التفاسير

< >
عرض

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ
٢٧
لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ
٢٨
إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ
٢٩
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٣٠
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ
٣١
مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
٣٢
-المائدة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال أبو حيان فى البحر "مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هو أن الله لما ذكر تمرد بنى إسرائيل وعصيانهم أمره فى النهوض لقتال الجبارين، أتبع ذلك بذكر قصة ابنى آدم وعصيان قابيل أمر الله، وأنهم اقتفوا فى العصيان أول عاص لله وأنهم انتهوا فى خور الطبيعة. وهلع النفوس والجبن والفزع إلى غاية بحيث قالوا لنبيهم الذي ظهرت على يديه خوارق عظيمة - { فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } وانتهى قابيل إلى طرف نقيض منهم من الجسارة والعتو بأن أقدم على أكبر المعاصى بعد الشرك وهو قتل النفس التى حرم الله قتلها، بحيث كان أول من سن القتل، وكان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة. فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإِقدام عليه. ومن حيث المعصية بهما وأيضاً فتقدم قوله فى أوائل الآيات:
{ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } وتبين أن عدم اتباع بنى إسرائيل للنبى صلى الله عليه وسلم إنما سببه الحسد، وقصة بنى آدم انطوت على الحسد: وأن بسببه وقعت أول جريمة قتل على ظهر الأرض.
وقوله: (واتل) من التلاوة. وأصل التلاوة القراءة المتتابعة الواضحة فى مخارج حروفها. وفى النطق بها. والمراد بابنى آدم: ولداه وهما قابيل وهابيل.
قال القرطبى: واختلف فى ابنى آدم. فقال الحسن البصرى: ليسا من صلبه كانا رجلين من بنى إسرائيل - ضرب الله بهما المثل فى إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة، فتقربا بقربانين، ولم تكن القرابين إلا فى بنى إسرائيل قال ابن عطية: وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بنى إسرائيل يقتدى بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه. هذا قول الجمهور من المفسرين وهما قابيل وهابيل.
والضمير فى قوله: (عليهم) يعود على بنى إسرائيل الذين سبق الحديث عنهم. أو على جميع الذين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم لهدايتهم ويدخل فيه بنو إسرائيل دخولا أولياً، لإعلامهم بما هو فى كتبهم حيث وردت هذه القصة فى التوراة.
وقوله (بالحق) متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر (اتل) أى: اتل عليهم تلاوة ملتبسة بالحق والصدق. والقربان: اسم لما يتقرب به إلى الله - تعالى - من صدقة أو غيرها. ويطلق فى أكثر الأحوال على الذبائح التى يتقرب إلى الله - بذبحها.
قال أبو حيان: وقد طول المفسرون فى سبب تقريب هذا القربان - من قابيل وهابيل - وملخصه: أن حواء كانت تلد فى كل بطن ذكراً وأنثى، وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن الآخر. ولا يحل للذكر نكاح توأمته: فولد مع قابيل أخت جميلة، وولد مع هابيل أخت دون ذلك. فأبى قابيل إلا أن يتزوج توأمته لا توأمه هابيل، وأن يخالف سنة النكاح ونازع قابيل وهابيل فى ذلك، فاتفقا على أن يقدما قربانا - فأيهما قبل قربانه تزوجها، والقربان الذى قرباه هو زرع لقابيل - وكان صاحب زرع - وكبش هابيل - وكان صاحب غنم - فتقبل من أحدهما وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل. وكانت علامة التقبل أن تأكل نار نازلة من السماء القربان المتقبل وتترك غير المتقبل.
والمعنى: واتل - يا محمد - على هؤلاء الحسدة من اليهود، وعلى الناس جميعا قصة قابيل وهابيل، وقت أن قربا قرباناً لله - تعالى - فتقبل الله - عز وجل - قربان أحدهما - وهو هابيل - لصدقه وإخلاصه، ولم يتقبل من الآخر - وهو قابيل - بسوء نيته وعدم تقواه.
ثم حكى - سبحانه - ما دار بين الأخوين من حوار فقال: {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} أى قال قابيل متوعدا أخاه هابيل: لأقتلنك بسبب قبول قربانك، دون قربانى، فأنت ترى أن هذا الأخ الظالم قد توعد أخاه بالقتل - وهو من أكبر الكبائر. دون أن يقيم للأخوة التى بينهما وزنا ودون أن يهتم بحرمة الدماء وبحق غيره فى الحياة والذى حمله على ذلك الحسد له على مزية القبول.
