التفاسير

< >
عرض

لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً
١٤٨
إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً
١٤٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً
١٥٠
أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً
١٥١
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
١٥٢
-النساء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - تعالى -: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} نهى للمؤمنين عن الاسترسال فى الجهر بالسوء إلا عندما يوجد المقتضى لهذا الجهر.
وعدم محبته - سبحانه - لشئ كناية عن غضبه على فاعله وعدم رضاه عنه، والجهر بالقول معناه: النطق به فى إعلان، ونشره بين الناس، وإذاعته فيهم فهو يقابل السر والإِخفاء.
والقول السوء: هو الذى يسوء من يقال فيه ويؤذيه فى شرفه، أو عرضه أو غير ذلك مما يلحق به شرا.
والمعنى: لا يحب الله - تعالى - لأحد من عباده أن يجهر بالأقوال السيئة أو الأفعال السيئة، إلا من وقع عليه الظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول فى الحدود التى تمكنه من رفع الظلم عنه دون أن يتجاوز ذلك، كأن يجهر الخصم بما ارتكبه خصمه فى حقه من مآثم. وكأن يذكر المظلوم الظالم بالقول السئ فى المجالس العامة والخاصة متحريا البعد عن الكذب والبهتان.
قال القرطبى ما ملخصه: والذى يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - إن كان مؤمنا، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا، وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال:
"اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف" .
وإن كان مجاهرا بالظلم دعا عليه الداعى جهرا، ولم يكن لهذا المجاهر عرض محترم، ولا بدن محترم، ولا مال محترم. وقد روى أبو داود "عن عائشة أنها قالت: سرق لها شئ فجعلت تدعو عليه - أى على السارق - فقال رسول الله صلى الله علي وسلم لا تسبخى عنه" أى: لا تخففى عنه العقوبة بدعائك عليه. وروى أبو داود - أيضا - عن عمر بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته" . أى: المماطلة من القادر على دفع الحقوق لأصحابها ظلم يبيح للناس أن يذكروه بالسوء.
وقول السوء بدون مقتض يبغضه الله سواء أكان هذا القول سرا أو جهرا إلا أنه - سبحانه - خص الجهر بالذكر لأنه أشد فحشا، ولأنه أكثر جلبا للعداوة بين الناس، وأشد تأثيرا فى إشاعة الجرائم فى المجتمع، فإن كثرة سماع الناس للكلام السئ. وللقول الماجن، يغرى الكثير منهم بترديد ما سمعوه، وبحكايته فى أول الأمر بشئ من الحياء، ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول بسبب إلف الناس للكثير من الألفاظ النابية، والأقوال السيئة.
وأنت تقرأ القرآن فتراه فى عشرات الآيات يأمر أتباعه بالمداومة على النطق بالكلام الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة. ومن ذلك قوله - تعالى -:
{ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً } }. والخلاصة أن الإِسلام يحب لأتباعه أن يلتزموا النطق بالكلمة الطيبة، ويكره لهم أن يجهروا بالسوء من القول إلا فى حالة وقوع ظلم عليهم، ففى هذه الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من القول حتى يرتدع الظالم عن ظلمه.
والاسثناء فى قوله {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} استثناء منقطع، فتكون إلا بمعنى لكن.
أى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن من ظلم له أن يجهر بالسوء لكى يدفع ما وقع عليه من ظلم.
ويحتمل أن يكون متصلا فيكون المعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من أحد إلا ممن ظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول لرفع الظلم عنه فيكون الاستثناء من الفاعل المحذوف وهو - من أحد - أو: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا جهر من ظلم فإنه ليس بخارج عن محبة الله لأن دفع الظلم واجب. فيكون الكلام على تقدير مضاف محذوف.
وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} تذييل قصد به التحذير من التعدى فى الجهر المأذون فيه، ووعد للمظلوم بأنه - تعالى - يسمع شكواه ودعاءه، ويعلم ظلم ظالمه.
أى: وكان الله سميعا لكل ما يسر به المسرون أو يجهر به المجاهرون، عليما بما يدور فى النفوس من بواعث وهواجس، وسيجازى كل إنسان بأقواله وأعماله، إن خيرا فخير، وإن شراً فشر.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى، وحض على العفو والصفح وفعل الخير فقال: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}.
