التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
١١١
إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ
١١٢
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ
١١٣
قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ
١١٤
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ
١١٥
-المائدة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} هذا أيضاً من الامتنان على عيسى، بأن جعل الله له أصحاباً وأنصاراً - وهم الحواريون - والمراد بهذا الوحى الإِلهام كما فى قوله: { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } وكما فى قوله { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } وقال بعض السلف فى هذه الآية {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} أى: ألهموا ذلك فامتثلوا ما الهموا.
فأنت ترى أن الإِمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحى هنا الإِلهام. وعلى ذلك كثير من المفسرين، ومنهم من يرى أن المراد بقوله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} أى: مرتهم فى الإِنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلى.
قال الآلوسى معززاً هذا الرأى: وقد جاء استعمال الوحى بمعنى الأمر فى كلام العرب، كما قال الزجاج وأنشد:

الحمد لله الذى استقلتبإذنه السماء وأطمأنت
أوحى لها القرار فاستقرت

أى: أمرها أن تقر فامتثلت.
والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى الذين لازموه وآمنوا به وصدقوه. وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق.
يقال: فلان حوارى فلان. أى: خاصته من أصحابه. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الزبير بن العوام:
"لكل نبى حوارى وحوارى الزبير" .
وأصل مادة "حور" الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض، ولذلك قالوا فى خالص لباب الدقيق: الحوارى وقالوا فى النساء البيض: الحواريات والحوريات.
وقد سمى الله - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين، لأنهم أخلصوا لله نياتهم، وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض.
قال الراغب: والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل كانوا صيادين وقال بعض العلماء إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم.
والمعنى: اذكر نعمتى عليك - يا عيسى - حين {أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} بطريق الإِلهام أو بطريق الأمر على لسانك، وقلت لهم: {أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} أى: آمنوا وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة والخضوع وآمنوا برسولى عيسى بأنه مرسل من جهتى لهدايتكم وسعادتكم.
وفى ذكر كلمة {برسولي} إشارة إلى مقامه من الله - عز وجل - وانفصال شخصه عن ذات الله - سبحانه - وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من زعموا أنه غير ذلك جاهلون وضالون.
وقوله: {قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} حكاية لما نطق به الحواريون من إيمان وطاعة.
أى: أن الحورايين عندما دعوا إلى الدين الحق {قَالُوۤاْ آمَنَّا} بأن الله هو الواحد الأحد المستحق للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد. ثم أكدوا إيمانهم هذا، بأن قالوا {وَٱشْهَدْ} علينا يا آلهنا واشهد لنا يا عيسى يوم القيامة {بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} أى: منقادون لكل ما جئتنا به وما تدعونا إليه.
وقدموا ذكر الإِيمان لأنه صفة القلب، وأخروا ذكر الإِسلام لأنه عبارة عن الانقياد الظاهر فكأنهم قالوا: لقد استقر الإيمان فى قلوبنا استقراراً مكينا، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا الله به على لسانك يا عيسى.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل: إنه - تعالى - قال فى أول الآية
{ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ } ثم إن جميع ما ذكره - تعالى - من النعم مختص بعيسى، وليس لأمه تعلق بشىء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } فجعلهما معاً آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر.
وإنما ذكر - سبحانه قوله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ} فى معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإِنسان مقبول القول عند الناس محبوباً فى قلوبهم، من أعظم نعم الله على الإِنسان.
وقد عدد عليه من النعم سبعاً:
{ إِذْ أَيَّدتُّكَ } ) ( { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ } ) ( { وَإِذْ تَخْلُقُ } ) ( { وَإِذْ َتُبْرِىءُ } ) ( { وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } ) ( { وَإِذْ كَفَفْتُ } ) ( { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}.
"المائدة" الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد، إذا تحرك. فكأن المائدة تتحرك بما عليها. وقال أبو عبيدة: سميت "مائدة" لأنها ميد بها صاحبها. أى: أعطيها وتفضل عليه بها. والخوان: ما يؤكل عليه الطعام.
