التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً
٢٢
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَٰتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَالَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
٢٣
وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
٢٤
-النساء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

أورد المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} الآية.
ومن هذه الروايات ما رواه ابن أبى حاتم - بسنده -
"عن رجل من الأنصار قال: لما توفى أبو قيس - يعنى ابن الأسلت - وكان من صالحى الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولدا لى وأنت من صالحى قومك، ولكنى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأمره.
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى. فقال: خيرا. ثم قالت إن ابنه قيسا خطبنى وهو من صالحى قومه، وإنما كنت أعده ولدا لى فماذا ترى؟ فقال لها: ارجعي إلى بيتك"
فنزلت: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}.
وقال القرطبى: قوله - تعالى -: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} يقال: كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله - تعالى -:
{ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً } حتى نزلت هذه الآية {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} فصار حراما فى الأحوال كلها، لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة وطئها يغير نكاح حرمت على ابنه.
ثم قال: وقد كان فى العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه. وكانت هذه السيرة فى الأنصار لازمة، وكانت فى قريش مباحة على التراضى، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة".
وقوله {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} الخ. معطوف على قوله:
{ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً } و {مَا} فى قوله {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} موصول اسمى مراد به الجنس. أى لا تنكحوا التى نكح آباؤكم. وقوله {مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} بيان لـ {مَا} الموصولة.
ويرى بعضهم أن "ما" هنا مصدرية فيكون المعنى. ولا تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم الفاسد الذى كانوا يفعلونه فى الجاهلية.
قال الآلوسى. وإنما خص هذا النكاح بالنهى، ولم ينظم فى سلك نكاح المحرمات الآتية "مبالغة فى الزجر عنه. حيث كان ذلك ديدنا لهم فى الجاهلية".
فالآية الكريمة تحرم على الأبناء أن يتزوجوا من النساء اللائى كن أزواجا لآبائهم. وكلمة {آبَاؤُكُمْ} فى قوله {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} تشمل كل الأصول من الرجال. أي: تشمل الأجداد جميعا سواء أكانوا من جهة الأب أو من جهة الأم والاستثناء فى قوله {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناء منقطع.
والمعنى: لا تنكحوا أيها المؤمنون ما نكح آباؤكم من النساء. لأنه من أفعال الجاهلية القبيحة، لكن ما قد سلف ومضى منه قبل نزول هذه الآية فلا تؤاخذون عليه، فمن كان متزوجا من امرأة كانت زوجة لأبيه من النسب أو من الرضاع، فإنها تصير حراما عليه من وقت نزول هذه الآية الكريمة، ويجب عليه أن يفارقها أما ما مضى من هذا النكاح القبيح فلا تثريب عليكم فيه، وتثبت به أحكام النكاح من النسب وغيره من الأحكام.
ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا متصل مما يستلزمه النهى، ويستوجبه مباشرة المنهى عنه من العقاب. فكأنه قيل: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه قبيح ومعاقب عليه من الله - تعالى -، إلا ما قد سلف ومضى، فإنه معفو عنه.
وقد وجه صاحب الكشاف الاستثناء بوجه آخر فقال: فإن قلت: كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤهم؟ قلت: كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قول الشاعر:

"ولا عيب فيهم" غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

يعنى: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فإنه لا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن والغرض المبالغة فى تحريمه، وسد الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال فى التأييد نحو قولهم: حتى يبيض الفأر. وحتى يلج الجمل فى سم الخياط.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن هذا النوع من النكاح فى نهاية السوء والقبح فقال: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً}.
أى: إن هذا النوع من النكاح كان أمراً زائدا فى القبح شرعا وخلقاً، لأنه يشبه نكاح الأمهات، ويتنافى مع ما للآباء من وقار واحترام، وما يجب من حسن الصحبة وكان "مقتا" والمقت مصدر بمعنى البغض والكراهية.
أى: إن هذا النوع من النكاح كان خصلة بالغة الحد فى القبح والفحش، وكان ممقوتا مبغوضا عند الله، وعند ذوى المروءات والعقول السليمة من الناس.
قال صاحب الكشاف: كانوا ينكحون روابهم - أى زوجات آبائهم جمع رابة وهى امرأة الأب - وكان ناس منهم من ذوى مروءاتهم يمقتونه - لفظاعته وبشاعته - ويسمونه نكاح المقت. وكان المولود عليه يقال له المقتى - أى المبغوض - ومن ثم قيل {وَمَقْتاً} كأنه قيل: هو فاحشة فى دين الله بالغة فى القبح. قبيح ممقوت فى المروءة. ولا مزيد على ما يجمع القبحين.
