التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً
٧١
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً
٧٢
وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً
٧٣
-النساء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال القرطبى: قوله - تعالى - {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج فى سبيل الله، وحماية الشرع.
ووجه النظم والاتصال بما قبله أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته. وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ينافى هذا التوكل بل هو عين التوكل..
والحِذْر والحذَر واحد كالإِثر والأثر. يقال: أخذ فلان حذره، إذا تيقظ واحترز مما يخشاه ويخافه. فكأنه جعل الحذر آلته التى يقى بها نفسه ويعصم بها روحه. فالكلام على سبيل الكناية والتخيل. بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية.
والمعنى: استعدوا - أيها المؤمنون - لأعدائكم، وكونوا على يقظة منهم، وكونوا متأهبين للقائهم دائماً بالإِيمان القوى، وبالسلاح الذى يفل سلاحهم.
هذا، وللأستاذ الإِمام محمد عبده كلام حسن فى هذا المعنى، فقد قال -رحمه الله - ما ملخصه: "الحذر: الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو، وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ استعداده وقوته ومعرفة أرضه وبلاده وفى أمثال العرب (قتلت أرض جاهلها). ويدخل فى الحذر والاستعداد معرفة الأسلحة وكيفية استعمالها فكل ذلك وغيره يدخل تحت الأمر بأخذ الحذر.
وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه عارفين بأرض عدوهم، وكان للنبى صلى الله عليه وسلم جواسيس يأتونه بأخبار مكة، ولما أخبروه بنقض قريش للعهد استعد لفتحها، وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة (حاربهم بمثل ما يحاربونك به: السيف بالسيف، والرمح بالرمح). وهذه كلمة جليلة فالقول وعمل النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كل ذلك دال على أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته".
فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} دعوة للمؤمنين فى كل زمان ومكان إلى حسن الاستعداد لمجابهة أعدائهم بشتى الأساليب وبمختلف الوسائل التى تجعل الأمة الإِسلامية يرهبها أعداؤها سواء أكانوا فى داخلها أم فى خارجها.
وقوله {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} تفريع على أخذ الحذر؛ لأنهم إذا أخذوا حذرهم، عرفوا كيف يتخيرون أسلوب القتال المناسب لحال أعدائهم وقوله {فَٱنفِرُواْ} من النفر وهو الخروج إلى عمل من الأعمال بسرعة. ومنه قوله - تعالى -
{ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } }. والمراد بقوله {فَٱنفِرُواْ} هنا: أى اخرجوا إلى قتال أعدائكم بهمة ونشاط.
ويقال: نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدوهم. واستنفر الإِمام الناس إذا حضهم على جهاد أعدائهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم
"وإذا استنفرتم فانفروا" . والنفير. اسم للقوم الذين ينفرون.
وقوله {ثُبَاتٍ} جمع ثبة وهى الجماعة والعصبة من الفرسان. مأخوذة من ثبا يثبو أى اجتمع.
والمعنى. عليكم - أيها المؤمنون - أن تكونوا دائما على استعداد للقاء أعدائكم، ولا تغفلوا عن كيدهم. فإذا ما حان الوقت لقتالهم فاخرجوا إليهم مسرعين جماعة فى إثر جماعة؛ أو فاخرجوا إليهم مجتمعين فى جيش واحد، فإن قتالكم لأعداكم أحيانا يتطلب خروجكم فرقة بعد فرقة، وأحيانا يتطلب خروجكم مجتمعين، فاسلكوا فى قتالكم لأعدائكم الطريقة المناسبة لدحرهم والتغلب عليهم.
وقوله {ثُبَاتٍ} منصوب على الحال من الضمير فى قوله {ٱنْفِرُواْ} وكذلك قوله {جَمِيعاً} أى انفروا متفرقين أو انفروا مجتمعين أى، ليكن نفوركم على حسب ما تقتضيه طبيعة المعركة.
