التفاسير

< >
عرض

فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً
٨٨
وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
٨٩
إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً
٩٠
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً
٩١
-النساء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

أورد المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} روايات أهمها روايتان:
أولهما: أن هذه الآية نزلت فى شأن المنافقين الذين تخلفوا عن الاشتراك مع المؤمنين فى غزوة أحد. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد ومعه المسلمون. وفى الطريق رجع عبد الله بن ابى بن سلول بثلث الناس وقالوا
{ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ } فاختلف أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن هؤلاء المنافقين. فقال بعضهم: نقتلهم فقد كفروا.
وقال آخرون: لم يكفروا. فأنزل الله - تعالى - الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"إنها طيبة وإنها تنفى الخبث كما ينفى الكير خبث الحديد" .
أما الرواية الثانية: فيؤخذ منها أنها نزلت فى قوم كانوا يظهرون الإِسلام بمكة إلا أنهم كانوا يظاهرون المشركين. فقد أخرج ابن جريرعن ابن عباس أن قوما كانوا بمكة قد تكلوا بالإِسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس. وإن المؤمنين لما اخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى هؤلاء الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله: - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول صلى الله عليه وسلم عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شئ، فنزلت: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}.
وهناك روايات أخرى قريبة من هذه الرواية فى معناها قد ذكرها المفسرون.
ويبدو لنا أن الرواية الثانية هى الأقرب إلى سياق الآيات وإلى الواقع التاريخى، لأنه من الثابت تاريخيا أن منافقى المدينة لم يرد أمر بقتالهم، وإنما استعمل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسائل أخرى أدت إلى نبذهم وهوان أمرهم، ,لأن قوله - تعالى - بعد ذلك {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} يؤيد أنه ليس المقصود بالمنافقين هنا منافقى المدينة، وإنما المقصود بهم جماعة أخرى من المنافقين كانوا خارج المدينة، إذ لا هجرة من المدينة إلى غيرها وإنما الهجرة تكون من غيرها إليها، لأنها دار الإِسلام، ولم يكن فتح مكة قد تم عند نزول هذه الآية.
وقد رجح الإِمام ابن جرير سبب النزول الذى حكته الرواية الثانية فقال ما ملخصه: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية فى اختلاف أصحاب رسول الله فى قوم كانوا قد ارتدوا عن الإِسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن قوله - تعالى - بعد ذلك {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} أوضح دليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. فأما من كان من المدينة فى دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة.
والفاء فى قوله {فَمَا لَكُمْ} للتفريع على ما تقدم من أخبار المنافقين وأحوالهم أو هى للافصاح و"ما" مبتدأ و "لكم" خبره.
قال الجمل: وقوله {فِي ٱلْمُنَافِقِينَ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه متعلق بما تعلق به الخبر وهو "لكم" أى: أى شئ كان لكم أو مستقر لكم فى أمر المنافقين.
والثانى: أنه متعلق بمعنى فئتين، فإنه فى قوة: ما لكم تفترقون فى أمر المنافقين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والثالث: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من فئتين، لأنه فى الأصل صفة لها تقديره: فئتين مفترقتين فى المنافقين وصفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت حالا. وقوله "فئتين" حال من ضمير "لكم" المجرور والعامل فيه الاستقرار أو الظرف لنيابته عنه...
والاستفهام لإِنكار خلافهم فى شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو إلى سوء الظن بهم.
والمعنى: لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال المنافقين ما يكشف عن خبثهم ومكرهم، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى الحذر منهم وسوء الظن بهم، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذى سوغ لكم أن تختلفوا فى شأنهم إلى فئتين؟ فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم، وفئة أخرى صادقة الفراسة، سليمة الحكم لأنها عندما رأت الشر قد استحوذ على المنافقين أعرضت عنهم، واحتقرتهم، وأخذت حذرها منهم، وحكمت عليهم بالحكم الذى رضيه الله - تعالى.
والآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق، وانكشف حال أولئك المنافقين، عليكم أن تتركوا الخلاف فى شأنهم، وأن تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون عن الحق والإِيمان. ومنغمسون فى الضلال والبطلان.
وقوله {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإِنكار السابق أى: لم تختلفون - أيها المؤمنون - فى شأن المنافقين هذا الاختلاف والحال أن الله - تعالى - قد ردهم إلى الكفر بعد الإِيمان بسب أقولاهم الأثيمة، وأعمالهم القبيحة.
وقوله {أَرْكَسَهُمْ} من الركس وهو رد أول الشئ على آخره. يقال: ركس الشئ يركسه ركسا إذا قلبه على رأسه. والركس والنكس بمعنى واحد.