وقوله: {وَسَآءَ سَبِيلاً} أى بئس طريقا طريق ذلك النكاح، إذ فيه هتك حرمة الأب. وتقطيع للرحم التى أمر الله بوصلها.
وقوله "وساء" هنا بمعنى بئس، وفيه ضمير يفسره ما بعده. والمخصوص بالذم محذوف تقديره ذلك؛ أى ساء سبيلا سبيل ذلك النكاح.
قال الفخر الرازى: أعلم أنه - سبحانه - قد وصف هذا النكاح بأمور ثلاثة:
أولها: أنه فاحشة لأن زوجة الأب تشبه الأم فمباشرتها من افحش الفواحش.
وثانيها: المقت: وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار.
وثالثها: قوله {وَسَآءَ سَبِيلاً}.
واعلم أن مراتب القبح ثلاثة: القبح فى العقول وفى الشرائع وفى العادات.
فقوله - تعالى - {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} إشارة الى القبح العقلى. وقوله {وَمَقْتاً} إشارة إلى القبح الشرعى. وقوله {وَسَآءَ سَبِيلاً} إشارة إلى القبح فى العرف والعادة. ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية فى القبح".
وقال الإِمام ابن كثير، فمن تعاطى هذا النكاح بعد ذلك - أى استباح تعاطيه - فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال. لما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمره أن يقتله ويأخذ ماله.
وفى رواية عن البراء قال، مرّ بى عمى الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده له النبى صلى الله عليه وسلم فقلت له، أى عم، أين بعثك النبى صلى الله عليه وسلم فقال، بعثنى إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرنى أن أضرب عنقه".
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك من يحرم نكاحهن من الأقارب فقال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} وليس المراد بقوله {حُرِّمَتْ} تحريم ذاتهن، لأن الحرمة لا تتعلق بالذوات وإنما تتعلق بأفعال المكلفين. فالكلام على حذف مضاف أى حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم.. الخ وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله، معنى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} تحريم نكاحهن لقوله. {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} ولأن تحريم نكاحهن هو الذى يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها. ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله".
وقد ذكر - سبحانه - فى هذه الحملة الكريمة أربع طوائف من الأقارب يحرم نكاحهن.
أما الطائفة الأولى: طائفة الأمهات من النسب. أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم من النسب، ويعم هذا التحريم أيضا الجدات سواء أكن من جهة الأب أم من جهة الأم، لأنه إذا كان يحرم نكاح العمة أو الخالة فمن الأولى أن يكون نكاح الجدة محرما، إذ الأم هى طريق الوصول فى القرابة إلى هؤلاء. وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح الجدات.
والطائفة الثانية: هى طائفة الفروع من النساء، وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله {وَبَنَاتُكُمْ} بالعطف على أمهاتكم.
أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم.
والبنت هى كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أم بواسطة فتشمل حرمة النكاح البنات وبنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن.
وقد انعقد الإِجمال على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهن.
والطائفة الثالثة: هى طائفة فروع الأبوين. وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله {وَأَخَوَاتُكُمْ} ثم بقوله، {وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} بالعطف على {وَأُمَّهَاتُكُمُ}.
أى وحرم الله عليكم نكاح أخواتكم سواء أكن شقيقات أم غير شقيقات وحرم عليكم أيضا نكاح بنات إخوانكم وبنات أخواتكم من أى وجه يكن.
والطائفة الرابعة: هى طائفة العمات والخالات. وقد ثبت تحريم نكاحهن بقوله - تعالى - {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ} بالعطف على {أُمَّهَاتُكُمْ}.
أى حرم الله عليكم نكاح عماتكم وخالاتكم كما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم.
والعمة: هى كل امرأة شاركت أباك مهما علا فى أصليه أو فى أحدهما.
والخالة: هى كل امرأة شاركت أمك مهما علت فى أصليها أو فى أحدهما.
وإذن فالعمات والخالات يشملن عمات الأب والأم، وخالات الأب والأم، وعمات الجد والجدة، وخالات الجد والجدة، لأن هؤلاء يطلق عليهن عرفا اسم العمة والخالة.
