التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
١٩
وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً
٢٠
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً
٢١
-النساء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال القرطبى عند تفسيره للآية الأولى: اختلفت الروايات وأقوال المفسرين فى سبب نزولها؛ فروى البخارى عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا يزوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}.
وقال الزهرى وأبو مجلز: كان من دعاتهم إذا مات الرجل يلقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذى أصدقها الميت. وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}. الآية.
وقيل: كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو تموت فيرث مالها فنزلت هذه الآية.
ثم قال القرطبى: والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه فى جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال..
وهناك روايات أخرى فى سبب نزول هذه الآية هذه الآية ساقها ابن جرير وابن كثير وغيرهما، وهى قريبة فى معناها، مما أورده القرطبى، لذا اكتفينا بما ساقه القرطبى.
وكلمة {كَرْهاً} قرأها حمزة والكسائى بضم الكاف. وقرأها الباقون بفتحها قال الكسائى: وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الفراء: الكره - بفتح الكاف - بمعنى الإِكراه. وبالضم بمعنى المشقة. فما أكره عليه الإِنسان فهو كره - بالفتح - وما كان من جهة نفسه فهو كره - بالضم -.
والمعنى: يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذى جاءهم من عند الله، لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإِرث وهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التي حرمها الإِسلام لما فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتها.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: "كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا، ويظلموهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك. فقيل: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} أى: أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكروهات".
وقد وجه - سبحانه - النداء إلى المؤمنين فقال: {أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ كل مكلف فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام من غيرهم.
وفى مخاطبتهم بصفة الإِيمان تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم، وتحريض لهم على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإِيمان من طاعة لشريعة الله - تعالى -.
وصيغة {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ} صيغة تحريم صريح؛ لأن الحل هو الإِباحة فى لسان العرب ولسان الشريعة. فنفيه يراجف معنى التحريم.
وليس النهى فى قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} منصبا على إرث أموالهن كما هو المعتاد، وإنما النهى منصب على إرث المراة ذاتها كما كانوا يفعلون فى الجاهلية؛ إذ كانوا يجعلون ذات المرأة كالمال فيرثونها من قريبهم كما يرثون ماله.
وقوله {كَرْهاً} مصدر منصوب على أنه حال من النساء. أى حال كونهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه.
والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه، لأن تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفى ما عداه، كما فى قوله - تعالى -:
{ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ } }. وقوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} نهى آخر عن بعض الأعمال السيئة التى كان أهل الجاهلية يعاملون بها المرأة. وهو معطوف على قوله: {أَن تَرِثُواْ...}. وأعيد حرف "لا" للتوكيد.
أى: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا يحل لكم أن تعضلوهن.
وأصل العضل: التضييق والحبس والمنع. يقال: عضلت الناقة بولدها، إذا نشب فى بطنها وتعسر عليه الخروج. وهو: أعضل به الأمر، إذا اشتد وتعسر.
والمراد به هنا: منع المرأة من الزواج والتضييق عليها فى ذلك، سواء أكان هذا المنع والتضييق من الزوج أم من غيره.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قوله - تعالى -: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}.
يقول: ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آيتموهن، يعنى الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيؤذيها لتفتدى - أى: لتفتدى نفسها منه بأن تترك له مالها عليه من مهر أو مال -.
وقيل: كان أولياء الميت يمنعون زوجته من التزوج بمن شاءت، ويتركونها على ذلك حتى تدفع لهم ما أخذت من ميراث الميت، أو حتى تموت فيرثوها.
والمعنى: لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن ترثوا النساء كرها، ولا أن تمنعوهن من الزواج {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ} من الصداق أو غيره، بأن يدفعن إليكم بعضه اضطراراً فتأخذوه منهن، فإن هذا الفعل يبغضه الله - تعالى -.
ويبدو لنا من سياق الآية أن النهى عن عضل المرأة هنا - وإن كان يتناول جميع المكلفين -، إلا أن المعنى به الأزواج ابتداء، لأنهم - فى الغالب - هم الذين كانوا يفعلون ذلك.
ولذا قال ابن جرير - بعد أن ذكر الأقوال فى المعنى بالخطاب فى قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}.
"وأولى الأقوال التى ذكرناها بالصحة فى تأويل قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} قول من قال: "نهى الله زوج المرأة عن التضييق عليها، والإِضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب، لتفتدى منه ببعض ما آتاها من الصداق.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل المرأة إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها... ليأخذ منها ما آتاها... أو لوليها الذى إليه إنكاحها. ولما كان الولى معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا. كان معلوما أن الذى عنى الله - تعالى - بنهيه عن عضلها هو زوجها الذى له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدى منه".
