التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
٢٨
يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ
٢٩
وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ
٣٠
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ
٣١
وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ
٣٢
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
٣٣
وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ
٣٤
ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
٣٥
-غافر

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن موسى - عليه السلام - أنه ما زاد فى دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله، بين أنه - تعالى - قيض إنسانا أجنبيا غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه، وبالغ فى تسكين تلك الفتنة، واجتهد فى إزالة ذلك الشر.
ثم قال -رحمه الله - يقول مصنف هذا الكتاب: ولقد جريت فى أحوال نفسى أنه كلما قصدنى شرير بشر ولم أتعرض له، وأكتفى بتفويض ذلك الأمر إلى الله، فإنه - سبحانه - يقيض أقواما لا أعرفهم ألبتة. يبالغون فى دفع ذلك الشر..
وظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا الرجل المؤمن كان من حاشية فرعون بدليل قوله - تعالى -: {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} ولم يكن من بنى إسرائيل.
وقد رجح ابن جرير -رحمه الله - ذلك فقال: وأولى القولين فى ذلك بالصواب عندى: القول الذى قاله السدى من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، ولذا فقد أصغى لكلامه واستمع منه ما قاله، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله.. ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القائل له ولملئه بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن يستنصح بنى إسرائيل لاعتداده إياهم أعداء له.. ولكنه لما كان من ملأ قومه، استمع إليه، وكف فرعون عما كان قد هم به من قتل موسى..
قالوا: وهذا الرجل المؤمن هو الذى نصح موسى - عليه السلام - بقوله:
{ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ } وكان اسمه "حزقيل" او "حبيب".
أى: وقال رجل مؤمن من آل فرعون وحاشيته، وكان يكتم إيمانه عنهم، حتى لا يصيبه أذى منهم، فعندما سمع فرعون يقول:
{ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ } قال لهم: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ}.
أى: أتقتلون رجلا لأنه يقول ربى الله وحده، وقد جاءكم بالحجج البينات، وبالمعجزات الواضحة من عند ربكم، كدليل على صدقه فيما يبلغه عنه.
فقوله: {أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} فى موضع المفعول لأجله. أى: أتقتلونه من أجل قوله هذا. وجملة {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} حالية من فاعل يقول وهو موسى - عليه السلام -.
والمقصود بهذا الاستفهام: الإِنكار عليهم والتبكيت لهم، حيث قصدوا قتل رجل كل ذنبه أنه عبد الله - تعالى - وحده وقد جاءهم بالمعجزات الواضحات الدالة على صحة فعله وقوله.
قال الإِمام ابن كثير: وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون
{ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ } فأخذت الرجل غضبة لله - تعالى - و "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" اللهم إلا ما رواه البخارى فى صحيحه حيث قال:
حدثنا على بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعى، حدثنى عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرنى بأشد شئ صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة، إذْ أقبل عقبة بن أبى معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً. فأقبل أبو بكر - رضي الله عنه - فأخذ بمنكبه ودفع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أتقتلون رجلاً أنْ يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم" .
وقال القرطبى: وعن على - رضى الله عنه - قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبى طالب بثلاث: فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل هذا يجؤه - أى يضربه -، وهذا يُتَلْتِلهُ - أى: يحركه تحريكا شديدا - فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأ هذا ويتلتل ذا، ويقول بأعلى صوته: ويلكم: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله، والله إنه لرسول الله، فقطعت إحدى ضفيرتى أبى بكر يومئذ.
ثم يحكى القرآن أن ذلك الرجل المؤمن، لم يكتف بالإِنكار على قومه قصدهم موسى بالقتل بل أخذ فى محاولة إقناعهم بالعدول عن هذا القصد بشتى الأساليب والحجج فقال: {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ..}.
أى: أنه قال لهم: إن كان موسى - على سبيل الفرض - كاذبا فيما يقوله ويفعله فعليه وحده يقع ضرر كذبه، وليس عليكم منه شئ، وإن كان صادقا فيما يقوله ويفعله فعليه وحده يقع ضرر كذبه، وليس عليكم منه شئ، وإن كان صادقا فيما يقوله ويفعله، فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذى يعدكم به من سوء عاقبة مخالفة ما أتاكم به من عند ربه..