والاستفهام فى قوله {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} للإِنكار على من أحسن الظن بأولئك المنافقين.
أى: أتريدون أيها المؤمنون الذين أحسنتم الظن بهؤلاء المنافقين أن تعدوهم من جملة المهتدين، مع أن الله - تعالى - قد خلق فيهم الضلال، لأنهم قد استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغى على الرشد.
وقوله {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أى: ومن يكتب الله عليه الضلالة، فلن تجد أحداً يهديه ويرشده، لأن فضاء الله لا يتبدل، وقدره لا يتخلف.
وقوله - تعالى - {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم فى الكفر وتصديهم لإِضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم فى أنفسهم.
أى: أن هؤلاء المنافقين الذين يحسن الظن بهم بعضكم - أيها المؤمنون - لا يكتفون بكفرهم فى أنفسهم بل هم يتمنون ويودون كفركم مثلهم بحيث تكونون أنتم وهم متساوين فى الكفر والنفاق، وإذا كان هذا هو حالهم فكيف تطمعون فى إيمانهم؟ وكيف تحسنون الظن بهم؟
و{لَوْ} فى قوله {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} مصدرية. أى تمنوا كفركم. وقوله {كَمَا كَفَرُواْ} نعت لمصدر محذوف: أى تمنوا أن تكفروا كفراً مثل كفرهم.
وقوله {فَتَكُونُونَ سَوَآءً} معطوف على قوله {لَوْ تَكْفُرُونَ} ومفرع عليه. أى: ودوا لو تكفرون فتكونون مستوين معهم فى الضلال والكفر والنفاق.
وما أبلغ التعبير فى جانب محاولة المؤمنين بالإِرادة فى قوله {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} وفى جانب محاولة المنافقين بالود؛ لأن الإِرادة ينشأ عنها الفعل. فالمؤمنون يستقربون حصول الإِيمان من المنافقين، لأن الإِيمان قريب من فطرة الناس وعقولهم. والمنافقون يعلمون أن المؤمنين لا يرتدون عن دينهم، ويرونهم متمسكين به غاية التمسك، فلم يكن طلبهم تكفير المؤمنين إلا كلون من التمنى الذى لا أمل فى تحققه، فعبر عنه بالود المجرد، أى ودوا ذلك ولكنه ود بعيد التحقق.
وقوله {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} نهى من الله - تعالى - للمؤمنين من موالاة المنافقين حتى يصدر منهم ما يدل على إقلاعهم عن النفاق والضلال.
والفاء فى قوله: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ} للإِفصاح عن شرط مقدر. والتقدير إذا كان هذا هو شأن المنافقين فلا يصح لكم - أيها المؤمنون - أن تتخذوا منهم أولياء أو نصراء أو أصدقاء حتى تتحقوا من إسلامهم بأن يهاجروا من أجل إعلاء كلمة الله من دار الكفر التى يقيمون فيها ويناصرون أهلها إلى دار الإِيمان التى تقيمون فيها، وينضمون إليكم لنصرة الحق، ودفع الظلم.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: (دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة لأن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأنه هو الأمر الذى به يتقرب إلى الله، ويتوسل به إلى السعادة... وإذا كان الأمر كذلك، امتنع طلب المحبة والولاية فى الموضع الذى يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه ودلت على إيجاب الهجرة بعد الإِسلام - أى فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يسلموا ويهاجروا - وأنهم إن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة. ونظيره قوله - تعالى -
{ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } }. واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة ففى الحديث الشريف: "أنا برئ من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين. وأنا برئ من كل مسلم مع مشرك" . فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة. ثم نسخ فرض الهجرة بما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" . وروى عن الحسن أن حكم الآية ثابت فى كل من اقام فى دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإِسلام قائما).
وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} بيان لحكم الله - تعالى - فى هؤلاء المنافقين إذا ما استمروا فى غيهم وضلالهم.
والمعنى: فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة فى سبيل الله - تعالى - فلا تعتبروا إسلامهم، بل خذوهم فى الأسر، وضيقوا عليهم {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} لأنهم أعداء لكم {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ} فى هذه الحالة {وَلِيّاً} توادونه وتصادقونه {وَلاَ نَصِيراً } تنتصرون به على أعدائكم، لأن ولاية هؤلاء المنافقين محادة لله ولرسوله، والتناصر بهم يؤدى إلى الخذلان كما قال - تعالى -
{ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } }. فالجملة الكريمة تأمر المؤمنين بقتل أولئك المنافقين الذين ظهر الكفر منهم وتنهاهم عن اتخاذهم أولياء أو أصدقاء وعن الاستنصار بهم.
وقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} استثناء من الضمير المنصوب فى قوله {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ}.