وقد أكد تصميمه على قتله لأخيه بالقسم المطوى فى الكلام والذى، تدل عليه اللام. ونون التوكيد الثقيلة أى والله لأقتلنك بسبب قبول قربانك.
وهنا يحكى القرآن الكريم ما رد به الأخ البار التقى هابيل على أخيه الظالم الحاسد قابيل، فيقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِين}.
أى: قال هابيل لقابيل ناصحا ومرشداً: إنما يتقبل الله الأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين يخشونه فى السر والعلن؛ وليس من سواهم من الظالمين الحاسدين لغيرهم على ما آتاهم الله من نعم، فعليك أن تكون من المتقين لكى يقبل منك الله.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف كان قوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِين} جوابا لقوله: {لأَقْتُلَنَّكَ}؟ قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذى حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلى، فلم تقتلنى؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التى هى السبب فى القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله - تعالى - لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق".
ثم انتقل الأخ التقى من وعظ أخيه بتطهير قلبه، إلى تذكيره بحقوق الأخوة وما تقتضيه من بر وتسامح فقال - كما حكى القرآن عنه - {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} وبسط اليد: مدها والمراد هنا: مدها بالاعتداء.
والمعنى: لئن مددت إلى - يا أخى - يدك لتقتلنى ظلما وحسداً {مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} فإن القتل - وخصوصا بين الأخوة جريمة منكرة، تأباها شرائع الله - تعالى - وتنفر منها العقول السليمة.
وإذا كان الأخ الظالم قابيل قد أكد تصميمه على قتل أخيه هابيل بجملة قسمية وهى {لأَقْتُلَكَ} فإن هابيل قد أكد عدم قتله له بجملة قسمية - أيضاً وهى {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ}.
فأنت ترى أن الجملة الكريمة تصور أكمل تصوير ما بين الأخيار والأشرار من تضاد.
قال الآلوسى: قيل كان هابيل أقوى من قابيل ولكنه تحرج عن قتله واستسلم له خوفاً من الله - تعالى - لأن المدافعة لم تكن جائزة فى ذلك الوقت، وفى تلك الشريعة. أو تحرياً لما هو الأفضل والأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا، لا قاتلا".
وقوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} جملة تعليلية مسوقة لبيان سبب امتناع هابيل عن بسط يده إلى أخيه قابيل.
أى: إنى أخاف الله رب العالمين أن يرانى باسطاً يدى إليك بالقتل. وقد أكد خوفه من الله - تعالى - بأن المؤكدة للقول، وبذكره له - سبحانه - بلفظ الجلالة، المشعر بأنه هو وحده صاحب السلطان، وبوصفه له عز وجل بأنه رب العالمين، أى: منشئ الكون ومن وما فيه، وصاحب النعم التى لا تحصى على خلقه.
وفى هذه الجملة الكريمة إرشاد لقابيل لخشية الله على أتم وجه، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله.
ثم انتقل هابيل من وعظ أخيه بتطهير قلبه وبتذكيره بما تقتضيه الأخوة من بر وتسامح إلى تخويفه من عقاب الآخرة فقال: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ}:
وقوله: {أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أى ترجع. وتقر: من البوء وهو الرجوع واللزوم، يقال: باء إليه: أى: رجع، وبؤت به إليه أى رجعت.
والآية الكريمة تعليل آخر لامتناعه عن بسط يده إلى أخيه، ولم تعطف على ما قبلها للإِيذان باستقلالها فى العلية، ولدفع توهم أن تكون جزء علة لا علة تامة.
والمعنى: {إِنِّيۤ أُرِيدُ} بامتناعى عن التعرض لك ببسط يدى {أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}.
أى: ترجع إلى بإثم قتلك إياى، وبإثمك الذى قد كان منك قبل قتلى، والذى بسببه لم يتقبل قربانك {فَتَكُونَ} بسبب الإِثمين {مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} فى الآخرة {وَذَلِكَ} أى: كينونتك من أصحاب النار {جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم.
قال الإِمام الرازى: فإن قيل: كما لا يجوز للإِنسان أن يريد نفسه أن يعصى الله، فكذلك لا يجوز له أن يريد من غيره أن يعصى الله، فلم قال: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}؟.
فالجواب: أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله، وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به، وكأنه لما وعظه ونصحه قال له: وإن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلابد وأن تترصد قتلى فى وقت أكون غافلا عنك وعاجزا عن دفعك فحينئذ لا يمكننى أن أدفعك عن قتلى إلا إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان. وهذا منى كبيرة ومعصية وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا، وبين أن يكون أنت، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لى.
