التفاسير

< >
عرض

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً
١
لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
٢
وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
٣
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
٤
لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً
٥
وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً
٦
وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
٧
-الفتح

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

افتتحت سورة "الفتح" بهذه البشارات السامية، والمدائح العالية للنبى - صلى الله عليه وسلم - افتتحت بقوله - تعالى -: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}.
والفتح فى الأصل: إزالة الأغلاق عن الشئ.. وفتح البلد: المقصود به الظفر به، ووقوعه تحت سيطرة الفاتح.
والذى عليه المحققون من العلماء أن المراد بالفتح هنا: صلح الحديبية وما ترتب عليه من خيرات كثيرة، ومنافع جمة للمسلمين.
ويشهد لذلك أحاديث متعددة منها: ما أخرجه البخارى وأبو داود والنسائى عن ابن مسعود قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان قد خرج إليها - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين هلال ذى القعدة، فأقام بها بضعة عشر يوما، ثم قفل راجعا إلى المدينة، فبينما نحن نسير إلى المدينة إذ أتاه الوحى - وكان إذا أتاه اشتد عليه - فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}.
"وروى الإِمام أحمد وأبو داود عن مجمع بن جارية الأوسى قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا عند كراع الغميم - موضع بين مكة والمدينة - وقد جمع الناس وقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} الآيات.
فقال رجل: يا رسول الله، أو فتح هو؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: أي والذى نفسى بيده إنه لفتح"
.
ويرى بعضهم: أن المراد بالفتح هنا: فتح مكة، والتعبير عنه بالماضى فى قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} لتحقق الوقوع، فهو من قبيل قوله - تعالى -: { أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ... } ويبدو لنا أن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية لوجود الآثار الصحيحة التى تشهد لذلك، ولأن هذا الصلح قد ترتب عليه من المنافع للدعوة الإِسلامية ما يجعله من أعظم الفتوح، إن لم يكن أعظمها.
لقد ترتب عليه أن انتشر الأمان بين المسلمين والمشركين، فاستطاع المسلمون أن ينشروا دعوة الحق فى مكة وفى غيرها، كما استطاعوا أن ينتقلوا من مكان إلى آخر للتبشير بدينهم، فترتب على ذلك أن دخل فى الإِسلام عدد كبير من الناس.
قال الزهرى: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، وتمكن الإِسلام من قلوبهم، وأسلم خلق كثير، وكثر بهم سواد الإِسلام.
قال ابن هشام: والدليل على صحة قول الزهرى، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية فى ألف وأربعمائة من أصحابه ثم خرج إلى مكة فى عام الفتح - بعد ذلك بسنتين - فى عشرة آلاف من أصحابه.
وقد أكد - سبحانه - هذا الفتح بثلاثة أنواع من المؤكدات، وهى "إن" والمصدر "فتحا" والوصف "مبينا" وذلك للمسارعة إلى تبشير المؤمنين بتحقق هذا الفتح، ولإِدخال السرور على قلوبهم، بعد تلك الشروط التى اشتمل عليها الصلح، والتى ظنها بعضهم أن فيها إجحافا بالمسلمين.
وأسند - سبحانه - الفعل إلى نون العظمة {فَتَحْنَا} لتفخيم شأن المخبر - عز وجل - وعلو شأن المخبَر عنه وهو الفتح.
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور {لَكَ} على المفعول المطلق {فَتْحاً} للاهتمام وللإِشعار بأن ذلك الفتح كان من أجله - صلى الله عليه وسلم - وفى ذلك ما فيه من تعظيم أمره - صلى الله عليه وسلم - ومن وجوب طاعته، والامتثال لأمره.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً}.
واللام فى قوله {لِّيَغْفِرَ} متعلقة بقوله: {فَتْحاً} وهى للتعليل. والمراد بما تقدم من ذنبه - صلى الله عليه وسلم - ما كان قبل النبوة، وبما تأخر منه ما كان بعدها.
والمراد بالذنب هنا بالنسبة له - صلى الله عليه وسلم - ما كان خلاف الأولى، فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو المراد بالغفران: الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها، فلا يصدر منه - صلى الله عليه وسلم - ذنب، لأن غفران الذنوب معناه: سرتها وتغطيتها وإزالتها.