قال الآلولسى: قوله {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} أى مجتمعين جماعة واحدة. ويسمى الجيش إذا اجتمع ولم ينتشر كتيبة. وللقطعة المنتخبة المقتطعة منه سرية وهى من خمسة أنفس إلى ثلثمائة أو أربعمائة. وما زاد على السرية فمنسر - كمجلس ومنبر - إلى الثمانمائة. فإن زاد يقال له جيش إلى أربعة آلاف.
فإن زاد يسمى جحفلا. فإن يسمى خميسا وهو الجيش العظيم. وما افترق من السرية يسمى بعثا. والآية وإن نزلت فى الحرب لكن فيها إشارة إلى الحث على المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات".
ثم كشف - سبحانه - عن فساد نفوس المنافقين وضعاف الإِيمان فقال: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} أى: ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد. من "بطأ" - بالتشديد - بمعنى أبطأ فهو فعل لازم. وقد يستعمل أبطأ وبطأ - بالتشديد - متعديين، وعليه يكون المفعول هنا محذوف أى: ليبطئن غيره ويثبطه عن الخروج للجهاد فى سبيل الله.
وقد جمع المنافقون وضعاف الإِيمان بين الأمرين: فقد كانوا يتخلفون عن الجهاد فى سبيل الله وينتحلون المعاذير الكاذبة لتخلفهم، ولا يكتفون بذلك بل يحاولون منع غيرهم عن الخروج للجهاد.
والتعبير بقوله {لَّيُبَطِّئَنَّ} تعبير فى أسمى درجات البلاغة والروعة، لأنه يصور الحركة النفسية للمنافقين وضعاف الإِيمان وهم يشدون أنفسهم شدا، ويقدمون رجلا ويؤخرون أخرى عندما يدعوهم داعى الجهاد إلى الخروج من أجل إعلاء كلمة الله.
وقد اشتملت الجملة الكريمة على جملة مؤكدات، للاشعار بأن هؤلاء المنافقين لا يتركون فرصة تمر دون أن يبثوا سمومهم بنشاط وإصرار، وأنهم حريصون كل الحرص على توهين عزائم المجاهدين، وحملهم على أن يكونوا مع القاعدين كما هو شأن المنافقين.
والمراد بقوله {مِنْكُمْ} أى من جنسكم وممن يعيشون معكم ويساكنونكم، ويرتبطون معكم برباط القرابة، ويتظاهرون بالإِسلام، فلقد كان المنافقون فى المدينة تربطهم روابط متعددة بالمؤمنين الصادقين، كما هو معروف فى التاريخ الإِسلامى.
فمثلا عبد الله بن أبى بن سلول - زعيم المنافقين - كان أحد أبنائه من المؤمنين الصادقين.
وقد وجه القرآن الخطاب إلى المؤمنين لكى يكشف لهم عن المنافقين المندسين فى صفوفهم لكى يحذروهم.
قال صاحب الكشاف: واللام فى قوله {لَمَن} للابتداء بمنزلتها فى قوله
{ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } وفى {لَّيُبَطِّئَنَّ} جواب قسم محذوف تقديره: وإن منكم لمن أقسم باللَّه ليبطئن وجوابه صلة من والضمير الراجع منها يعود إلى ما استكن فى {لَّيُبَطِّئَنَّ}. والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقوله {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} بيان لما انطوت عليه نفوس المنافقين من فساد، وما نطقت به ألسنتهم من سوء.
أى: وإن من المتظاهرين بأنهم منكم - يا معشر المؤمنين - لمن يتثاقلون عن القتال ويعملون على أن يكون غيرهم مثلهم، {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ} يا معشر المؤمنين {مُّصِيبَةٌ} كهزيمة وقتية، أو استشهاد جماعة منكم {قَالَ} هذا المنافق على سبيل الفرح والتشفى {قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ} أى: قد أكرمنى الله بالقعود {إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} أى حاضرا فى المعركة، لأنى لو كنت حاضرا معهم لأصابنى ما أصابهم من القتل أو الجراح أو الآلام.