تلك هى الطوائف الأربع اللاتى يحرم نكاحهن من الأقارب، وإن هذا التحريم يتناسب مع الفطرة التى فطر الله الناس عليها، ويتفق مع العقول السليمة التى تحب مكارم الأخلاق، وذلك لأن شريعة الإِسلام قد نوهت بمنزلة القرابة القريبة للإِنسان، وأضفت عليها الكثيرة من ألوان الوقار والاحترام؛ والزواج وما يصاحبه من شهوات ومداعبات ورضا واختلاف يتنافى مع ما أسبغه الله - تعالى - على هذه القوابة القريبة من وقار ومن عواطف شريفه.
ولأن التجارب العلمية قد أثبتت أن التلاقح بين سلائل متباعدة الأصول غالبا ما ينتج نسلا قويا، أما التلاقح بين السلائل المتحدة فى أصولها القريبة فإنه غالبا ما ينتج نسلا ضعيفا.
ثم بين - سبحانه - النساء اللائى يحرم الزواج بهن لأسباب أخرى سوى القرابة فقال - تعالى - {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ}.
أى: وحرم الله - عليكم نكاح أمهاتكم اللاتى أرضعنكم، وحرم عليكم - أيضا نكاح أخواتكم من الرضاعة.
والأم من الرضاع: هى كل امرأة أرضعتك؛ وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة من جهة النسب أو من جهة الرضاع.
والأخت من الرضاع: هى التى التقيت انت وهى على ثدى واحد.
قال القرطبى: وهى الأخت لأب وأم. وهى التى أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك أو رضعت قبلك أو بعدك والأخت من الأب دون الأم، وهى التى أرضعتها زوجة أبيك. والأخت من الأم دون الأب وهى التى أرضعتها أمك بلبان رجل آخر".
هذا، وظاهر قوله - تعالى - {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} يقتضى أن مطلق الرضاع محرم للنكاح. وبذلك قال المالكية والأحناف:
ويرى الشافعية والحنابلة أن الرضاع المحرم هو الذى يبلغ خمس رضعات. واستدلوا بما رواه مسلم وغيره عن عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"لا تحرم المصة ولا المصتان" وفى رواية عنها انه قال: "لا تحرم الرضعة والرضعتان، والمصة والمصتان" .
كذلك ظاهر هذه الجملة الكريمة يقتضى أن الرضاع يحرم النكاح ولو فى سن الكبر، إلا أن جمهور العلماء يرون أن الرضاع المحرم هو ما كان قبل بلوغ الحولين أما ما كان بعد بلوغ الحولين فلا يحرم ولا يكون الرضيع ابنا من الرضاعة وذلك لقوله - تعالى - { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } }. وأخرج الترمذى عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام" .
قال ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ}.
أى: كما يحرم عليك نكاح أمك التى ولدتك كذلك يحرم عليك نكاح أمك التى أرضعتك.
ولهذا ثبت فى الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" وفى لفظ المسلم: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" .
ومن الحكم التى ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة: أن المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التى أرضعته فيكون جزءاً منها، كما أنه جزء من أمه التى حملته. وإذا كانت هذه قد غذته بدمها وهو فى بطنها فإن تلك قد غذته بلبانها وهو فى حجرها، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع أن تعامل معاملة الحقيقة، وأن يعامل كل من التقيا على ثدى امرأة واحدة معاملة الإِخوة من حيث التكريم وحرمة النكاح بينهم.
هذا، ومن أراد المزيد من المعرفة لأحكام الرضاع فليرجع الى كتب الفقه.
ثم ذكر - سبحانه - نوعا ثالثا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ}.
أى: وكذلك حرم الله عليكم نكاح أمهات زوجاتكم سواء أكن أمهات مباشرات أم جدات، لأن كلمة الأم تشمل الجدات، ولإِجماع الفقهاء على ذلك.
قال الآلوسى: والمراد بالنساء المعقود عليهن على الإِطلاق، سواء أكن مدخولا بهن أم لا. وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة، لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحا. أما إذا كان فاسدا فلا تحرم الأم إلا إذا وطئ ابنتها. فقد أخرج البيهقى فى سننه وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم يدخل. وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الإِبنة" .
ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال تعالى - {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}.
وقوله {وَرَبَائِبُكُمُ} جمع ربيبة. وهى بنت أمرأة الرجل من غيره. وسميت بذلك لأن الزوج فى أغلب الأحوال يربها أى يربيها فى حجره ويعطف عليها.