فأنت ترى أن الرجل كان فى نهاية الحكمة والإِنصاف وحسن المنطق، فى مخاطبته لقومه، حيث بين لهم أن الأمر لا يخرج عن فرضين، وكلاهما لا يوجب قصد موسى - عليه السلام - بالقتل.
ورحم الله صاحب الكشاف: فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال ما ملخصه: وقوله: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ...} هذا إنكار عظيم منه، وتبكيت شديد لهم، كأنه قال: أترتكبون الفعلة الشنعاء التى هى قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط فى ارتكابها إلا كلمة الحق التى نطق بها وهى قوله {رَبِّيَ ٱللَّهُ}..
ثم أخذ فى الاحتجاج عليهم على طريقة التقسيم فقال: لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا، فإن يك كاذبا فعليه يعود كذبه ولا يتخطاه ضرره، وإن يك صادقا يصبكم بعض ما يعدكم به إن تعرضتم له.
فإن قلت: لم قال: {بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} وهو - أى موسى - نبى صادق، لابد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه؟
قلت: لأنه احتاج فى مقاولة خصوم موسى ومنا كريه، إلى أن يلاوصهم - أى يحايلهم - ويداريهم، ويسلك معهم طريق الإِنصاف فى القول ويأتيهم من جهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل فى تصديقهم له وقبولهم منه، فقال {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} وهو كلام المنصف فى مقاله، غير المشتط فيه، ليسمعوا منه ولا يردوا عليه، وذلك أنه حين فرضه صادقا، فقد أثبت أنه صادق فى جميع ما يعد، ولكنه أردفه بقوله: {يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} ليهضمه بعض حقه فى ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا، فضلا عن أن يتعصب له، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من هذا القبيل.
ثم أرشد الرجل المؤمن الحصيف قومه إلى سنة من سنن الله التى لا تتغير فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}.
أى: إن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يهدى إلى الحق والصواب، من كان مسرفا فى أموره، متجاوزا الحدود التى شرعها الله - تعالى - ومن كان كذابا فى إخباره عن الله - تعالى -، ولو كان موسى مسرفا أو كذابا، لما أيده الله - تعالى - بالمعجزات الباهرة. وبالحجج الساطعة الدالة على صدقه.
فالجملة الكريمة إرشاد لهم عن طريق خفى إلى صدق موسى فيما يبلغه عن ربه، وتعريض بما عليه فرعون من ظلم وكذب.
قال الجمل فى حاشيته: فالجملة الكريمة كلام ذو وجهين نظرا لموسى وفرعون.
الوجه الأول: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى، والمعنى: إن الله هدى موسى إلى الإِتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه الله إلى ذلك لا يكون مسرفا ولا كذابا.
الوجه الثانى: أن يكون المراد أن فرعون مسرف فى عزمه على قتل موسى. وكاذب فى ادعائه الألوهية، والله لا يهدى من كان كذلك...
ثم أخذ فى تذكيرهم بنعم الله عليهم، وفى تحذيرهم من نقمه فقال: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا}.
أى: وقال الرجل المؤمن لقومه - أيضا - : يا قوم، أى: يا أهلى ويا عشيرتى، أنتم اليوم لكم الملك، حالة كونكم ظاهرين، أى: غالبين ومنتصرين فى أرض مصر، عالين فيها على بنى إسرائيل قوم موسى.
وإذا كان أمرنا كذلك، فمن يستطيع أن ينصرنا من عذاب الله، إن أرسله علينا، بسبب عدم شكرنا له، واعتدائنا على خلقه.
وإنما نسب إليهم ما يسرهم من الملك والظهور فى الأرض دون أن يسلك نفسه معهم، وسلك نفسه معهم فى موطن التحذير، تطييبا لقلوبهم، وإيذانا بأنه ناصح أمين لهم، وأنه لا يهمه سوى منفعتهم ومصلحتهم..