ويرى الأخفش وغيره أن المائدة هى الطعام نفسه، مأخوذة من "ماده" إذا أفضل.
و "إذ" فى قوله {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} متعلق بمحذوف تقديره: اذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم.
وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا ألوهيته أو ولديته وقوله: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} فيه قراءتان سبعيتان:
الأولى: {يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} بالياء - على أنه فعل فاعل. وقوله {أَن يُنَزِّلَ} المفعول. والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز، لأن الحواريين كانوا مؤمنين، ولا يعقل من مؤمن أن يشك فى قدرة الله.
ومن تخرجاتهم فى معنى هذه القراءة أن قوله {يستطيع} بمعى" يطيع" والسين زائدة. كاستجاب وأجاب.
أى: أن معنى الجملة الكريمة: هل يطيعك - ربك يا عيسى إن سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء.
وسنفصل القول فى تخريج هذه القراءة، وفى اختلاف المفسرين فى إيمان الحواريين بعد انتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة.
أما القراءة الثانية: فهى "هل تستطيع ربك" بالتاء وبفتح الباء فى "ربك" والمعنى: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. فقوله "ربك" منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه القراءة لا إشكال فيها، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى. أى: أتستطيع يا عيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟
قال القرطبى: قراءة الكسائى وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد "هل تستطيع" بالتاء "ربك" بالنصب وقرأ الباقون بالياء "هل تستطيع"ربك" بالرفع.
والمعنى على قراءة الكسائى - بالتاء: هل تستطيع أن تسأل ربك..
قالت عائشة: كان القوم أعلم بالله - تعالى - من أن يقولوا "هل يستطيع ربك" وقال معاذ: أقرأنا النبى صلى الله عليه وسلم: هل تستطيع ربك قال معاذ: وسمعت النبى صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء".
وقوله - سبحانه - {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} حكاية لما رد به عيسى على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة:
أى قال لهم عيسى: اتقوا الله وقفوا عند حدوده، واملأوا قلوبكم هيبة وخشية منه، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان، فإن المؤمن الصادق فى إيمانه يبتعد، عن أمثال هذه المطالب التى قد تؤدى إلى فتنته.
ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون على عيسى فقال: {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ}.
أى: قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء لأسباب:
أولها: إننا نرغب فى الأكل منها لننال البركة، ولأننا فى حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك.
وثانيها: أننا نرغب فى نزولها لكى تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالى، مما يؤدى إلى رسوخ الإِيمان، وقوة اليقين.
وثالثها: أننا نرغب فى نزولها لكى نعلم أن قد صدقتنا فى دعوة النبوة، وفى جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية، وفى ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك فى نبوتك.
ورابع هذه الأسباب: أننا نرغب فى نزولها لكى نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل، ليزداد الذين آمنوا منهم إيماناً، ويؤمن الذى عنده استعداد للإِيمان.
وبذلك نرى أن الحواريين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون فى قدرة الله، أو فى نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب التعنت. وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التى يبغون من ورائها الأكل وزيادة الإِيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها بكمال قدرة الله وصدق عيسى فى نبوته.
ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به عيسى بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه فى سبب طلبهم لنزول المائدة من السماء فقال - تعالى - {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}.
وقوله: {اللهم} أى: يا الله. فالميم المشددة عوض عن حرف النداء، ولذلك لا يجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذى الجلال والإِكرام.
وقوله: {عيدا} أى سرورا وفرحا لنا، لأن كلمة العيد تستعمل بمعنى الفرح والسرور.
قال القرطبى: والعيد واحد الأعياد. أصله من عاد يعود أى: رجع وقيل ليوم الفطر والأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل: "العيد كل يوم يجمع الناس فيه كأنهم عادوا إليه، وقال ابن الانبارى: سمى عيدا للعود إلى المرح والفرح فهو يوم سرور".