ومن المعلوم أن إرادة صدور الذنب من الغير فى هذه الحالة، وعلى هذا الشرط لا يكون حراما. ويجوز أن يكون المراد: إنى أريد أن تبوء بعقوبة قتلى. ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من الله عقاب ظالمه".
وقال صاحب الانتصاف: فأما إرادته - أى إرادة هابيل - لإِثم أخيه وعقوبته - فى قوله - تعالى {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} - فمعناه: إنى لا أريد أن أقتلك فأعاقب. ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين إما إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم وكان غير مريد للأول. اضطر إلى الثانى.
فهو لم يرد إذا إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن الإِثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل - ولم تكن حينئذ مشروعة - فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا كما يتمنى الإِنسان الشهادة، ومعناه أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه فى ذلك من الإِثم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه، وإنما أراد أن يبذل نفسه فى سبيل الله.
وإلى هنا نرى. أن هابيل قد استعمل فى صرف أخيه عن جريمة القتل وسائل متنوعة فهو أولا أرشده إلى أن الله - تعالى - إنما يتقبل الأعمال من المتقين، فإذا أراد أن يتقبل قربانه فعليه أن يكون منهم.
وأرشده ثانيا إلى حقوق الأخوة وما تقتضيه من محبة ومودة وتسامح.
وأرشده ثالثا إلى أنه لا يمنعه من بسط يده إليه إلا الخوف من الله رب العالمين.
وأرشده رابعاً إلى أن ارتكابه لجريمة القتل سيؤدى به إلى عذاب النار يوم القيامة، بسبب قتله لأخيه ظلماً وحسداً.
فماذا كان وَقْعُ هذا النصح الحكيم، والإِرشاد القويم فى نفس ذلك الإِنسان الحاسد الظالم؟
لقد بين الله ذلك بقوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}.
قال القرطبى: قوله {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}: أى: سولت وسهلت نفسه له الأمر. وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل. يقال: طاع الشىء يطوع أى: سهل وانقاد. "وطوعه فلان له أى سهله".
والمعنى: أن قابيل سهلت له نفسه وزينت له - بعد هذه المواعظ - {قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} فى دنياه وفى أخراه.
أصبح من الخاسرين فى دنياه لأنه قتل أخاه، والأخ سند لأخيه وعون له، لما بينهما من رحم قوية ورابطة متينة.
وأصبح من الخاسرين فى آخرته، لأنه ارتكب جريمة من أكبر الجرائم وأشنعها وقد توعد الله مرتكبها بالغضب واللعنة والعذاب العظيم.
والتعبير بقوله - تعالى (فطوعت) تعبير دقيق بليغ، فإن هذه الصيغة - صيغة التفعيل - تشير إلى أنه كانت هناك بواعث متعددة تتجاذب نفسه، كانت هناك بواعث الشر التى تدعوه إلى الإقدام على قتله، ودوافع الخير التى تمنعه من الاقدام على قتل أخيه، وأخيرا تغلبت دوافع الشر على دوافع الخير فقتل أخاه.
وقد صور الإِمام الرازى هذا المعنى تصويرا حسنا فقال:
قال المفسرون: فطوعت، أى: سهلت له نفسه قتل أخيه، وتحقيق الكلام ان الإِنسان إذا تصور القتل العمد العدوان وكونه من اعظم الكبائر فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله فيكون هذا الفعل كالشىء العاصى المتمرد عليه الذى لا يطيعه بوجه ألبتة. فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها، صار هذا الفعل سهلا عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له، بعد أن كان كالعاصى المتمرد عليه، فهذا هو المراد بقوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ}.
هذا، والآية الكريمة بعد كل ذلك، تشير إلى شناعة الجريمة فى ذاتها من حيث الباعث عليها، إذا الباعث عليها هو الحسد ومن حيث الصلة بين القاتل والمقتول إذ هى صلة أخوة تقتضى المحبة والمودة والتراحم ومن حيث ذات الفعل فإنه أكبر جريمة بعد الإشراك بالله - تعالى -.
قال الآلوسى: أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
"لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها. لأنه أول من سن القتل" وأخرج ابن جرير والبيهقى فى شعب الإِيمان عن ابن عمر - رضى الله عنه - قال: "إنا لنجد ابن آدم القاتل، يقاسم أهل النار العذاب. عليه شطر عذابهم".