قال الشوكانى: وقوله - تعالى -: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} اللام: متعلقة بفتحنا وهى لام العلة، قال المبرد: هى لام كى ومعناها: إنا فتحنا لك فتحا مبينا - أى: ظاهرا واضحا مكشوفا - لكى يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة فى الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شئ حادث واقع حسن معنى كى.
وقال ابن عطية: المراد أن الله فتح لك لكى يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام الصيرورة..
وقال بعض العلماء: وقوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} هو كناية عن عدم المؤاخذة. أو المراد بالذنب ما فرط منه - صلى الله عليه وسلم - من خلاف الأولى بالنسبة لمقامه - صلى الله عليه وسلم - أو المراد بالغفران: الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها، فلا يصدر منه ذنب. لأن الغفر هو الستر، والستر إما بين العبد والذنب، وهو اللائق بمقام النبوة، أو بين الذنب وعقوبته، وهو اللائق بغيره.
واللام فى {لِّيَغْفِرَ} للعلة الغائية. أى: أن مجموع المتعاطفات الأربعة غاية للفتح المبين، وسبب عنه لا كل واحد منها.
والمعنى: يسرنا لك هذا الفتح لإِتمام النعمة عليك، وهدايتك إلى الصراط المستقيم، ولنصرك نصرا عزيزا.
ولما امتن الله عليه بهذه النعم، صدرها بما هو أعظم، وهو المغفرة الشاملة ليجمع له بين عزى الدنيا والآخرة. فليست المغفرة مسببة عن الفتح.
ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - مع هذه المغفرة من الله - تعالى - له، أعبد الناس لربه، وأشدهم خوفا منه، وأكثرهم صلة به.
قال ابن كثير: قال الإِمام أحمد:
"حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى حتى تَرِمَ قدماه أى: تتورم - فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكورا" ..
وعن عروة بن الزبير "عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه - أى: تتشقق - فقالت له عائشة: يا رسول الله، أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
فقال: يا عائشة، أفلا أكون عبدا شكورا.."
.
وقوله - تعالى -: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} معطوف على ما قبله. أى: ويتم - سبحانه - نعمه عليك - أيها الرسول الكريم - بأن يظهر دعوتك، ويكتب بها النصر، والخلود، ويعطيك من الخصائص والمناقب ما لم يعطه لأحد من الأنبياء، فضلا عن غيرهم.
{وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أى: ويهديك ويرشدك - سبحانه - بفضله وكرمه، إلى الطريق القويم، والدين الحق، والأقوال الطيبة، والأعمال الصالحة..
{وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ} - تعالى - {نَصْراً عَزِيزاً} أى: نصرا قويا منيعا لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع، لأنه من خالفك الذى لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه..
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يرى أن الله - تعالى - قد أكرم نبيه - صلى الله عليه وسلم - إكراما لا يدانيه إكرام، ومنحه من الخير والفضل ما لم يمنحه لأحد سواه.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين فقال: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ..}..
والسكينة: من السكون، والمراد بها الثبات والطمأنينة التى أودعها - سبحانه - فى قلوب المؤمنين، فترتب على ذلك أن أطاعوا الله ورسوله. بعد أن ظنوا أن فى شروط صلح الحديبية ظلما لهم. وأن بايعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - على الموت بعد أن بلغهم أن عثمان - رضى الله عنه - قد قتله المشركون، وفى التعبير عن ذلك بالإِنزال، إشعار بعلو شأنها، حتى لكأنها كانت مودعة فى خزائن رحمة الله - تعالى -، ثم أنزلها بفضله فى قلوبهم بعد ذلك..
أى: هو - سبحانه - بفضله ورحمته، الذى أنزل السكينة والطمأنينة والثبات فى قلوب المؤمنين، فانشرحت صدورهم لهذا الصلح بعد أن ضاقت فى أول الأمر.
وقوله: {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} تعليل لهذا الانزال للسكينة.
أى: أوجد السكينة وخلقها فى قلوبهم، ليزدادوا يقينا على يقينهم، وتصديقا لى تصديقهم وثباتا على ثباتهم.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } وقوله - سبحانه -: { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } }. وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها، أن الإِيمان يزيد وينقص.
قال الآلوسى ما ملخصه: قال البخارى: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف فى أن الإِيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.
واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل. أما العقل، فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإِيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين فى الفسوق والمعاصى، مساويا لإِيمان الأنبياء، واللازم باطل، فكذا الملزوم..
