التفاسير

< >
عرض

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ
٩
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٠
وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
١١
وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ
١٢
لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
١٣
وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ
١٤
-الزخرف

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

واللام فى قوله - تعالى -: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} للقسم. وجوابه قوله - تعالى - بعد ذلك: {لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ...}.
والمعنى: وحق الله الذى لا إله إلا هو، لئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين عمن خلق هذا الكون، ليقولون بدون تردد: الله - تعالى - المتصف فى نفس الأمر بالعزة والعلم.
فالآية الكريمة تدل دلالة صريحة على أن هؤلاء المشركين يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا العالم، وأن معبوداتهم بعض خلقه - تعالى - ولكنهم لجهلهم وانطماس بصائرهم أشركوها معه فى العبادة، وقالوا:
{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ... } }. ويبدو أن هاتين الصفتين: {ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} ليستا من أقوالهم. فهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا الكون، ولكنهم لم يكونوا يعرفون الله بصفاته التى جاء بها القرآن الكريم.
ولذا قال بعض العلماء: الذى يظهر أن هذا الكلام مجزأ، فبعضه من قولهم وبعضه من قول الله - تعالى -، فالذى هو من قولهم {خَلَقَهُنَّ}، وما بعده من قول الله - عز وجل -، وأصل الكلام أنهم قالوا: خلقهن الله، ويدل عليه قوله - تعالى - فى آية أخرى:
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } }. ثم لما قالوا: خلقهن الله وصف الله - تعالى - ذاته بهاتين الصفتين.
ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفات أخرى فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً...}.
المهد والمهاد: الفراش المهد المذلل الذى يستقر عليه من جلس فوقه.
أى: الخالق لهذا العالم هو الله العزيز العليم، الذى جعل لكم الأرض كالفراش الممهد، حيث بسطها لكم، وجعلها صالحة لسيركم عليها، ولإِنبات الزروع فيها.
{وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أى: وجعل لكم فيها طرقا متعددة، لكى تسلكوها، فتصلوا من بلد إلى آخر، ومن قطر إلى قطر، كما قال - تعالى - فى آية أخرى
{ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } }. وقوله - تعالى -: {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} بيان للحكمة من جعل الأرض كذلك، أى: جعلها ممهدة كثيرة الطرق، لعلكم تهتدون إلى ما تريدون الوصول إليه من البلاد، ومن المنافع المتعددة.
ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفة ثانية فقال: {وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ}.
أى: وهو - تعالى - الذى أنزل من السماء ماء بمقدار معين على قدر حاجتهم ومصلحتكم، فلا هو بالكثير الذى يغرقكم ولا هو بالقليل الذى لا يكفى حاجتكم، بل نزله بقدر كفايتكم، كما قال - سبحانه -:
{ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } }. وكقوله - تعالى - فى آية ثانية: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ... } }. وقوله - سبحانه -: {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} بيان للآثار المترتبة على هذا الإِنزال للماء.
أى: نحن الذين بقدرتنا أنزلنا من السماء ماء على قدر حاجتكم، وحسبما تقتضيه مصلحتكم، فأحيينا بهذا الماء بلدة مجدبة، لا نبات فيها ولا زرع.
فالمراد بالنشور: الإِحياء للأرض عن طريق إنبات الزرع بها، بعد أن كانت مجدبة.
وقوله: {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} بيان لإِمكانية إحياء الناس بعد موتهم.
أى: مثل ذلك الإِحياء للأرض بعد موتها، تخرجون أنتم من قبوركم أحياء يوم القيامة.
قال الآلوسى: وفى التعبير عن إخراج النبات بالإِنشار الذى هو إحياء الموتى، وعن إحيائهم بالإِخراج، تفخيم الإِنبات، وتهوين لأمر البعث، وفى ذلك من الرد على منكريه ما فيه..
وشبيه بهذه الآية قوله:
{ وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } }. ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفة ثالثة فقال: {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} أى: خلق أصناف وأنواع المخلوقات كلها. فالمراد بالأزواج هنا: الأصناف المختلفة من الذكر والأنثى. ومن غير ذلك من أنواع مخلوقاته التى لا تحصى.
قال - سبحانه -
{ سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } }. وقوله - تعالى -: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} أى: وسخر لكم بقدرته ورحمته من السفن التى تستعملونها فى البحر، ومن الإِبل التى تستعملونها فى البر، ما تركبونه وتحملون عليه أثقالكم، وتنتقلون بواسطته من مكان إلى آخر.
فما فى قوله {مَا تَرْكَبُونَ} موصولة، والعائد محذوف والجملة مفعول {جَعَلَ} وقوله: {مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ} بيان له مقدم عليه. أى: وجعل لكم ما تركبونه من الفلك والأنعام.
ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا التذليل والتسخير للفلك والأنعام فقال: {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} والضمير فى {ظُهُورِهِ} يعود إلى {مَا} فى قوله {مَا تَرْكَبُونَ} وجاء مفردا رعاية للفظ {مَا} وجمع الظهور لأن المراد بالمركوب جنسه.
والاستواء: الاستعلاء على الشئ، والتمكن منه، أى: سخر لكم من السفن والأنعام ما تركبونه، ولتستعلوا على ظهوره استعلاء المالك على مملوكه.
{ثُمَّ تَذْكُرُواْ} بعد كل هذا التمكن والاستعلاء {نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} أى: على تلك السفن والأنعام التى تركبونها.
والضمير فى {عَلَيْهِ} يعود - أيضا - الى {مَا} فى قوله {مَا تَرْكَبُونَ} باعتبار لفظه {وَتَقُولُواْ} على سبيل الشكر لله - تعالى - والاعتراف بفضله {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا}.
أى: وتقولوا: جل شأن الله، وتنزه عن الشريك والمثيل، فهو الذى سخر لنا هذا المركوب من الفلك والأنعام، وجعله منقادا لنا، طائعا لأمرنا.
{وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أى: والحال أننا ما كنا لهذا المركوب الصعب بقادرين على التمكن منه، لولا أن الله - تعالى - سخره لنا، وجعله منقادا لأمرنا.
فقوله: {مُقْرِنِينَ} أى: مطيقين وقادرين وضابطين، من أقرن الشئ، إذا أطاقه وقدر عليه، حتى لكأنه صار له قرنا، أى: مثله فى الشدة والقوة.
والمقصود: ما كنا بقادرين أو بمطيقين لتذليل هذه السفن والأنعام، لولا أن الله - تعالى - قد جعلها منقادة لنا، ومسخرة لخدمتنا.
ولا يخفى أن الجمل أقوى من الإِنسان، وأن البحر لو لم يذلـله - سبحانه - لنا، لما قدرت السفن على الجرى فيه.
قال القرطبى: قوله: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أى: مطيقين.. أو ضابطين وفى أصله قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الإِقران، يقال: أقرن يقرن إقرانا إذا أطاق. وأقرنت كذا: أطقته وحكمته، كأنه جعله فى قرَن - أى: حبل - فأوثقه به وشده.
والثانى: أنه مأخوذ من المقارنة، وهو أن يقرن بعضها ببعض فى السير يقال: قرنت كذا بكذا إذا ربطته به، وجعلته قرينه.
وقوله: {وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} من جملة ما يقولونه - أيضا - عند استوائهم على ظهور السفن والإِبل.
أى: تقولون إذا استويتم عليه: سبحان الذى سخر لنا هذا المركب الصعب، وما كنا بقادرين على تذليله لولا أن الله - تعالى - وفقنا لذلك، وإنا إلى ربنا وخالقنا لراجعون يوم القيامة، لكى يحاسبنا على أعمالنا، ويجازينا عليها بجزائه العادل.
هذا، وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات، جملة من الأحاديث، منها ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى..
"عن عبد الله بن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}. ثم يقول: اللهم إنى أسألك فى سفرى هذا البر والتقوى. ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا السفر. واطولنا البعيد. اللهم أنت الصاحب فى السفر. والخليفة فى الأهل. اللهم اصحبنا فى سفرنا. واخلفنا فى أهلنا" .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله - تعالى -، ومن رحمته بعباده، لكى يخلصوا له العبادة والطاعة.
ثم حكى - سبحانه - ما افتراه المشركون على خالقهم ورازقهم من أكاذيب ورد عليها بما يزهق باطلهم، فقال - تعالى -: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا... كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}.