ثم حكى القرآن بعض ما حدث بعد قتل الأخ أخاه فقال: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}.
وقوله: {فَبَعَثَ} من البعث بمعنى الإِرسال. وهو هنا مستعمل فى الإِلهام بالطير إلى ذلك المكان بحيث يراه قابيل.
والغراب: طائر معروف. قالوا: والحكمة فى كونه المبعوث دون غيره من الطيور أو الحيوان، لأنه يتشاءم به فى الفراق والاغتراب. أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء.
وقوله: {يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ} أى: ينبش التراب بمنقاره ورجليه بحيث يستخرجه من الأرض، ليعمل ما يشبه الحفرة.
والتعبير بالمضارع، للإِشارة إلى أن البحث قد مكث وقتا، وكان مجال استمرار.
وقوله: (ليريه) إما متعلق بقوله (بعث) فيكون الضمير فى الفعل لله - تعالى - أو متعلق بقوله: (يبحث) فيكون الضمير للغراب.
قال القرطبى: قال مجاهد: بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ثم حفر فدفنه - فتعلم قابيل ذلك من الغراب - وكان ابن آدم هذا أول من قتل. وقيل إن الغراب بحث الأرض على طعمه - أى: أكله - ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه، لأن عادة الغراب فعل ذلك، فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه".
"والسوءة" ما تسوء رؤيته من الجسد، والمراد بها هنا: جميع جسد الميت وقيل: المراد بها العورة، لأنها تسوء ناظرها. وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، لأن سترها آكد.
وهذه الآية الكريمة مرتبطة بكلام يسبقها لم يذكره القرآن الكريم لفهمه من السياق.
والتقدير: أن القاتل بعد أن ارتكب جريمته. ورأى جثة أخيه أمامه ملقاة فى العراء. تحير ماذا يفعل فيها حتى لا يتركها عرضة لنهش السباع والطيور. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ} أى: يحفر وينبش بمنقاره ورجليه متعمقا {فِي ٱلأَرْض} {لِيُرِيَهُ} أى: ليعلم ذلك القاتل ويعرفه {كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} أى: كيف يستر فى التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة، وأصبح عرضة للتغير والتعفن.
وقوله - تعالى - {قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} بيان لما اعترى هذا القاتل من تحسر وندم.
وكلمة {قَالَ يَاوَيْلَتَا} أصلها: يا ويلتى. وهى كلمة جزع وتحسر. تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة كأن المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها، بعد تنزيلها منزلة من ينادى. ولا يكون ذلك إلى فى أشد الأحوال ألما، والويلة كالويل: ومعناهما الفضيحة والبلية والهلاك.
أى: قال القاتل لأخيه ظلما وحسدا بجزع وحسرة - بعد أن رأى غرابا يحفر حفرة ليدفن فيها شيئا - قال {يَاوَيْلَتَا} أى: يا فضيحتى وبليتى أقبلى فهذا وقتك، لأنى قد نزلت بى أسبابك.
وقوله: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} أى: أضعفت عن الحيلة التى تجعلنى مثل هذا الغراب فأستر جسد أخى فى التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه فى الأرض ما أراد دفنه؟! والاستفهام فى (أعجزت) للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب، مع أنه إنسان فيه عقل، والغراب طائر من أخس الطيور.
وقوله: (فأوارى) معطوف على قوله: (أن أكون).
وقوله: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}، تذييل قصد به بيان ما أصاب قابيل بعد أن قتل أخاه عدوانا وحسدا، ولم يعرف كيف يستر جثته إلا من الغراب.
والندم: أسف الفاعل على فعل صدر منه.
قال الراغب: الندم والندامة التحسر من تغير رأى فى أمر فائت. قال - تعالى - :{فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}. وأصله من منادمة الحزن له وملازمته إياه".
والمعنى: فأصبح قابيل الذى قتل أخاه هابيل بغيا وحسدا من النادمين على ما اقترف من فواحش تدل على جهله، وبغيه، وتمكن الحقد من نفسه.
قال صاحب المنار: والندم الذى ندمه - قابيل - هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ فى فعل فعله إذا ظهر له أن فعله كان شرا له لا خيرا. وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله، والتألم من تعدى حدوده، وهذا هو المراد بحديث "الندم توبة" - رواه أحمد والبخارى فى تاريخه والحاكم البيهقى.