وأما الثانى: فلكثرة النصوص فى هذا المعنى، ومنها الآية التى معنا وأمثالها، ومنها وما روى
"عن ابن عمر قال: قلنا: يا رسول الله، إن الايمان يزيد وينقص، قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخله النار" .
وقال الإِمام النووى وغيره: إن الايمان بمعنى التصديق القلبى، يزيد وينقص - أيضا بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم..
ثم بين - سبحانه - شمول ملكه وقدرته فقال: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}. أى: ولله - تعالى - وحده جنود السماوات والأرض من ملائكة وجن وإنس، إذ الكل تحت قهره وسلطانه، فهو - سبحانه - الذى يدبر أمرهم كيف شاء، ويدفع بعضهم ببعض كما تقتضى حكمته وإرادته، وهو - تعالى - العليم بكل شئ. الحكيم فى جميع أفعاله..
واللام فى قوله - سبحانه -: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ..} متعلقة بمحذوف أو بقوله: {فَتَحْنَا}..
أى: فعل - سبحانه - ما فعل من جعل جنود السماوات والأرض تحت سيطرته وملكه، ومن دفع الناس بعضهم ببعض، ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار. {خَالِدِينَ فِيهَا} خلودا أبديا {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} التى فعلوها فى دنياهم، بأن يغفرها لهم، ويزيلها عنهم، بل ويحولها لمن شاء منهم بفضله وكرمه إلى حسنات.
{وَكَانَ ذَلِكَ} الإِدخال للمؤمنين الجنة، وتكفير سيئاتهم..
{عِندَ ٱللَّهِ} - تعالى - {فَوْزاً عَظِيماً} لا يقادر قدره، لأنه نهاية آمال المؤمنين، وأقصى ما يتمناه العقلا المخلصون.
{وَيُعَذِّبَ} - سبحانه - بعدله {ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ...}.
أى: الظانين بالله - تعالى - وبرسوله وبالمؤمنين الظن السيئ بأن توهموا أن الدائرة ستدور على المؤمنين وأنهم هم الذين سينتصرون. أو أنهم هم على الحق. وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه على الباطل.
فقوله: {ٱلسَّوْءِ} صفة لموصوف محذوف. أى: الظانين بالله ظن الأمر السوء.
وقوله - تعالى - {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} دعاء عليهم بأن ينزل بهم ما توقعوه للمؤمنين من سوء. أى: عليهم وحدهم ينزل ما يتمنونه للمؤمنين من شر وسوء.
والدائرة فى الأصل: تطلق على الخط بالشىء، ثم استعملت فى النازلة المحيطة بمن نزلت به، وتستعمل أكثر ما تستعمل فى المصائب والمكاره.
قال صاحب الكشاف: قوله: {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} أى: ما يظنونه ويتوقعونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر علهيم. والسوء: الهلاك والدمار.
فإن قلت: هل من فرق بين السَّوْء والسُّوء؟ قلت: هما كالكَره والكُره، والضَّعف والضُّعف: من ساء، إلا أن المفتوح غالب فى أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شئ، وأما السوء بالضم، فجار مجرى الشر الذى هو نقيض الخير.
ثم قال - تعالى -: {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً}.
أى: ليس عليهم دائرة السوء فقط، بل وفضلا عن ذلك فقد غضب الله - تعالى - عليهم، وطردهم من رحمته، وأعد لهم فى الآخرة نار جهنم، وساءت هذه النار مصيرا لهم.
ثم أكد - سبحانه - ملكيته لكل شئ فقال: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}، أى: ولله - تعالى - وحده جنود السماوات والأرض، وكان - سبحانه - وما زال غالبا على كل شئ، حكيما فى كل أوامره ونواهيه. وفى كل تصرفاته وأفعاله.
ولما كان المقصود من ذكر الجنود هنا: تهديد المنافقين والمشركين، وأنهم فى قبضته - تعالى -، ناسب أن تذيل الآية هنا بقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} لأن العزة تقتضى الغلبة للغير.
ولما كان المقصود من ذكر الجنود فى الآية الرابعة، بيان أن المدبر لهذا الكون هو الله - تعالى - ناسب أن تذيل الآية هناك بقوله - سبحانه -: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}.
ثم حدد الله - تعالى - الوظيفة التى كلف بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبشر المؤمنين الذين وفوا بعهودهم بالأجر العظيم فقال: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً... فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}.