والحجور: جمع حجر - بالفتح والكسر مع سكون الجيم - وهو ما يحويه مجتمع الرجلين للجالس المتربع. والمراد به هنا معنى مجازى وهو الحضانة والكفالة والعطف. يقال: فلان فى حجر فلان أى فى كنفه ومنعته ورعايته.
ومقتضى ظاهر الجملة الكريمة أن الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج أمها إلا بشرطين:
أولهما: كونها فى حجره.
وثانيهما: أن يكون الزوج قد دخل بأمها.
أما عن الشرط الأول فلم يأخذ به جمهور العلماء، وقالوا: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب والعادة، إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج، لا أنه شرط فى التحريم فهم يرون أن نكاح الربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت فى حجره أم لم تكن قالوا: وفائدة هذا القيد تقوية علة الحرمة أو أنه ذكر للتشنيع عليهم، إذ أن نكاحها محرم عليهم فى جميع الصور إلا أنه يكون أشد قبحا فى حالة وجودها فى حجره هذا رأى عامة الصحابة والفقهاء.
ولكنه هناك رواية عن مالك بن أوس عن على بن أبى طالب أنه قال: الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج الأم إلا إذا كانت فى حجره أخذا بظاهر الآية الكريمة. وقد أخذ بذلك داود الظاهرى وأشياعه.
وأصحاب الرأى الأول لم يعثدوا بهذه الرواية المروية عن على - رضى الله عنه - وأما عن الشرط الثانى - وهو أن يكون الزوج قد دخل بأم الربيبة - فقد أخذ به العلماء إلا أنهم اختلفوا فى معنى الدخول فقال بعضهم: معناه الوطء والجماع. وقال بعضهم: معناه التمتع كاللمس والقبلة، فلو حصل منه مع الأم ما يشبه ذلك حرم عليه نكاح ابنتها من غيره.
قال القرطبى ما ملخصه: اتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة فى حجره. وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون فى حجر المتزوج بأمها. ثم قال وقوله - تعالى - {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} يعنى الأمهات {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يعنى فى نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم.
وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها. وإختلفوا فى معنى الدخول بالأمهات الذى يقع به التحريم للربائب. فروى عن ابن عباس أنه قال: الدخول: الجماع. واتفق مالك والثورى وأبو حنيفة على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والإبن، وهو أحد قولى الشافعى...).
والحكمة فى تحريم الربائب على أزواج أمهاتهن أنهن حينئذ يشبهن البنات الصلبيات بالنسبة لهؤلاء الأزواج، بسبب ما يجدنه منهم من رعاية وتربية فى العادة، ولأنه لو أبيح للرجل أن يتزوج ببنت امرأته التى دخل بها، لأدى ذلك إلى تقطيع الأرحام بين الأمر وابنتها. ولأدى ذلك أيضا إلى الانصراف عن رعاية هؤلاء الربائب خشية الرغبة فى الزواج بواحدة منهن.
ثم بين - سبحانه - نوعا خامسا من المحارم فقال. تعالى -: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}.
والحلائل: جمع حليلة وهى الزوجة. وسميت بذلك لحلها للزوج وحل الزوج لها، فكلاهما حلال لصاحبه. ويقال للزوج حليل.
أى: وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين هم من أصلابكم. أى: من ظهوركم.
وقال - سبحانه - {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ} بدون تقييد بالدخول. للاشارة إلى أن حليلة الابن تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها.
قال القرطبى: أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء أكان مع العقد وطء أو لم يكن: لقوله - تعالى -: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} وقوله - تعالى -: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}. وقيد الله الأبناء بالذين هم من الأصلاب، ليخرج الابن المتبنى. فهذا تحل زوجته للرجل الذى تبناه.
وقد كان العرب يعتبرون الابن بالتبنى كأولادهم من ظهورهم، ويحرمون زوجة الابن بالتبنى على من تبناه. وقد سمى القرآن الأبناء بالتبنى أدعياء فقال - تعالى -:
{ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } }. ثم أبطل القرآن ما كان عليه أهل الجاهلية فى شأن الابن المتبنى، فأباح للرجل أن يتزوج من زوجة الابن الذى تبناه بعد فراقه عنها.
وقد أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج بزينب بنت جحش بعد أن طلقها زوجها زيد بن حارثة، وكان زيد قد تبناه النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون: تزوج محمد امرأة ابنه فأنزل الله - تعالى -
{ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } }. فإن قيل: إن قيد {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}. يخرج الابن من الرضاع كما أخرج الابن بالتبنى؟ فالجواب على ذلك: أن الابن بالرضاع حرمت حليلته على أبيه من الرضاع بقول النبى صلى الله عليه وسلم: "يرحم من الرضاع ما يرحم من النسب" .