وهنا نجد القرآن الكريم يخبرنا بأن فرعون بعد أن استمع إلى نصيحة الرجل المؤمن، أخذته العزة بالإِثم، وقال ما يقوله كل طاغية معجب بنفسه: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ}.
أى: قال فرعون لقومه، فى رده على نصيحة الرجل المؤمن: يا قوم لا أشير عليكم ولا أخبركم إلا بما أراه صوابا وخيرا، وهو أن أقتل موسى - عليه السلام - وما أهديكم برأيى هذا إلا إلى طريق السداد والرشاد.
وغرض فرعون بهذا القول، التدليس والتمويه على قومه. وأنه ما يريد إلا منفعتهم، مع أن الدافع الحقيقى لقوله هذا، هو التخلص من موسى حتى يخلو له الجو فى تأليه نفسه على جهلة قومه، فإنهم كانوا كما قال - تعالى - فى شأنهم:
{ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ } ولكن الرجل المؤمن لم يسكت أمام هذا التدليس والتمويه الذى نطق به فرعون، بل استرسل فى نصحه لقومه، وحكى القرآن عنه ذلك فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ..}
أى قال لهم: يا قوم إنى أخاف عليكم إذا تعرضتم لموسى - عليه السلام - بالقتل أو بالتكذيب، أن ينزل بكم عذاب مثل العذاب الذى نزل على الأمم الماضية التى تحزبت على أنبيائها، وأعرضت عن دعوتهم، فكانت عاقبتها خسرا..
فالمراد بالأحزاب: تلك الأمم السابقة التى وقفت من أنبيائها موقف العداء والبغضاء. وكأن تلك الأمم من حزب، والأنبياء من حزب آخر..
والمراد باليوم هنا: الأحداث والوقائع والعقوبات التى حدثت فيه. فالكلام على حذف مضاف.
أى: أخاف عليكم مثل حادث يوم الأحزاب.
وقوله: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ..} بدل أو عطف بيان من قوله {مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ}.
والدأب: العادة الدائمة المستمرة يقال: دأب فلان على كذا. إذا داوم عليه وجد فيه، ثم غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة.
أى: أخاف عليكم أن يكون حالكم وشأنكم كحال قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم كقوم لوط، فهؤلاء الأقوام كذبوا أنبياءهم فدمرهم الله - تعالى - تدميرا، فاحذروا أن تسيروا على نهجهم بأن تقصدوا موسى - عليه السلام - بالقتل أو الإِيذاء، فينزل بكم العذاب مثل ما نزل بهم.
{وَمَا ٱللَّهُ} - تعالى - {يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} أى: فما أنزله - سبحانه - بهم من عذاب، إنما هو بسبب إصرارهم على شركهم. وعلى الإِعراض عن دعوة أنبيائهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
ثم يواصل الرجل المؤمن تذكير قومه بأهوال يوم القيامة فيقول: {وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ}
أخاف عليكم يوم القيامة الذى يكثر فيه نداء أهل الجنة لأهل النار. ونداء أهل النار لأهل الجنة، ونداء الملائكة لأهل السعادة وأهل الشقاوة.
فلفظ "التناد" - بتخفيف الدال وحذف الياء - تفاعل من النداء، يقال: تنادى القوم، إذا نادى بعضهم بعضا..
وقوله: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ...} بدل من يوم التناد. أى: أخاف عليكم من أهوال يوم القيامة، يوم تنصرفون عن موقف الحساب والجزاء فتتلقاكم النار بلهيبها وسعيرها، وتحاولون الهرب منها فلا تستطيعون. لأنه لا عاصم لكم ولا مانع فى هذا اليوم من عذاب الله - تعالى- وعقابه.
{وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق بسبب سوء استعداده، واستحبابه العمى على الهدى، فما له من هاد يهديه إلى الصراط المستقيم.
وهكذا نجد الرجل المؤمن بعد أن خوف قومه من العذاب الدنيوى، أتبع ذلك بتخويفهم من العذاب الأخروى.
ثم ذكرهم بعد ذلك بما كان من أسلافهم مع أحد أنبيائهم فقال: {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً}.