والاستثناء فى قوله {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} متصل من أعم العلل والأسباب، أى لا تعضلوهن لعلة من العلل أو لسبب من الأسباب إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. لسوء أخلاقهن، وكاشفة عن أحوالهن. كالزنا والنشوز، وسوء الخلق، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء وفحش القول ونحوه، فلكم العذر فى هذه الأحوال فى طلب الخلع منهن، وأخذ ما أتيتموهن من المهر لوجود السبب من جهتهن لا من جهتكم.
والأصل فى هذا الحكم قوله - تعالى -
{ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا } }. ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا منقطع فيكون المعنى: ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل لكم أخذ المهر الذى آتيتموهن إياه أو أخذ بعضه.
ثم أمر الله - تعالى - الرجال - وخصوصا الأزواج - بحسن معاشرة النساء فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}.
والمعاشرة: مفاعلة من العشرة وهى المخالطة والمصاحبة.
أى: وصاحبوهن وعاملوهن بالمعروف، أى بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل من الأفعال الحميدة، والأقوال الحسنة.
قال ابن كثير: قوله - تعالى - {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أى: طيبوا أقوالاكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها، فافعل أنت مثله. كما قال - تعالى -
{ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى" . وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويضاحك نساءه. حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - رضى الله عنها - يتودد إليها بذلك. قالت: سابقنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته. وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقنى. فقال: هذه بتلك. وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة فى بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء فى بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه فى شعار واحد. يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإِزار.
وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام. يؤانس بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال - تعالى -
{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } }. هذا، وللإِمام الغزالى كلام حسن فى كتابه الإِحياء عند حديثه عن آداب معاشرة النساء، فقد قال ما ملخصه: ومن آداب المعاشرة حسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور عقلهن. قال - تعالى -: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} وقال فى تعظيم حقهن: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}.
ثم قال: واعلم أنه حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عن طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام. ومن آداب المعاشرة - أيضًا - أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة، فهى التى تطيب قلوب النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن فى الأعمال.
وقال عمر - رضى الله عنه - ينبغى للرجل أن يكون فى أهله مثل الصبى. فإذا التمسوا ما معنده وجدوه رجلا.
وكان ابن عباس - رضى الله عنه - يقول: "إنى - لأتزين لامرأتى كما تتزين لى".
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن يسترسلوا فى كراهية النساء إن عرضت لهم أسباب الكراهية، بل عليهم أن يغلبوا النظر إلى المحاسن، ويتغاضوا عن المكاره فقال: - تعالى -: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}.
أى: فإن كرهتم صحبتهن وإمساكهن فلا تتعجلوا فى مفارقتهن، فإنه عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله لكم فى الصبر عليه وعدم إنفاذه خيراً كثيراً فى الدنيا والآخرة.
فالآية الكريمة ترشد إلى حكم عظيمة منها أن على العاقل أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها، لا من ناحية واحدة منها وهى ناحية البغض والحب.. وأن ينظر فى العلاقة التى بينه وبين زوجه بعين العقل والمصلحة المشتركة، لا بعين الهوى.. وأن يحكم دينه وضميره قبل أن يحكم عاطفته ووجدانه. فربما كرهت النفس ما هو أصلح فى الدين وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، وربما يكون الشئ الذى كرهته اليوم ولكنها لم تسترسل فى كراهيته سيجعل الله فيه خيراً كثيراً فى المستقبل. قال - تعالى -
{ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } }. قال القرطبى: روى الإِمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضى منها آخر" أى: لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أى لا ينبغى له ذلك، بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب - والفرك البغض الكلى الذى تنسى مع كل المحاسن -.
وقال مكحول: سمعت ابن عمر رضى الله عنهما - يقول: إن الرجل ليستخير الله - تعالى - فيخار له، فيسخط على ربه - عز وجل - فلا يلبث أن ينظر فى العاقبة فإذا هو قد خير له".
وبعد أن بين - سبحانه - أنه يجوز للرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما أعاطاها من صداق إذا أتت بفاحشة مبينة.. عقب ذلك ببيان الحكم فيما إذا كان الفراق من جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أتت بفاحشة فقال - تعالى - {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} والاستبدال: طلب البدل، بأن يطلق الرجل امرأة ويتزوج بأخرى.
