ووسط الرأس منه خال. من تكلله الشئ إذا أحاط به. فسمى هؤلاء الأقارب الذين ليسوا من أصول الميت أو من فروعه كلالة، لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من عمود نسبه. وعلى هذا الرأى يكون المعنى وإن كان رجل يورث حال كونه ذا وارث هو كلالة. أى أن وارثه ليس بولد ولا والد له.
والمراد بالإِخوة والأخوات هنا: الإِخوة والاخوات لأم، بدليل قراءة سعد بن أبى وقاص: "وله أخ أو أخت من أم". ويدل عليه - أيضا - أن الله - تعالى - ذكر ميراث الإِخوة مرتين: هنا مرة، ومرة أخرى فى آخر آية من هذه السورة وهى قوله:
{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ } }. وقد جعل - سبحانه - فى الآية التى معنا للواحد السدس وللأكثر الثلث شركة، وجعل فى الآية التى فى آخر السورة للأخت الواحدة النصف، وللأثنتين الثلثين، فوجب أن يكون الإِخوة هنا وهناك مختلفين دفعا للتعارض. ولأنه لما كان الإِخوة لأب وأم أو لأب فحسب أقرب من الإِخوة لأم، وقد أعطى - سبحانه - الأخت والأختين والإِخوة فى آخر السورة نصيبا أوفر، فقد وجب حمل الإِخوة فى آخر السورة على الأشقاء أو الإِخوة لأب. كما وجب حمل الإِخوة والأخوات هنا على الإِخوة لأم.
والمعنى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً} أى: يورث من غير أصوله أو فروعه {أَو ٱمْرَأَةٌ} أى: تورث كذلك من غير أصولها أو فروعها.
والضمير فى قوله {وَلَهُ} يعود لذلك الشخص الميت المفهوم من المقام. أو لواحد منهما - أى الرجل والمرأة - والتذكير للتغليب. أو يعود للرجل واكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فى هذا الحكم.
وقوله: {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} أى: من الأم فقط {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} أى: الأخ والأخت {ٱلسُّدُسُ} مما ترك ذلك المتوفى من غير تفضيل للذكر على الأنثى. لأنهما يتساويان فى الإِدلاء إلى الميت بمحض الانوثة. {فَإِن كَانُوۤاْ} أى: الإِخوة والأخوات لأم، أكثر من واحد فهم شركاء فى الثلث، يقتسمونه فيما بينهم بالسوية بين ذكورهم وإناثهم، والباقى من المال الموروث يقسم بين أصحاب الفروض والعصبات من الورثة.
وبذلك نرى أن الإِخوة والأخوات من الأم لهم حالتان:
إحداهما: أن يأخذ الواحد أو الواحدة السدس إذا انفردا.
والثانية: أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم وفى هذه الحالة يكون نصيبهم الثلث يشتركون فيه بالسوية فلا فرق بين الذكر والأنثى.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}.
أى: هذه القسمة التى قسمها الله - تعالى - لكم بالنسبة للإِخوة للأم إنما تتم بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ما عليه من ديون، من غير ضرار الورثة بوصيته أو دينه. وفى قوله {يُوصَىٰ} قراءتان سبعيتان:
إحداهما بالبناء للمفعول أى {يُوصَىٰ} - بفتح الصاد - فيكون قوله {غَيْرَ مُضَآرٍّ} حال من فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور. أى من بعد وصية يوصى بها أو دين حالة كون الموصى به أو الدين غير مضار، أى غير متسبب فى ضرر الورثة.
والقراءة الثانية بالبناء للفاعل أى {يُوصَىٰ} - بكسر الصاد - فيكون قوله {غَيْرَ مُضَآرٍّ} حال من فاعل الفعل المذكور وهو ضمير {يُوصَىٰ}.
أى: يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه "غير مضار" أى غير مدخل الضرر على الورثة. وبهذا نرى أن مرتبة الورثة فى التقسيم تأتى بعد سداد الديون وبعد تنفيذ الوصايا ولذا ذكر سبحانه هذين الأمرين أربع مرات فى هاتين الآيتين تأكيدا لحق الدائنين والموصى لهم وتبرئة لذمة المتوفى فقد قال بعد بيان ميراث الأولاد والأبوين {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} وقال بعد بيان ميراث الزوج {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} وقال بعد ميراث الزوجة: {مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} وقال بعد بيان ميراث الإِخوة والأخوات لأم: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ}.
وقد قدم - سبحانه - الوصية على الدين فى اللفظ مع أنها مؤخرة عن الدين فى السداد، وذلك للتشديد فى تنفيذها، إذ هى مظنه الإِهمال، أو مظنة الإِخفاء، ولأنها مال يعطى بغير عوض فكان إخراجها شاقا على النفس. فكان من الاسلوب البليغ الحكيم العناية بتنفيذها، وكان من مظاهر هذه العناية تقديمها فى الذكر.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: لم قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها فى الشريعة؟ قالت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث فى كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين.
فإن قلت: ما معنى {أَوْ}؟ قلت معناها الإِباحة، وأنه إذا كان أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. فأو هنا جئ بها للتسوية بينهما فى الوجوب".