والذى عليه المحققون أن المراد بيوسف هنا: يوسف بن يعقوب - عليهما السلام - والمراد بمجيئه إليهم: مجيئه إلى آبائهم، إذ بين يوسف وموسى - عليهما السلام - أكثر من أربعة قرون، فالتعبير فى الآية الكريمة من باب نسبة أحوال الآباء إلى الأبناء لسيرهم على منوالهم وعلى طريقتهم فى الإِعراض عن الحق.
أى: ولقد جاء يوسف - عليه السلام - إلى آبائكم من قبل مجئ موسى إليكم، وكان مجيئه إلى آبائكم مصحوبا بالمعجزات والبينات، والآيات الواضحات الدالة على صدقه.
{فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ} أى: فما زال آباؤكم فى شك مما جاءهم به من البينات والهدى، كشأنكم أنتم مع نبيكم موسى - عليه السلام -.
{حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ} أى: مات يوسف - عليه السلام -.
{قُلْتُمْ} أى: قال آباؤكم الذين أنتم من نسلهم {لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} فهم قد كذبوا رسالته فى حياته، وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته، لأنهم نفوا أن يكون هناك رسول من بعده.
فأنت ترى أن الرجل المؤمن يحذر قومه من أن يسلكوا مسلك آبائهم، فى تكذيب رسل الله، وفى الإِعراض عن دعوتهم.
قال ابن كثير: قوله - تعالى -: {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ} يعنى: أهل مصر، قد بعث الله فيهم رسولا من قبل موسى، وهو يوسف - عليه السلام -، كان عزيز أهل مصر، وكان رسولا يدعو إلى الله أمته القبط، فما أطاعوه تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة والجاه الدنيوى. ولهذا قال: {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} أى: يئستم فقلتم طامعين: {لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} وذلك لكفرهم وتكذيبهم.
وقوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} أى: مثل ذلك الإِضلال الفظيع، يضل الله - تعالى - من هو مسرف فى ارتكاب الفسوق والعصيان، ومن هو مرتاب فى دينه، شاك فى صدق رسوله، لاستيلاء الشيطان والهوى على قلبه.
ثم بين لهم أن غضب الله - تعالى - شديد، على الذين يجادلون فى آياته الدالة على وحدانيته وعلى كمال قدرته، وعلى صدق أنبيائه، بغير حجة أو دليل فقال {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}.
وقوله: {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ...} مبتدأ، وخبره قوله - تعالى - : {كَبُرَ مَقْتاً..} والفاعل ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من قوله {يُجَادِلُونَ} أى: كبر جدالهم {مَقْتاً} تمييز محول عن الفاعل، أى: عظم بغضا جدالهم عند الله وعند المؤمنين.
أى: الذين يجادلون فى آيات الله الدالة على وحدانيته، وعلى صدق أنبيائه بغير دليل أو برهان أتاهم من الله - تعالى - عن طريق رسله، هؤلاء الذين يفعلون ذلك، كبر وعظم بغضا جدالهم عند الله - تعالى - وعند الذين آمنوا.
قال الجمل: وهذه الصفة - وهى الجدال بالباطل بدون برهان - موجودة فى فرعون وقومه، ويكون الرجل المؤمن قد عدل عن مخاطبتهم إلى الاسم الغائب، لحسن محاورته لهم، واستجلاب قلوبهم. وأبرز ذلك فى صورة تذكرهم فلم يخصهم بالخطاب
وفى قوله: {كَبُرَ} ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم.
وقوله: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} أى: مثل ذلك الطبع العجيب، يطبع الله - تعالى - ويختم بالكفر والعمى على قلب كل إنسان متكبر عن الاستماع للحق، متطاول ومتجبر على خلق الله - تعالى - بالعدوان والإيذاء.
ومع هذا النصح الزاخر بالحكم الحكيمة، والتوجيهات السليمة، والإِرشادات القويمة من الرجل المؤمن لقومه.. ظل فرعون سادرا فى غيه، مصرا على كفره وضلاله.. إلا أن الرجل المؤمن لم ييأس من توجيه النصح بل أخذ يذكر وينذر ويبشر.. ويحكى القرآن الكريم كل ذلك فيقول:
{وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ...}.