ثم بين - سبحانه - نوعا سادسا من المحرمات فقال - تعالى -: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.
قال ابن كثير والمعنى: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا فى التزويج إلا ما كان منكم فى جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل لأنه استثنى مما سلف وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين فى النكاح. ومن أسلم وتحت أختان خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة، فقد روى الإِمام أحمد عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: أسلمت وعندى امرأتان أختان فأمرنى النبى صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما".
وكما أنه يحرم الجمع بين الأختين فى عصمة رجل واحد، فكذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها لنهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقد جاء فى صحيح مسلم وفى سنن أبى داود والترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها" .
وفى رواية الطبرانى أنه قال: "فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم".
والسر فى تحريم هذا النوع من النكاح أنه يؤدى إلى تقطيع الأرحام - كما جاء فى الحديث الشريف - إذ من شأن الضرائر أن يكون بينهن من الكراهية وتبادل الأذى ما هو مشاهد ومعلوم. فكان من رحمة الله بعباده أن حرم عليهم هذه الأنواع من الأنكحة السابقة صيانة للأسرة من التمزق والتشتت، وحماية لها من الضعف والوهن، وسمواً بها عن مواطن الريبة والغيرة والفساد وقد عفا - سبحانه - عما حدث من هذه الأنكحة الفاسدة فى الجاهلية أو قبل نزول هذه الآية الكريمة بتحريمها، لأنه - سبحانه - كان وما زال غفارا للذنوب، ستارا للعيوب، رحيما بعباده، ومن رحمته بهم أنه يعذبهم من غير نذير، ولا يؤاخذهم على ما اكتسبوا إلا بعد بيان واضح.
ثم بين - سبحانه - نوعا سابعا من المحرمات فقال: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}.
وقوله {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} من الإِحصان وهو فى اللغة بمعنى المنع. يقال: هذه درع حصينة، أى مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال: هذا موضع حصين، أى مانع من يريده بسوء. ويقال امرأة حصينة أى مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو حريتها أو زواجها.
قال الراغب: ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة. قال - تعالى -:
{ وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } وقال - تعالى - { فَإِذَآ أُحْصِنَّ } أى تزوجن. وأحصن زوجن. والحصان فى الجملة: المرأة المحصنة إما بعفتها أو بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها". والمراد بالمحصنات هنا: ذوات الأزواج من النساء.
وقوله {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} معطوف على قوله {وَأُمَّهَاتُكُمُ} فى قوله - تعالى -: فى آية المحرمات السابقة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلخ.
والمعنى: وكما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم إلخ، فقد حرم عليكم - أيضا - نكاح ذوات الأزواج من النساء قبل مفارقة أزواجهن لهن، لكى لا تختلط المياه فتضيع الأنساب.
وقوله {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج.
والمراد به: النساء المسبيات اللاتى أصابهن السبى ولهن أزواج فى دار الحرب، فانه يحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبى. و بسبيهن وحدهن دون أزواجهن.
أى: وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء، إلا ما ملكتموهن بسبى فسباؤكم لهن هادم لنكاحهن السابق فى دار الكفر، ومبيح لكم نكاحهن بعد استبرائهن.
قال القرطبى ما ملخصه: فالمراد بالمحصنات هاهنا ذوات الأزواج. أى هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبى من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذى تقع فى سهمه وإن كان لها زوج، وهو قول الشافعى فى أن السباء يقطع العصمة. وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وقال به أشهب يدل عليه ما رواه مسلم فى صحيح عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا يوم حنين إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا. فكان ناس من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قد تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله - عز وجل - فى ذلك {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، وهذا نص صحيح صريح فى أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج فأنزل الله فى جوابهم {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ}. وبه قال مالك وابو حنيفة وأصحابه والشافعى وأحمد وإسحق وأبو ثور، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى -".
وقيل إن المراد بالمحصنات هنا: ذوات الأزواج - كما تقدم -، ولما ملكت أيمانكم: مطلق ملك اليمين. فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت متزوجة كان ذلك الانتقال مقتضيا لطلاقها وحلها لمن انتلقت إليه.