أى: إن تظهروا - أيها الناس - {خَيْراً} من طاعة وبر وقول حسن، وفعل حسن، أو {تُخْفُوهُ} أى، تخفوا هذا الخير بأن تعملوه سرا {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ} بأن تصفحوا عمن أساء إليكم، يكافئكم الله - تعالى - على ذلك مكافأة حسنة، ويتجاوز عن خطاياكم، {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} أى: كثير العفو عن العصاة مع كمال قدرته على مؤاخذتهم ومعاقبتهم فاقتدوا بهذه الصفات الحميدة لتنالوا محبة الله ورضاه.
فالآية الكريمة تدعو الناس إلى الإِكثار من فعل الخير سواء أكان سرا أو جهرا، كما تدعو إلى العفو عن المسيئين إليهم.
قال ابن كثير: وفى الحديث الصحيح:
"ما نقص مال من صدقة. وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" .
وقال الفخر الرازى: اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة فى أمرين: صدق مع الحق وخلق مع الخلق. والذى يتعلق بالخلق محصور فى قسمين: إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم. فقوله. {إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ} إشارة إلى إيصال النفع إليهم. وقوله: {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ} إشارة إلى فدع الضرر عنهم. فدخل فى هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر.
ثم بين - سبحانه - رذائل أهل الكتاب وأباطيلهم وسوء مصيرهم بعد حديثه القريب عن المنافقين.. فقال - تعالى - {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} بأن يجحدوا وحدانية الله، وينكروا صدق رسله - عليهم الصلاة والسلام - {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أى يريدون أن يفرقوا بين الإِيمان بالله - تعالى - وبين الإِيمان برسله، بأن يعلنوا إِيمانهم بوجود الله - تعالى - وأنه خالق هذا الكون، إلا أنهم يكفرون برسله أو ببعضهم.
قال القرطبى: نص - سبحانه - على أن التفريق بين الإِيمان بالله والإِيمان برسله كفر، وإنما كان كفراً لأن الله سبحانه - فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا رسالة الرسل فقد ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التى أمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع - سبحانه - وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله فى الإِيمان بهم كفر.
وقوله - تعالى - {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} حكاية لما نطقوا به من كفر وجحود. أى. ويقولون على سبيل التبجح والعناد: نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعضهم كما قال اليهود نؤمن بموسى والتوراة ونكفر بما وراء ذلك. وكما قال النصارى. نؤمن بعيسى والإِنجيل ونكفر بما سوى ذلك.
وقوله {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} أى ويريدون بقولهم هذا أن يتخذوا بين الإِيمان بالبعض والكفر بالبعض طريقا يسلكونه، ودينا يتبعونه مع أنه لا واسطة ببينهما قطعا، لأن الرسل جميعا قد بعثهم الله - تعالى - لدعوة الناس إلى توحيده، وإخلاص العبادة له ونشر مكارم الأخلاق فى الأرض. فمن كفر بواحد منهم كفر بهم جميعا.
وقوله {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} إخبار عن سوء مصيرهم، وشناعة عاقبتهم.
أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة هم الكافرون الكاملون فى الكفر، الراسخون فى ظلماته، وأعتدنا أى وهيأنا وادخرنا للكافرين جميعا عذابا يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم وجحودهم.
وقوله {حَقّاً} مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، وعامله محذوف أى: أولئك الكافرون حق ذلك حقا. ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. أى أولئك هم الكافرون كفرا حقا أى: كفرا كاملا لا شك فى وقوعه منهم وانغماسهم فيه.
هذا هو شأن الكافرين بالله ورسله، وتلك هى عاقبتهم أما المؤمنين الصادقون فقد بشرهم الله بقوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ} حق الإِيمان وآمنوا {وَرُسُلِهِ} جميعا {وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} أى: لم يفرقوا فى الإِيمان بين رسول ورسول بل آمنوا بهم جميعا.
{أُوْلَـٰئِكَ} الذين استقر الإِيمان الكامل فى قلوبهم، والذين وصفهم الله - تعالى - بتلك الأوصاف الحميدة {سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ} الله - تعالى - {أُجُورَهُمْ} التى وعدهم بها {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أى: وكان الله وما زال كثير المغفرة والرحمة لمن هذه صفاتهم، وتلك نعوتهم.
والتعبير بسوف لتأكيد الأجر الذى وعدهم الله به، وللدلالة على أنه كائن لا محاولة وإن تراخى. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد قابلت بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين؛ ليقلع الناس عن الكفر والمعاصى، ويستجيبوا لأوامر الله لينالوا رضاه.
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأسئلة المتعنتة التى كان اليهود يوجهونها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومن النعم التى أنعم - سبحانه - بها عليهم ومن المنكرات التى قالوها وفعلوها، ومن العقوبات التى عاقبهم الله بها بسبب ظلمهم وفسوقهم.. استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ...أَجْراً عَظِيماً}.