وقوله {يَصِلُونَ} بمعنى يتلجئون ويتصلون. الميثاق العهد الموثق.
والمعنى: أن الله - تعالى - يأمركم - أيها المؤمنون - أن تأخذوا وتقتلوا أولئك المنافقين الذين أظهروا كفرهم وتمنوا أن تكونوا مثلهم، وامتنعوا عن الهجرة إلى دياركم، وينهاكم عن موالاتهم وعن الاستعانة بهم، لكنه - سبحانه - قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار حكمهم كحكم من لجأوا إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء.
وقد ذكر العلماء أقوالا فى المراد من القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد أمان، فقيل: هم الأسلميون، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقت خروجه إلى مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمى على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذى لهلال. وقيل هم بنو بكر بن زيد. وقيل هم خزاعة.
وقوله: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} عطف على صلة الذين وهو قوله {يَصِلُونَ}.
ومعنى حصرت: ضاقت وانقبضت ومنه الحصر فى القول وهو ضيق الكلام على المتكلم. ويقال حصر صدره يحصر أى ضاق.
أى: خذوا واقتلوا - أيها المؤمنون - المنافقين الذين أعلنوا كفرهم، ولا تأخذوا ولا تقتلوا الذين التجأوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، ولا تأخذوا ولا تقتلوا كذلك الذين جاءوا إليكم وقد ضاقت نفوسهم، وانقبضت صدورهم عن قتالكم لأنكم مسلمون كما أنهم قد ضاقت نفوسهم عن قتال قومهم لأنهم منهم، أو لأنهم يخشون قتالهم خوفا على أموالهم أو على ذريتهم أو ذوى أرحامهم.
فأنت ترى أن الاستثناء فى قوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ} قد أخرج من الأخذ والقتل فريقين من الناس:
الفريق الأول: هو الذى ترك المحاربين من الأعداء، والتجأ إلى القوم الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم من التجأ إليهم فى الأمان.
والفريق الثانى: هو الذى جاء إلى المؤمنين، مسالما وترك قومه، إلا أنه فى الوقت نفسه يكره أن يقاتل المسلمين لحبه لهم. ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته وأهله أو لأنه لو قاتلهم للحقه الضرر فى ماله أو ذريته.
وقوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} فى موضع نصب على الحال بتقدير قد كما يرى بعضهم. وبعضهم لا يرى حاجة لتقديرها، لأنه قد جاء الفعل الماضى حالا بغيرها كثيراً.
وقيل هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل {جاءوا} أى: جاءوكم حالة كونهم حصرت صدورهم.
وقوله: {أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} مجرور بحرف جر مقدر أى: حصرت صدورهم عن أن يقاتلولكم أو يقاتلوا قومهم. أو هو فى محل نصب على مفعول لأجله. أى حصرت صدورهم كراهة قتالكم أو قتال قومهم.
والمراد بالفريق الثانى بنو مدلج فقد أخرج ابن أبى حاتم
"عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجى حدثهم فقال: لما ظهر النبى صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأسلم من حولهم، قال: بلغنى أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومى بنى مدلج. فأتيته فقلت: أنشدك النعمة. بلغنى أنك تريد أن تبعث إلى قومى. وأنا أريد أن توادعهم. فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا فى الإسلام. وإن لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال: اذهب معه فافعل ما يريد" . فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسملوا معهم، فأنزل الله الآية.
وقوله {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} بيان لمظهر من مظاهر فضل الله ورعايته للمؤمنين.
أى: ولو شاء الله لسلط جميع المشركين عليكم بأن قوى قلوبهم، وجرأهم عليكم، وجعلهم يبرزون لقتالكم صفا واحدا، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، بل ألقى الرعب فى صفوف أعدائكم، وجعل منهم من يسالمكم ويأتى إليكم موادعا.
قال صاحب الكشاف: فإن قتل: كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟ قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف الرعب فى قلوبهم. ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه. فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين فذلك معنى التسليط.
وقال القرطبى: قوله - تعالى - {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} تسليط الله المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك، ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصى. وإما ابتلاء واختبارا كما قال - تعالى -
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ } وإما تمحيصا للذنوب كما قال - تعالى - { وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } }. ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء.
ووجه النظم والاتصال بما قبل. أى: اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم، وإلا الذين جاءكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم".
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً}.
أى: أن هؤلاء الذين استثناهم الله - تعالى - من الأخذ والقتل، اقبلوا مسالمتهم إن اعتزلوا قتالكم فلم يتعرضوا لكم بسوء، وكفوا عن قتالهم إذا ألقوا إليكم السلم، أى: إذا انقادوا للصلح والأمان ورضوا به. وهم متى فعلوا ذلك {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} أى: فما اذن الله لكم فى أخذهم وقتلهم بأى طريق من الطرق التى توصل إلى العدوان عليهم.