وهذا القول ضعيف، لأن عائشة - رضى الله عنها - اشترت بريرة وأعتقتها وكانت ذات زوج، ثم خيرها النبى صلى الله عليه وسلم بين فسخ نكاحها من زوجها وبين بقائها على هذا النكاح، فدل ذلك على أن بيع الأمة ليس هادما للعصمة، لأنه لو كان هادما لها ما خير النبى صلى الله عليه وسلم بريرة.
أخرج البخارى عن عائشة -
"رضى الله عنها - قالت: اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها. فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: أعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الورق.
قالت: فأعتقتها. قالت: فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيرها فى زوجها، فقالت: لو أعطانى كذا وكذا مابت عنده. فاختارت نفسها"
.
وقوله - تعالى - {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} ساقه - سبحانه - لتأكيده تحريم نكاح الأنواع التى سبق ذكرها.
وقوله {كِتَابَ} مصدر كتب، وهو مصدر مؤكد لعامله أى: كتب الله عليكم تحريم هذه الأنواع التى سبق ذكرها كتابا وفرضه فرضا، فليس لكم أن تفعلوا شيئا مما حرمه الله عليكم، وإنما الواجب عليكم أن تقفوا عند حدوده وشرعه.
وقيل: إن قوله {كِتَابَ} منصوب على الإِغراء. أى: الزموا كتابا لله الذى هو حجة عليكم إلى يوم القيامة ولا تخالفوا شيئا من أوامره أو نواهيه.
وعليه فيكون المراد بالكتاب هنا القرآن الكريم الذى شرع الله فيه ما شرع من الأحكام.
وإلى هنا تكون هذه الآيات الثلاث قد بينت خمسة عشر نوعا من الأنكحة المحرمة.
أما الآية الأولى وهى قوله - تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} الخ فقد بينت نوعا واحدا.
وأما الآية الثانية وهى قوله - تعالى -: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} الخ فقد بينت ثلاثة عشر نوعا.
وأما الآية الثانية وهى قوله - تعالى -: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ}. الخ فقد بينت نوعا واحدا.
قال الفخر الرازى عند تفسيره لقوله - تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ... الآية: اعلم أنه - تعالى - نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النساء: سبعة منهن من جهة النسب وهن: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخلات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وسبعة أخرى لا من جهة النسب وهن: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء والربائب بنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ها هنا، وأزواج الآباء مذكورة فى الآية المتقدمة، - وهى قوله {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} والجمع بين الاختين.
هذا، وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء، عقب ذلك بإيراد جملة كريمة بين فيها ما يحل نكاحه من النساء فقال - تعالى -: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ}.
و {مَّا} هنا المراد بها عموم النساء.
وكلمة {وَرَاءَ} هنا بمعنى غير أو دون كما فى قول بعضهم: (وليس وراء الله للمرء مذهب).
واسم الإِشارة {ذٰلكم} يعود إلى ما تقدم من المحرمات.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} الخ.
ومن قرأ {أُحِلَّ لَكُمْ...} ببناء الفعل للفاعل جعلها معطوفة على كتب المقدر فى قوله {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...}.
والمعنى: حرمت عليكم هؤلاء المذكورات، وأحل لكم نكاح ما سواهن من النساء.
قال القرطبى: قوله - تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ} قرأ حمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص {وَأُحِلَّ لَكُمْ} ردا على {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} وقرأ الباقون بالفتح ردا على قوله - تعالى - {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}. وهذا يقتضى ألا يحرم من النساء إلا من ذكر، وليس كذلك؛ فإن الله - تعالى - قدر حرم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من لم يذكر فى الآية فيضم إليها. قال - تعالى -:
{ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } }. روى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها" . وقد قيل: إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها؛ لأن الله - تعالى - حرم الجمع بين المرأة وعمتها - أو خالتها - فى معنى الجمع بين الأختين؛ أو لأن الخالة فى معنى الوالدة والعمة فى معنى الوالد والصحيح الأول: لأن الكتاب والسنة كالشئ الواحد فكأنه قال: "أحللت لكم ما وراء من ذكرنا فى الكتاب وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم".
ثم رفع - سبحانه - من شأن المرأة وكرمها بأن جعل إيتاءها المهر شرطا لاستحلال نكاحها إعزازا لها فقال - تعالى - {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}.
وقوله: {تَبْتَغُواْ} من الابتغاء بمعنى الطلب الشديد.
وقوله: {مُّحْصِنِينَ} من الإِحصان وهو هنا بمعنى العفة وتحصين النفس ومنعها عن الوقوع فيما يغضب الله - تعالى -.