وقوله - تعالى - {غَيْرَ مُضَآرٍّ} يفيد النهى للموروث عن إلحاق الضرر بورثته عن طريق الوصية أو بسبب الديون.
والضرر بالورثة عن طريق الوصية يتأتى بأن يوصى المورث بأكثر من الثلث، أو به فأقل مع قصده الإِضرار بالورثة فقد روى النسائى فى سننه عن ابن عباس أنه قال: الضرار فى الوصية من الكبائر". وقال قتادة: كره الله الضرار فى الحياة وعند الممات ونهى عنه.
والضرر بالورثة بسبب الدين يتأتى بأن يقر بدين لشخص ليس له عليه دين دفعا للميراث عن الورثة، أو يقر بأن الدين الذى كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه، مع أنه لم يحصل شئ من ذلك.
وقد ذكر - سبحانه - هذه الجملة وهى قوله {غَيْرَ مُضَآرٍّ} بعد حديثه عن ميراث الإِخوة والأخوات من الأم، تأكيدا لحقوقهم، وتحريضا على أدائها، لأن حقوقهم مظنة الضياع والإِهمال. ولا يزال الناس إلى الآن يكادون يهملون نصيب الإِخوة لأم.
وقوله {وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ} نصبت كلمة {وَصِيَّةً} فيه على أنها مصدر مؤكد أى: يوصيكم الله بذلك وصية. والتنوين فيها للتفخيم والتعظيم. والجار والمجرور وهو {مِّنَ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف وقع صفة لوصية: أى وصية كائنة من الله فمن خالفها كان مستحقا لعقابه.
وقوله {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} تذييل قصد به تربية المهابة فى القلوب من خالقها العليم بأحوالها. أى والله عليم بما تسرون وما تعلنون، وبما يصلح أحوالكم وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحقه وبمن يطيع أوامره ومن يخالفها حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل. فعليكم أن تستجيبوا لأحكامه، حتى تكونوا أهلا لمثوبته ورضاه.
ثم أكد - سبحانه - وجوب الانقياد لأحكامه، وبشر المطيعين بحسن الثواب. وأنذر العصاة بسوء العقاب فقال: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.
واسم الإِشارة {تِلْكَ} يعود إلى الأحكام المذكورة فى شأن المواريث وغيرها. والمعنى: تلك الأحكام التى ذكرها - سبحانه - عن المواريث وغيرها {حُدُودُ ٱللَّهِ} أى شرائعه وتكاليفه التى شرعها لعباده.
والحدود جمع حد. وحد الشئ طرفه الذى يمتاز به عن غيره. ومنه حدود البيت أى أطرافه التى تميزه عن بقية البيوت.
والمراد بحدود الله هنا الشرائع التى شرعها - سبحانه - لعباده بحيث لا يجوز لهم تجاوزها ومخالفتها.
وقد أطلق - سبحانه - على هذه الشرائع كلمة الحدود على سبيل المجاز لشبهها بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها.
ثم قال - تعالى - {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أى فيما أمر به من الأحكام، وفيما شرعه من شرائع تتعلق بالمواريث وغيرها.
{يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أى تجرى من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار {خَالِدِينَ فِيهَا} أى باقين فيها لا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها وقوله {وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أى وذلك المذكور من دخول الجنة الخالدة الباقية بمن فيها هو الفوز العظيم، والفلاح الذى ليس بعده فلاح.
ثم قال - تعالى - {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أى فيما أمر به من أوامر وفيما نهى عنه من منهيات {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} التى تتعلق بالمواريث وغيرها بأن يتجاوزها ويخالف حكم الله فيها.
{يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا} أى. يدخله نارا هائلة عظيمة خالدا فيها خلودا أبديا إن كان من أهل الكفر والضلال. وخالدا فيها لمدة لا يعلمها إلا الله إن كان من عصاة المؤمنين.
وقال هنا {خَالِداً فِيهَا} بالإِفراد، وقال فى شأن المؤمنين {خَالِدِينَ فِيهَا} بالجمع، للإِيذان بأن أهل الطاعة جديرون بالشفاعة. فإذا شفع أحدهم لغيره وقبل الله شفاعته. دخل ذلك الغير معه فى رضوان الله.
أما أهل الكفر والمعاصى فليسوا أهلا للشفاعة، بل يبقون فرادى، تحيط بهم الذلة والمهانة من كل جانب.
أو للاشعار بأن الخلود فى دار الثواب يكون على هيئة الاجتماع الذى هو أجلب للأنس والبهجة.
وبأن الخلود فى دار العقاب يكون على هيئة الانفراد الذى هو أشد فى استجلاب الوحشة والهم.