وأما الندم الطبيعى الذى أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة. وفى حديث ابن مسعود فى الصحيحين مرفوعا:
"لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل - أى نصيب - من دمها؛ لأنه أول من سن القتل" .
ثم بين - سبحانه - بعد أن ساق ما جرى بين ابنى آدم - ما شرعه من شرائع تردع المعتدى، وتبشر التقى فقال - تعالى - {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.
وأصل معنى الأجل: الجناية التى يخشى منها آجلا. يقال: أجل الرجل على أهله شراً يأجله - بضم الجيم وكسرها - أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه، ثم استعمل فى تعليل الجنايات كما فى قولهم: من أجلك فعلت كذا. أى بسببك، ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل تعليل.
والجار والمجرور (من أجل) متعلق بالفعل (كتبنا) واسم الإِشارة (ذلك) يعود إلى ما ذكر فى تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام.
والمعنى: بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل حسداً وظلما، ومن أجل ما يترتب على القتل بغير حق من مفاسد {كَتَبْنَا} أى فرضنا وأوجبنا {عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} فى التوراة ما يردع المعتدى وما يبشر المتقى.
قال الجمل: قال بعضهم: إن قوله: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} من تمام الكلام الذى قبله - أى أنه متعلق بقوله: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} - والمعنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك. يعنى من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله: من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول، ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعانى على أن قوله {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} ابتداء كلام متعلق بقوله {كَتَبْنَا} فلا يوقف عليه.
و (من) هنا للسببية. أى: بسبب هذه الجنايه شرعنا ما شرعنا من أحكام لدفع الشر وإشاعة الخير.
وعبر - سبحانه - عن السببيه. بمن لبيان الابتداء فى الحكم. وأنه اقترن بوقوع تلك الجرية النكراء التى ستكون آثارها سيئة إذا لم تشرع الأحكام لمنعها.
وقدم الجار والمجرور على ما تعلق به وهو (كتبنا) لإفادة الحصر أى: من ذلك ابتدئ الكتب ومنه نشأ لا من شىء آخر.
وعبر - سبحانه - بقوله (كتبنا) للإِشارة إلى أن الأحكام التى كتبها، قد سجلت بحيث لا تقبل المحو أو التبديل، بل من الواجب على الناس أن يلتزموا بها، ولا يفرطوا فى شىء منها.
وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم فى قتل الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء، وقتلا للمصلحين، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين، ولأن الأسباب التى أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد، وهو رذيلة معروفة فيهم، فقد حملهم حسدهم للنبى صلى الله عليه وسلم على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم، كما حملهم على محاولة قتله ولكن الله - تعالى نجاه من شرورهم.
وما أشبههم فى قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذى قتل أخاه هابيل؛ لأنه أرشده إلى ما يصلحه.
وقوله - تعالى -: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} بيان لما كتبه - سبحانه - من أحكام تسعد الناس متى اتبعوها.
والمعنى: بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا، كتبنا فى التوراة على بنى إسرائيل (أنه) أى: الحال والشأن {مَن قَتَلَ نَفْساً} واحدة من النفوس الإِنسانية {بِغَيْرِ نَفْسٍ}.
أى: بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص منه {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} أى: أو بغير فساد فى الأرض يوجب إهدار الدم - كالردة وزنا المحصن - {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} لأن الذى يقتل نفسا بغير حق، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإِسلام بشرائعه وأحكامه، ومن استباح هذا الدم فى نفس واحدة، فكأنه قد استباحه فى نفوس الناس جميعا، إذا النفس الواحدة تمثل النوع الإِنسانى كله. {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} أى: ومن تسبب فى إحيائها وصيانتها من العدوان عليها، كأن استنقذها مما يؤدى بها إلى الهلاك والأذى الشديد، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق، من فعل ذلك فكأنما تسبب فى إحياء الناس جميعا.
وفى هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب فى صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان عليها، حيث شبه - سبحانه 0 قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا، وإحياءها بإحياء الناس جميعا.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع، وجعل حكمه كحكمهم؟
قلت: لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله، وثبوت الحرمة. فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته، وعلى العكس. فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع فى ذلك.
فإن قلت: فما الفائدة فى ذكر ذلك؟ قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها فى القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا فى المحاماة على حرمتها، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا، عظم ذلك عليه فثبطه - عن القتل - وكذلك الذى أراد إحياءها".