وقوله: {مُسَافِحِينَ} من السفاح بمعنى الزنا والمسافح: هو الزانى. ولفظ السفاح مأخوذ من السفح وهو صب الماء وسيلانه. به الزنا؛ لأن الزانى لا غرض له إلا صب النطفة فقط دون نظر إلى الأهداف الشريفة التى شرعها الله وراء النكاح.
وقوله {أَن تَبْتَغُواْ} فى محل نصب بنزع الخافض على أنه مفعول له لما دل عليه الكلام و {مُّحْصِنِينَ} و {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} حالان من فاعل {تَبْتَغُواْ}.
والمعنى: بين لكم - سبحانه - ما حرم عليكم من النساء، وأحل لكم ما وراء ذلكم، من أجل أن تطلبوا الزواج من النساء اللائى أحلهن الله لكم أشد الطلب، عن طريق ما تقدمونه لهن من أموالكم كمهور، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور والزنا.
قال بعضهم: وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل منهم المرأة قال: انكحينى. فإذا أراد الزنا قال: سافحينى. والمسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح.
قال الآلوسى: وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لا بد وأن يكون مالا وبه قال الأحناف. وقال بعض الشافعية: لا حجة فى ذلك، لأن تخصيص المال كونه الأغلب المتعارف، فيجوز النكاح على ما ليس بمال. ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا خطب الواهبة نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم ماذا معك من القرآن؟ قال: معى سورة كذا وكذا وعددهن. قال: تقرؤهن على ظهر قلبك؟ قال: نعم قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن" .
ووجه التأييد أنه لو كان فى الآية حجة لما خالفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلا، والتعليم ليس له ذكر فى الخبر، فيجوز أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم: زوجتك تعظيما للقرآن ولأجل ما معك منه".
ثم قال - تعالى -: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}.
والاستمتاع: طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة.
والمراد بقوله {أُجُورَهُنَّ} أى مهورهن لأنها فى مقابلة الاستمتاع فسميت أجراً.
و {مَا} فى قوله {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} واقعة على الاستمتاع والعائد فى الخبر محذوف أى فآتوهن أجورهن عليه.
والمعنى: فما انتفعتم وتلذذتم به من النساء عن طريق النكاح الصحيح فآتوهن أجورهن عليه.
ويصح أن يكون {مَا} واقعة على النساء باعتبار الجنس أو الوصف. وأعاد الضمير عليها مفرداً فى قوله {بِهِ} باعتبار لفظها، وأعاده عليها جمعا فى قوله {مِنْهُنَّ} باعتبار معناها.
ومن فى قوله {مِنْهُنَّ} للتبعيض أو للبيان. والجار والمجرور فى موضع النصب على الحال من ضمير {بِهِ}:
والمعنى: فأى فرد أو الفرد الذى تمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو بعضهن فأعطوهن أجورهن على ذلك. والمراد من الأجور: المهور. وسمى المهر أجراً؛ لأنه بدل عن المنفعة لا عن العين.
وقوله {فَرِيضَةً} مصدر مؤكد لفعل محذوف أى: فرض الله عليكم ذلك فريضة. أو حال من الأجور بمعنى مفروضة. أى: فآتوهن أجورهن حالة كونها مفروضة عليكم.
ثم بين - سبحانه - أنه لا حرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن جزء منه ما دام ذلك حاصلا بالتراضى فقال - تعالى -: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}.
أى: لا إثم ولا حرج عليكم فيما تراضيتم به أنتم وهو من إسقاط شئ من المهر أو الإِبراء منه أو الزيادة عليه ما دام ذلك بالتراضى بينكم ومن بعد اتفاقكم على مقدار المهر الذى سميتموه وفرضتموه على أنفسكم.
وقد ذيل - سبحانه - الآية الكريمة بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} لبيان أن ما شرعه هو بمقتضى علمه الذى أحاط بكل شئ، وبمقتضى حكمته التى تضع كل شئ فى موضعه.
فأنت ترى ان الآية الكريمة مسوقة لبيان بعض الأنواع من النساء اللاتى حرم الله نكاحهن، ولبيان ما أحله الله منهن بعبارة جامعة، ثم لبيان أن الله - تعالى - قد فرض على الأزواج الذين يبتغون الزوجات عن طريق النكاح الصحيح الشريف أن يعطوهن مهورهن عوضا عن انتفاعهم بهن، وأنه لا حرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن شئ منه ما دام ذلك بسماحة نفس، ومن بعد تسمية المهر المقدر.