وقوله {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أى لهذا العاصى لله ولرسوله، والمتعدى للحدود التى رسمها الله، عذاب عظيم من شأنه أن يخزى من ينزل به ويذله
{ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } }. وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد وضحت أحكام المواريث بأبلغ بيان، وأحكم تشريع، وبشرت المستحببين لشرع الله يجزيل الثواب، وأنذرت المعرضين عن ذلك بسوء المصير. هذا، ومن الأحكام والفوائد التى يمكن أن نستخلصها من هذه الآيات ما يأتى:
أولا: أن ترتيب الورثة قد جاء فى الآيتين الكريمتين على أحسن وجه، وأتم بيان، وأبلغ أسلوب وذلك لأن الوارث - كما يقول الإِمام الرازى - إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة. فإن اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال إما أن يكون هو النسب أو الزوجية، فحصل هنا أقسام ثلاثة:
أولها: أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب، وذلك هو قرابة الأولاد ويدخل فيها الأولاد والوالدان، فالله - تعالى - قدم حكم هذا القسم.
وثانيها: الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية. وهذا القسم متأخر فى الشرف عن القسم الأول! لأن الأول ذاتى وهذا الثانى عرض، والذاتى أشرف من العرض.
وثالثها: الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة. وهو متأخر فى الشرف عن القسمين الأولين، لأنهما لا يعرض لهم السقوط بالكلية وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية، ولأنهم يتصلان بالميت بغير واسطة بخلاف الكلالة.
فما أحسن هذا الترتيب، وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات".
ثانيا: أن الآيتين الكريمتين قد بينتا الوارثين والوارثات ونصيب كل وارث بالأوصاف التى جعلها الله - تعالى - سببا فى استحقاق الإِرث كالبنوة والأبوة والزوجية والأخوة. وقد ألغتا بالنسبة إلى اصل الاستحقاق الذكورة والأنوثة والصغر والكبر وجعلتا للكل حقا معينا فى الميراث. وبهذا أبطلتا ما كان عليه الجاهليون من جعل الإِرث بالنسب مقصورا على الرجال دون النساء والأطفال، وكانوا يقولون: "لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة".
ثالثا: أن قوله - تعالى -: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} إلخ يعم أولاد المسلمين والكافرين والأحرار والأرقاء والقاتلين عمدا وغير القاتلين إلا أن السنة النبوية الشريفة قد خصصت بعض هذا العموم، حيث أخرجت الكافر من هذا العموم لحديث:
"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وعلى هذا سار جمهور العلماء فلم يورثوا مسلما من كافر ولا كافرا من مسلم.
وذهب بعضهم إلى أن الكافر لا يرث المسلم ولكن المسلم يرث الكافر.
كذلك نص العلماء على أن الحر والعبد لا يتوارثان؛ لأن العبد لا يملك، وعلى أن القاتل عمدا لا يرث من قتله معاملة بنفيس مقصوده.
رابعا: أن نصيب الأولاد إذا كانوا ذكورا وإناثا يكون بعد أن يأخذ الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم.
وأن الأولاد يطلقون على فروع الشخص من صلبه. أى أبنائه وأبناء أبنائه، وبنات أبنائه.
وأن أبناء الشخص وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنائه. أى أن الطبقة الأولى تستوفى حقها فى الميراث قبل من يليها.
وأن الأبناء والأبوين والزوجين لا يسقطون من أصل الاستحقاق للميراث بحال، إلا أنهم قد يؤثر عليهم وجود غيرهم فى المقدار المستحق.
وأنه متى أجتمع فى المستحقين للميراث ذكور وإناث من درجة واحدة، أخذ الذكر مثل حظ الأنثيين إلا ما سبق لنا استثناؤه.
خامسا: لا يجوز للمورث أن يسئ إلى ورثته لا عن طريق الوصية ولا عن طريق الدين ولا عن أى طريق آخر. لأن الله - تعالى - قد نهى عن المضارة فقال: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ}.
وإن بدء الآيتين الكريمتين بقوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ}.
وختم أولاهما: بقوله: {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} وختم ثانيتهما بقوله {وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ} هذا البدء والختام لجديران بأن يغرسا الخشية من الله فى قلوب المؤمنين الذين يخافون مقام ربهم، وينهون أنفسهم عن السير فى طريق الهوى والشيطان.
سادساً: أنه يجب تقديم حقوق الميت على تقسيم التركة، فقد كرر الله - تعالى - قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} كما سبق أن بينا.
قال القرطبى: ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية؛ فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا، وما كان فى معناها على مراتبها أيضا. ويكون الباقى ميراثا بين الورثة.
وجملتهم سبعة عشر. عشرة من الرجال وهم: الابن وابن الابن وإن سفل والأب وأب الأب وهو الجد وإن علا. والأخ وابن الأخ. والعم وابن العم. والزوج ومولى النعمة.
ويرث من النساء سبع وهن: البنت وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدة وإن علت. والأخت والزوجة. ومولاة النعمة وهى المعتقة...".
وبعد أن أمر - سبحانه - بالإحسان إلى النساء. وبمعاشرتهن معاشرة كريمة، وبين حقوقهن فى الميراث، أتبع ذلك ببيان حكمه - سبحانه - فى الرجال والنساء إذا ما ارتكبوا فاحشة الزنا فقال - تعالى -: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ.....تَوَّاباً رَّحِيماً}.