والمعنى: قال عيسى بضراعة وخشوع - بعد أن سمع من الحواريين حجتهم - {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ} أى: يا الله يا ربنا ومالك أمرنا، ومجيب سؤالنا. أتوسل إليك أن تنزل علينا {مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أى: أطعمة كائنة من السماء، هذه الأطعمة {تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} أى: يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها، ويكون - أيضاً - يوم نزولها عيداً وسروراً وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدنا.
قال ابن كثير. قال السدى: أى نتخذ ذلك اليوم الذى نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان الثورى: يعنى يوما نصلى فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسى: تكون عظة لنا ولمن بعدنا.
وقوله: {وَآيَةً مِّنْكَ} معطوف على قوله {عيداً}.
أى: تكون هذه المائدة النازلة من السماء عيداً لأولنا وآخرنا، وتكون أيضاً - دليلا - وعلامة منك - سبحانك - على صحة نبوتى ورسالتى، فيصدقونى فيما أبلغه عنك، ويزداد يقينهم بكمال قدرتك.
وقوله: {وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} تذييل بمثابة التعليل لما قبله. أى: أنزلها علينا يا ربنا وأزرقنا من عندك رزقا هنيئا رغداً، فإنك أنت خير الرازقين، وخير المعطين، وكل عطاء من سواك لا يغنى ولا يشبع.
وقد جمع عيسى فى دعائه بين لفظى "اللهم ربنا" إظهارا لنهاية التضرع وشدة الخضوع، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول والإِجابة.
وعبر عن مجىء المائدة بالإنزال من السماء للإِشارة إلى أنها هبة رفيعة، ونعمة شريفة، آتية من مكان عال مرتفع فى الحسن والمعنى، فيجب أن تقابل بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإِخلاص له.
وقوله {تَكُونُ لَنَا عِيداً} صفة ثانية لمائدة، وقوله {لنا} خبر كان وقوله {عيداً} حال من الضمير فى الظرف.
قال الفخر الرازى: تأمل فى هذا الترتيب، فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا فى طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} وأخروا الأغراض الدينية الروحانية.
فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال: {وَٱرْزُقْنَا} وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح فى كون بعضها روحية، وبعضها جسمانية.
ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكرالرزق انتقل إلى الرازق بقوله {وَٱرْزُقْنَا} لم يقف عليه: بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} فقوله: {ربنا} ابتداء منه بذكر الحق. وقوله {أَنزِلْ عَلَيْنَا} انتقال من الذات إلى الصفات.
وقوله {تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة من المنعم.
وقوله: {وَآيَةً مِّنْكَ} إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال.
وقوله: {وَٱرْزُقْنَا} إشارة إلى حصة النفس.
ثم قال الإِمام الرازى: فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون .
ثم قال: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، ومن غير الله إلى الله، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية إلى الكمالات الإِلهية ونزولها.
ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من أقوال فقال - تعالى - : {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ}.
وقوله: {منزلها} ورد فيه قراءتان متواتران.
إحداهما: منزلها - بتشديد الزاى - من التنزيل وهى تفيد التكثير أو التدريج كما تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع.
وقرأ الباقون {منزلها} بكسر الزاى - من الإِنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة.
والمعنى: قال الله - تعالى - إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة لدعاء رسولى عيسى - عليه السلام - {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} أى فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها {فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} أى: فإن الله - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذاباً لا يعذب مثله أحداً من عالمى زمانه أو من العالمين جميعاً.
وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها: حرف إن فى قوله {فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ} ومنها: المصدر فى قوله {فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً} إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب. ومنها: وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين.
وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه: أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته؛ وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله.
أقول: الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب، وأعظم العقاب.
هذا، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشىء من التفصيل.
المسألة الأولى: آراء العلماء فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.
المسألة الثانية: آراء العلماء فى نزول المائدة وعدم نزولها.
وللاجابة على المسألة الأولى نقول: لعل منشأ الخلاف فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}؟ فإن هذا القول يشعر بشكهم فى قدرة الله على إنزال هذه المائدة.
وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشرى - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف فى قوله: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} متعلقا بقوله قبل ذلك {قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}.
أى: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، فى الوقت الذى قالوا له فيه {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} فكأنهم ادعوا الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين فى دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قالوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} بعد إيمنهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله: (وَإِذْ قَالُواْ) فإذن دعواهم كانت باطلة، وانهم كانوا شاكين، وقوله: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا فى اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أى: إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
1 - أن الظرف فى قوله: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} ليس متعلقا بقوله: {قَالُوۤاْ آمَنَّا} وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود فى تفسيره فقد قال:
قوله: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبئ عنه الإِظهار فى موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر.
وقيل: هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم".
2 - أن قول الحواريين لعيسى {َلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} لا يسحب عنهم الإِيمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها.
(أ) أن قولهم لم يكن من باب الشك فى قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظرى بدليل أنهم قالوا بعد ذلك {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا}.
وشبيه بهذا قول إبراهيم
{ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } قال القرطبى ما ملخصه: "الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التى لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة، لا يدخله شىء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} كما قال إبراهيم { وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } (ب) أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسى هذا المعنى فقال: إن معنى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة فى التقاضى.
والتعبير عن الفعل بالاستطاعة، من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ هى - أى الاستطاعة - من أسباب الإيجاد.
(جـ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازى: قال السدى؛ قوله {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} أى: هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة.
والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التى ذكرناها، ولأن الله - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال:
{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم.
ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين، لما أمر الله أتباع النبى صلى الله عليه وسلم بالتأسى بهم فى إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى -:
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ } وقال - تعالى - { فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } فهاتان الآيتان صريحتان فى مدح الحواريين وفى أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد.
وأما المسألة الثانية: وهى آراء العلماء فى نزول المائدة: فالجمهور على أنها نزلت.
وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: والصواب من القول عندنا فى ذلك أن يقال:
إن الله أنزل المائدة.. لأن الله لا يخلف وعده، ولا يقع فى خبره الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا فى كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} وغير جائز أن يقول الله إنى منزلها عليكم ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه - تعالى - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر.
وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال: وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.
ومن الآثار ما خرجه الترمذى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد: فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير" .
قال الترمذى: وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح.
وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
والذى يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيراً عما كان على المائدة من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها والباقى عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر -رحمه الله - أثرا طويلا فى هذا المعنى ثم قال فى نهايته: هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم فى مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم".
ويعجبنى فى هذا المقام قول ابن جرير: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزاً، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.
ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.
وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً أنه قال فى المائدة: إنها لم تنزل.
وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شىء.
أى: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.
قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. ولس فى كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعى على نقله. وكان يكون موجوداً فى كتابهم متواتراً ولا أقل من الآحاد".
وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال: ولنا أن نقول: إن هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط، فقد يكون له شىء من الوجاهة وإن كان يعنى أنها لا تنزل ولم يسأل، فهو محل نظر كبير، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعى على نقله، لا سيما وعيسى فى بيئة محصورة: جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها فى كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شىء.
وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - تعالى - فى القرآن قد قصه فى غيره من الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شىء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التى لم تنته بحادث كونى حتى يكون عدم ذكرهم إياها فى أنا جيلهم - التى وضعوها - دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين.
ومن الجائز أن تكون مما ورد فى الأناجيل، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على كتبهم التى وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيراً منها، وأنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون".
هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها، كما جاء فى الآية الكريمة.
ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك فى قوله {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل، لأن الوعد بنزولها مقيد بما رتب على من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر الآيات يؤيده، وكذلك الآثار التى وردت فى ذلك.
ثم حكت السورة الكريمة ما سيقوله الله لعيسى يوم القيامة، وما سيرد به عيسى على خالقه - عز وجل - حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه. بما هما بريئان منه فقال - تعالى - :
{وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ...}