وقال الإِمام ابن كثير: قال الحسن وقتادة فى قوله - تعالى - {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً} .. إلخ. هذا تعظيم لتعاطى القتل. قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها. وقيل للحسن: هذه الآية لنا كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال : إى والذى لا إله غيره - هى لنا - كما كانت لهم. وما جعل - سبحانه - دماءهم أكرم من دمائنا".
وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون المراد بالنفس فى قوله {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً}: العموم أى: نفسا يحرم قتلها من بنى الإِنسان.
وبعضهم يرى أن المراد نفس الإمام العادل، لأن القتل فى هذه الحالة يؤدى إلى اضطراب أحوال الجماعة، وإشاعة الفتنة فيها. قال القرطبى: روى عن ابن عباس أنه قال: المعنى: من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره، فكأنما أحيا الناس جميعا".
ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى، لأنه هو الذى عليه جمهور العلماء، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الإِنسانية، وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام.
وقوله. {بِغَيْرِ نَفْسٍ} متعلق بالفعل قبله وهو (قتل). وقوله (أو فساد) مجرور عطفا على نفس المجرورة بإضافة غير إليها.
و "ما" فى قوله {فَكَأَنَّمَا} كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها.
وقوله - تعالى -: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} لبيان لموقف بنى إسرائيل القبيح مما جاءهم من هدايات على أيدى أنبيائهم ومرشديهم.
أى: ولقد جاءت رسلنا لبنى إسرائيل بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات، {ثم إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ} أى: بعد الذى كتبناه عليهم من شرائع، وبعد مجئ الرسل إليهم بالبينات {فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} أى: لمجاوزون الحد فى ارتكاب المعاصى والآثام، إذ الإسراف مجاوزة حدود الحق والعدل بدون مبالاة أو اهتمام بهما. وأكد - سبحانه - جملة {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا} بالقسم، لكمال العناية بمضمونها، ولبيان أن الرسل - عليهم السلام - ما قصروا فى إرشاد بنى إسرائيل إلى ما يسعدهم ويهديهم، فقد جاء وهم بالشرائع البينة الواضحة التى تحمل فى نفسها دليل صلاحها. والتعبير "بجاءتهم" يشير إلى أن الرسل - عليهم السلام - وصلوا إليهم، وصاروا قريبين منهم، بحيث يرونهم ويخاطبونهم ولا يتركون أمراً يهمهم إلا بينوه لهم.
وجملة {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ} معطوفة على جملة {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ}.
وكان العطف "بثم" المفيدة هنا للتراخى فى الرتبة، للإِشارة إلى الفرق الشاسع بين ما جاءتهم به الرسل من بينات وهدايات، وبين ما كان عليه بنو إسرائيل من جحود وعناد وإفساد فى الأرض.
واسم الإِشارة "ذلك" يعود إلى المذكور من مجىء الرسل إليهم بالبينات ومن كتابة الشرائع عليهم. وفى وصف الكثيرين من بنى إسرائيل بالاسراف احتراس فى الحكم، وإنصاف للقلة التى آمنت منهم، وهذا من عدالة القرآن الكريم فى أحكامه، ودقته فى تعبيراته.
وذكر - سبحانه - أن إسراف الكثيرين منهم {فِي ٱلأَرْضِ} مع أنه لا يكون إلا فيها، للإِيذان بأن فسادهم وإسرافهم فى القتل والمعاصى لم يكن فيما بينهم فحسب، بل انتشر وشره فى الأرض، وسرى إلى غيرهم من سكانها المنتشرين فيها. وبذلك نرى أن هذه الآيات قد حكت لنا ما دار بين ابنى آدم من محاورات أدت إلى قتل أحدهما للآخر ظلما وحسدا، إذ الحسد يأكل القلوب، ويشعلها بالشر كما تشتعل النار فى الحطب، وبسببه ارتكبت أول جريمة قتل على ظهر الأرض، وبسببه كانت أكثر الجرائم فى كل زمان ومكان.. كما حكت لنا أن بنى إسرائيل - مع علمهم بشناعة جريمة القتل - قد أسرفوا في قتل الأنبياء والمصلحين مما يدل على قسوة قلوبهم، وفى ذلك تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه عما كانوا يلاقونه من اليهود المعاصرين لهم من عناد ومكر وأذى.
وبعد أن ذكر سبحانه - تغليظ الإثم فى قتل النفس بغير حق، وتعظيم الأجر لمن عمل على إحيائها، أتبع ذلك ببيان الفساد المبيح للقتل، فقال - تعالى - :
{إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ...}