فالآية الكريمة تحكى عن المنافقين أنهم يعتبرون قعودهم عن الجهاد نعمة، وإذا ما أصاب المؤمنين مصيبة عند قتالهم لأعدائهم.
أما إذا كانت الدولة للمؤمنين، وظفروا بالغنائم، فهنا يتمنى المنافقون أن لو كانوا معم لينالوا بعض هذه الغنائم، واستمع إلى القرآن وهو يحكى عنهم ذلك فيقول: {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً}.
أى: {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ} يا معشر المؤمنين {فَضْلٌ مِنَ الله} كفتح وغنيمة ونصر وظفر {لَيَقُولَنَّ} هذا المنافق على سبيل الندامة والحسرة والتهالك على حطام الدنيا، حالة كونه {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} ليقولن: {يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ} عندما خرجوا للجهاد {فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} بأن أحصل كما حصلوا على الغنائم الكثيرة.
وهذا - كما يقول ابن جرير - خبر من الله - تعالى - ذكره عن هؤلاء المنافقين، أن شهودهم الحرب مع المسلمين - إن شهدوها - إنما هو لطلب الغنيمة وإن تخلفوا عنها فللشك الذى فى قلوبهم، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا، ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابا.
وفى نسبة الفضل إلى الله فى قوله {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله} دون إصابة المصيبة تعليم لحسن الأدب مع الله - تعالى - وإن كان سبحانه - هو الخالق لكل شئ، فهو الذى يمنح الفضل لمن يشاء وهو الذى يمنعه عمن يشاء.
وقوله {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} جملة معترضة بين فعل القول الذى هو {لَيَقُولَنَّ} وبين المقول الذى هو {يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ}.
وقد جئ بها على سبيل التهكم والسخرية والتعجب من حال المنافقين، لأنهم كان فى إمكانهم أن يخرجوا مع المؤمنين للقتال، وأن ينالوا نصيبهم من الغنائم التى حصل عليها المؤمنون، ولكنهم لم يخرجوا لسوء نواياهم، فلما أظهروا التحسر لعدم الخروج بعد أن رأوا الغنائم فى أيدى المؤمنين كان تحسرهم فى غير موضعه؛ لأن الذى يتحسر على فوات شئ عادة هو من لا علم له به أو بأسبابه، أما المنافقون فبسبب مخالطتهم وصحبتهم للمؤمنين كانوا على علم بقتال المؤمنين لأعدائهم، وكان فى إمكانهم أن يخرجوا معهم.
فكأن الله تعالى يقول للمؤمنين: انظروا وتعجبوا من شأن هؤلاء المنافقين إنهم عندما أصابتكم مصيبة فرحوا، وعندما انتصرتم وأصبتم الغنائم تحسروا وتمنوا أن لو كانوا معكم حتى لكأنهم لا علم لهم بالقتال الذى دار بينكم وبين أعدائكم، وحتى لكأنهم لا مخالطة ولا صحبة بينكم وبينهم مع أن علمهم بالقتال حاصل، ومخالطتهم لكم حاصلة فلم يتحسرون؟ إن قولهم: {يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} ليدعوا إلى التعجب من أحوالهم، والتحقير لسلوكهم، والدعوة عليهم بأن يزدادوا حسرة على حسرتهم.
وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بحسن الاستعداد للقاء أعدائهم فى كل وقت، وكشفت لهم عن رذائل المنافقين الذين إذا أصابت المؤمنين مصيبة فرحوا لها، وإذا أصابهم فضل من الله تحسروا وحزنوا، وفى هذا الكشف فضيحة للمنافقين، وتحذير للمؤمنين من شرورهم.
وبعد هذا التوبيخ الشديد للمتثاقلين عن الجهاد، أخذ القرآن الكريم فى استنهاض الهمم والعزائم للجهاد فى سبيل الله فقال - تعالى -: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ...كَانَ ضَعِيفاً}.