والقنطار: أصله من قنطرت الشئ إذا رفعته. ومنه القنطرة، لأنها بناء مرتفع مشيد. والمراد به هنا المال الكثير الذى هو أقصى ما يتصور من مهر يدفعه الرجل للمرأة.
والمعنى: وإن أردتم أيها الأزواج {ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ} أى تزوج امرأة ترغبون فيها "مكان زوج" أى مكان امرأة لا ترغبون فيها، بل ترغبون فى طلاقها {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} أى أعطى أحدكم إحدى الزوجات التى تريدون طلاقها مالا كثيراً على سبيل الصداق لها {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} أى فلا نأخذوا من المال الكثير الذى أعطيتموه لهن شيئا أياً كان هذا الشئ، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لا من جانبهن.
وعبر - سبحانه - بـ {إِنْ} التى تفيد الشك فى وقوع الفعل؛ للتنبيه على ان الإِرادة قد تكون غير سليمة، وغير مبنية على أسباب قوية، فعلى الزوج أن يتريث ويتثبت ويحسن التدبر فى عواقب الأمور.
والمراد بالزوج فى قوله {ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} الجنس الذى يصدق على جميع الأزواج.
والمراد من الإِيتاء فى قوله {وَآتَيْتُمْ} الالتزام والضمان. أى: التزمتم وضمنتم أن تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير.
والجملة حالية بتقدير قد. أى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج والحال أنكم قد آتيتم التى تريدون أن تطلقوها قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئا.
والاستفهام فى قوله {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} للإِنكار والتوبيخ، والبهتان: هو الكذب الذى يدهش ويحير لفظاعته. ويطلق على كل أمر كاذب يتحير العقل فى إدراك سببه أو لا يعرف مبررا لوقوعه، كمن يعتدى على الناس ويتقول عليهم الأقاويل، مع أنه ليست هناك عداوة سابقة بينه وبينهم.
قال صاحب الكشاف: والبهتان: أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو برئ منه ولأنه يبهت عند ذلك. أى يتحير.
والإِثم: هو الذنب العظيم الذى يبعد صاحبه عن رضا الله - تعالى - "والمبين" هو الشئ الواضح الذى يعلن عن نفسه بدون لبس أو خفاء.
وقوله {بُهْتَاناً وَإِثْماً} مصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف، أى: أتأخذون ما تريدون أخذه منهن باهتين، أى فاعلين فعلا تتحير العقول فى سببه، وآثمين بفعله إثما واضحا لا لبس فيه ولا خفاء؟!
ويصح أن يكون المصدران مفعولين لأجله، ويكون ذلك أشد فى التوبيخ والإِنكار، إذ يكون المعنى عليه: أتأخذونه لأجل البهتان والإِثم المبين الذى يؤدى إلى غضب الله عليكم؟! إن إيمانكم يمنعكم من إرتكاب هذا الفعل الشنيع فى قبحه.
قالوا: كان الرجل فى الجاهلية إذا أراد التزوج بأمرأة أخرى، بهت التى تحته - أى رماها بالفاحشة التى هى بريئة منها - حتى يلجئها إلى أن تطلب طلاقها منه فى نظير أن تترك له ما لها عليه من صداق أو غيره، فنهوا عن ذلك.
ثم كرر - سبحانه - توبيخه لمن يحاول أخذ شئ من صداق زوجته التى خاطلته فى حياته مدة طويلة فقال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}.
وأصل أفضى - كما يقول الفخر الرازى - من الفضاء الذى هو السعة يقال: فضا يفضو فضوا وفضاء إذا اتسع. ويقال: افضى فلان إلى فلان أى: وصل إليه وأصله أنه صار فى فرجته وفضائه.
المراد بالإِفضاء هنا: الوصول والمخالطة: لأن الوصول إلى الشئ قطع للفضاء الذى يبين المتواصلين.
والاستفهام فى قوله {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ...} للتعجب من حال من يأخذ شيئا مما أعطاه لزوجته بعد إنكار ذات الأخذ.
والمراد بالميثاق الغليظ فى قوله {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} هو ما أخذه الله للنساء على الرجال من حسن المعاشرة أو المفارقة بإحسان كما فى قوله - تعالى -:
{ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } }. وليس أخذ شئ مما أعطاه الرجال للنساء من التسريح بإحسان، بل يكون من التسريح الذى صاحبه الظلم والإِساءة.