هذا، وقد حمل بعض الناس هذه الآية على أنها واردة فى نكاح المتعة وهو عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين لكى يستمتع بها.
قالوا: لأن معنى قوله - تعالى -: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}: فمن جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة فآتوهن أجورهن.
ولا شك أن هذا القول بعيد عن الصواب، لأنه من المعلوم أن النكاح الذى يحقق الإِحصان والذى لا يكون الزوج به مسافحا. هو النكاح الصحيح الدائم المستوفى شرائطه، والذى وصفه الله بقوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}.
وإذاً فقد بطل حمل الآية على أنها فى نكاح المتعة؛ لأنها تتحدث عن النكاح الصحيح الذى يتحقق معه الإِحصان، وليس النكاح الذى لا يقصد به إلا سفح الماء وقضاء الشهوة.
قال ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعا فى ابتداء الإِسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روى عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت فى الصحيحين عن امير المؤمنين على بن أبى طالب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وفى صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهنى عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"يأ أيها الناس إنى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كانت عنده منهن شئ فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا" .
وقال الآلوسى: وقيل الآية فى المتعة، وهى النكاح إلى أجل معلوم من يوم أو أكثر.
والمراد، {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ} من استئناف عقد آخر بعد انقضاء الأجل المضروب فى عقد المتعة، بأن يزيد الرجل فى الأجر وتزيد المرأة فى المدة، وإلى ذلك ذهبت الإِمامية - من طائفة الشيعة -.
ثم قال: ولا نزاع عندنا فى أنها أحلت ثم حرمت، والصواب المختار أن التحريم والإِباحة كانا مرتين. فقد كانت حلالا قبل يوم خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاث تحريما مؤبداً إلى يوم القيامة...".
وقال بعض العلماء: وهذا النص وهو قوله - تعالى - {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} قد تعلق به بعض المفسدين الذين لم يفهموا معنى العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة، فادعوا أنه يبيح المتعة... والنص بعيد عن هذا المعنى الفاسد بعد من قالوه عن الهداية؛ لأن الكلام كله فى عقد الزواج فسابقه ولاحقه فى عقد الزواج، والمتعة حتى على كلامهم لا يسمى عقد نكاح أبدا.
وقد تعلقوا مع هذا بعبارات رووها عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أباح المتعة فى غزوات ثم نسخها، وبأن ابن عباس كان يبيحها فى الغزوات وهذا الاستدلال باطل، لأن النبى صلى الله عليه وسلم نسخها، فكان عليهم عند تعلقهم برواية مسلم أن يأخذوا بها جملة أو يتركوها، وجملتها تؤدى إلى النسخ لا إلى البقاء.
وإذا قالوا إننا نتفق معكم على الإِباحة ونخالفكم فى النسخ فنأخذ المجمع عليه ونترك غيره قلنا لهم: إن النصوص التى أثبتت الإِباحة هى التى أثبتت النسخ، وما اتفقنا معكم على الإِباحة، لأننا نقرر نسخ الإِباحة.
على أننا نقول: إن ترك النبى صلى الله عليه وسلم المتعة لهم قبل الأمر الجازم بالمنع، ليس من قبيل الإِباحة، بل هو من قبيل الترك حتى تستأنس القلوب بالإِيمان وتترك عادات الجاهلية، وقد كان شائعا بينهم اتخاذ الأخدان وهو ما نسميه اتخاذ الخلائل. وهذه هى متعتهم، فنهى القرآن الكريم والنبى صلى الله عليه وسلم عنها. وإن الترك مدة لا يسمى إباحة وإنما يسمى عفوا حتى تخرج النفوس من جاهليتها، والذين يستبيحونها باقون على الجاهلية الأولى.
وابن عباس - رضى الله عنه - قد رجع عن فتواه بعد أن قال له إمام الهدى على بن أبى طالب: إنك امرؤ تائه، لقد نسخها النبى صلى الله عليه وسلم والله لا أوتى بمستمتعين إلا رجمتهما".
وبذلك نرى أن الآية الكريمة واردة فى شأن النكاح الصحيح الذى يحقق الإِحصان ولا يكون الزوج به مسافحا. وأن القول بأنها تدل على نكاح المتعة قول بعيد عن الحق والصواب للأسباب التى سبق ذكرها.
وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء، وبين من يحل نكاحه منهن، عقب ذلك ببيان ما ينبغى أن يفعله من لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات فقال - تعالى - {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ....}.