وعبر بقوله {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} بدل السلام، للاشارة إلى معنى التسليم لا مجرد الأمن والسلام، لأن السلم يفيد معنى التسليم، فهم ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لأمركم، ودخلوا فى طاعتكم.
وفى نفى أن يكون هناك سبيل عليهم، مبالغة فى عدم التعرض لهم بسوء لأنه إذا انتفى الوصول إليهم انتفى الاعتداء عليهم من باب أولى.
هذا، ويرى جمهور المفسرين أن الأحكام التى اشتملت عليها هذه الآية الكريمة منسوخة بآية سورة التوبة وهى قوله - تعالى -
{ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } }. قال الجمل: معاهدة المشركين وموادعتهم فى هذه الآية بآية السيف - وهى قوله { فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ } . الآية" وذلك لأن الله - تعالى - لما أعز الإِسلام وأهله أمر أن لا يقبل من مشركى العرب إلا الإِسلام أو القتال".
ثم بين - سبحانه - صنفا آخر غير هؤلاء المسالمين، وهم قوم من المنافقين المخادعين، الذين لا يضمرون للمؤمنين إلا شرا، ولا يمدون أيديهم إلى أهل الحق إلا بالسوء فقال - تعالى -: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا}.
أى: ستجدون - أيها المؤمنون - قوما من المنافقين آخرين غير الذين وصفتهم لكم، {يُرِيدُونَ} بإظهارهم للإِسلام {أَن يَأْمَنُوكُمْ} على أنفسهم، ويريدون بإظهارهم للكفر {أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} من الأذى، ومن صفات هؤلاء المخادعين أنهم {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} أى: كلما دعوا إلى الردة وإلى العصبية البغيضة وقعوا فيها أشنع وقوع، ورجعوا إليها منكوسين على رءوسهم.
قال ابن جرير: عن مجاهد قال: هم ناس كانوا يأتون النبى صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون فى الأوثان. يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا".
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المنافقين المخادعين فقال: {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً}.
أى: أن هؤلاء المنافقين إن لم يعتزلوا قتالكم والتعرض لكم بسوء، ويلقوا إليكم الأمان والانقياد، ويمتنعوا عن العدوان عليكم، إن لم يفعلوا ذلك فخذوهم أسرى، واقتلوهم حيث {ثَقِفْتُمُوهُمْ} أى: وجدتموهم وظفرتم بهم. يقال ثقفت الرجل فى الحرب اثقفه، إذا أدركته وظفرت به وقوله {وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أى أولئك الذين وصفتهم لكم جعل الله لكم حجة واضحة فى أخذهم وقتلهم، بسبب ظهور عداوتهم، وانكشاف غدرهم، وتذبذبهم بين الإِسلام والكفر تبعا لشهوات نفوسهم المريضة.
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الأربعة الكريمة يراها قد رسمت للمؤمنين كيف تكون علاقتهم بغيرهم من المنافقين والمشركين.
فهى تأمرهم - أولا - بأن يقفوا من المنافقين الذين أركسهم الله بما كسبوا صفا واحدا ورأيا واحدا، فلا يدافعون عنهم ولا يحسنون الظن بهم، ولا يولونهم ولا يستعينون بهم، حتى يهاجروا فى سبيل الله، فإن امتنعوا عن الهجرة حل أخذهم وقتلهم.
وتأمرهم - ثانياً - بأن يسالموا - إلى حين - قوما التجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأمان، وأن يسالموا كذلك أولئك الذين يأتون إليهم وهم يكرهون قتالهم أو قتال قومهم، وأظهروا الانقياد والاستسلام للمؤمنين.
وتأمرهم - ثالثا - بأن يأخذوا ويقتلوا أولئك المتلاعبين بالعقيدة والدين ولذين بلغ بهم الغدر والخداع أنهم إذا قدموا المدينة أظهروا الإِسلام، فإذا ما عادوا إلى مكة أو إلى قومهم أظهروا الكفر، وكانوا مع قومهم ضد المسلمين.
وإنها لتوجيهات حكيمة تبصر المؤمنين بما يجب عليهم نحو غيرهم من الناس الذين يخالفونهم فى عقيدتهم.
وبعد هذا الحديث الحكيم الذى بين الله - تعالى - فيه أحوال المنافقين، وصفاتهم الذميمة، وموقف المؤمنين ممن يخالفونهم فى العقيدة، بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان حكم القتل الخطأ، وحكم القتل العمد فقال - تعالى -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ...عَذَاباً عَظِيماً}.