والمراد بالميثاق الغليظ الذى أخذ: كلمة النكاح المعقود على الصداق، والتى بها تستحل فروج النساء، ففى صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال فى خطبة حجة الوداع:
"استوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" .
والمعنى: بأى وجه من الوجوه تستحلون يا معشر الرجال ان تأخذوا شيئا من الصداق الذى أعطيتموه لنسائكم عند مفارقتهن؛ والحال أنكم قد اختلط بعضكم ببعض، وصار كل واحد منكم لباسا لصاحبه، وأخذن منكم عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد؛ لا يحل لكم أن تنقضوه أو تخالفوه!!؟
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد منع الرجال من أخذ شئ من الصداق الذى أعطوه لنسائهم لسببين:
أحدهما: الإفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة.
وثانيهما: الميثاق الغليظ الذى أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة.
والضمير فى قوله {وَأَخَذْنَ} للنساء. والآخذ فى الحقيقة إنما هو الله - تعالى - إلا أنه سبحانه - نسبه إليهن للمبالغة فى المحافظة على حقوقهن، حتى جعلهن كأنهن الآخذات له.
قال بعضهم: وهذا الإِسناد مجاز عقلى، لأن الآخذ للعهد هو الله. أى: وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن وبسبيهن. فهو مجاز عقلى من الإِسناد إلى السبب".
ووصف - سبحانه - الميثاق بالغلظة لقوته وشدته. فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟!
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ما يأتى:
1- تكريم الإِسلام للمرأة، فقد كانت فى الجاهلية مهضومة الحق، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء، فرفعها الله - تعالى - بما شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة التى كانت فيها، وقرر لها حقوقها، ونهى عن الاعتداء عليها.
ومن مظاهر ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث المال. وكذلك حرم عضلها وأخذ شئ من صداقها إلا إذا أتت بفاحشة مبينة. وأمر الرجال بأن يعاشروا النساء بالمعروف، وأن يصبروا على أخطائهن رحمة بهن.
2- جواز الإِصداق بالمال الكثير: لأن الله - تعالى - قال: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}. والقنطار: المال الكثير الذى هو أقصى ما يتصور من مهور.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى - {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} دليل على جواز المغالاة فى المهور، لأن الله - تعالى - لا يمثل إلا بمباح.
وخطب عمر - رضى الله عنه - فقال: ألا لا تغالوا فى صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة فى الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتى عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقال: يا عمر. يعطينا الله وتحرمنا!! أليس الله تعالى - يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً}؟ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر..
وفى رواية أنه أطرق ثم قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإِنكار.
ثم قال القرطبى: وقال قوم: لا تعطى الآية جواز المغالاة فى المهور، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة: كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذى لا يؤتيه أحد..
ولقد
"قال النبى صلى الله عليه وسلم لإِبن أبى حدرد - وقد جاءه يستعين فى مهره فسأله عنه فقال: مائتين، فغضب صلى الله عليه وسلم: وقال: كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة " أى من ذلك المكان الذى به حجارة نخرة سود - فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة فى المهور".
والذى نراه أن الآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز الإِصداق بالمال الجزيل، إلا ان الأفضل عدم المغالاة فى ذلك، مع مراعاة أحوال الناس من حيث الغنى والفقر وغيرهما.
ولقد ورد ما يفيد الندب إلى التيسير فى المهور. فقد أخرج أبو داود والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"خير الصداق أيسره" .
3- أن الرجل إذا أراد فراق امرأته. فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا ما دام الفراق بسببه ومن جانبه: كما أنه لا ينبغى له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه إياها إذا كان الفراق بسببها ومن جانبها.
4- اتفق العلماء على أن المهر يستقر بالوطء. واختلفوا فى استقراره بالخلوة المجردة. قال القرطبى والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. قالوا: إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة. دخل بها أو لم يدخل بها. لما رواه الدارقطنى عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق" . وقال مالك: إذا طال مكثه معها السنة ونحوها. واتفقا على ألا مسيس. وطلبت المهر كله كان لها.
وبعد أن نهى - سبحانه - عن ظلم المرأة فى حال الزوجية. وعن ظلمها بعد وفاة زوجها. وعن ظلمها فى حالة فراقها. وأمر بمعاشرتها بالمعروف بعد كل ذلك بين - سبحانه - من لا يحل الزواج بهن من النساء ومن يحل الزواج بهن حتى تبقى للأسرة فوتها ومودتها فقال - تعالى- {وَلاَ تَنكِحُواْ....عَلِيماً حَكِيماً}.