التفاسير

< >
عرض

يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
٥١
فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ
٥٢
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ
٥٣
-المائدة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات منها:
ما رواه السدى من أنها نزلت فى رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد واقعة أحد: أما أنا فإنى ذاهب إلى ذلك اليهودى فأواليه واتهود معه لعله ينفعنى إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: وأما أنا فإنى ذاهب إلى فلان النصرانى بالشام فأواليه وانتصر معه. فأنزل الله تعالى الآيات.
وقال عكرمة: نزلت فى أبى لبابة بن عبد المنذر، حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى بنى قريظة فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أى: إنه الذبح.
وقيل نزلت فى عبد الله بن أبى بن سلول فقد أخرج ابن جرير عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بنى الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لى موالى من يهود كثير عددهم. وإنى أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبى: إنى رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أُبى: يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه قال: قد قبلت. فأنزل الله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ...} إلى قوله: {نَادِمِينَ}.
والخطاب فى قوله عز وجل: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} للمؤمنين جميعا فى كل زمان ومكان، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الأولياء جمع ولى ويطلق بمعنى النصير والصديق والحبيب.
والمراد بالولاية هنا: مصافاة أعداء الإِسلام والاستنصار بهم، والتحالف معهم دون المسلمين.
أى: يا أيها الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.، لا يتخذ أحد منكم أحدا من اليهود والنصارى وليا ونصيرا، أى: لا تصافوهم مصافاة الأحباب، ولا تستنصروا بهم، فإنهم جميعا يد واحدة عليكم، يبغونكم الغوائل، ويتربصون بكم الدوائر، فكيف يتوهم بينكم وبينهم موالاة؟.
وقد نادى - سبحانه - المؤمنين بصفة الإِيمان، لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه، إذ أن وصفهم بما هو ضد صفات الفريقين - اليهود والنصارى - من أقوى الزواجر عن موالاتهما:
وقوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} جملة مستأنفة بمثابة التعليل للنهى، والتأكيد لوجوب اجتناب المنهى عنه.
أى لا تتخذوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى أولياء، لأن بعض اليهود أولياء لبعض منهم، وبعض النصارى أولياء لبعض منهم، والكل يضمرون لكم البغضاء والشر، وهم وإن اختلفوا فيما بينهم، لكنهم متفقون على كراهية الإِسلام والمسلمين.
وقوله {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} تنفير من موالاة اليهود والنصارى بعد النهى عن ذلك.
والولاية لليهود والنصارى إن كانت على سبيل الرضا بدينهم، والطعن فى دين الإِسلام، كانت كفرا وخروجا عن دين الإِسلام.
وإلى هذا المعنى أشار ابن جرير بقوله: قوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أى: ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه راض. وإذا رضى دينه، فقد عادى من خالفه وسخطه. وصار حكمه حكمه".
وإذا كانت الولاية لهم ليست على سبيل الرضا بدينهم وإنما هى على سبيل المصافاة والمصادقة كانت معصية تختلف درجتها بحسب قوة الموالاة وبحسب اختلاف أحوال المسلمين وتأثرهم بهذه الموالاة.
قال الفخر الرازى: قوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} قال ابن عباس: يريد كأنه مثلهم. وهذا تغليظ من الله وتشديد فى وجوب مجانبة المخالف فى الدين.
روىعن أبى موسى الأشعرى أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إن لى كاتبا نصرانيا فقال: مالك قاتلك الله، ألا اتخذت حنيفيا أما سمعت قول الله تعالى {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} قلت: له دينه ولى كتابته. فقال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله. ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله قلت لا يتم أمر البصرة إلا به. فقال: مات النصرانى والسلام.
يعنى: هب أنه مات فما تصنع بعد، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه بغيره".
وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تعليل لكون من يواليهم منهم وتأكيد للنهى عن موالاتهم.
أى: إن الله لا يهدى القوم الظالمين لأنفسهم إلى الطريق المستقيم، وإنما يخليهم وشأنهم فيقعون فى الكفر والضلال، والفسوق والعصيان، بسبب وضعهم الولاية فى غير موضعها الحق، وسيرهم فى طريق أعداء الله.
وبعد هذا النهى الشديد عن موالاة أعداء الله، صور القرآن حالة من حالات المنافقين بين فيها كيفية توليهم لأعداء الله، وأشعر بسببه فقال: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ}.
والدائرة: من الصفات الغالبة التى لا يذكر معها موصوفها. وأصلها داورة. لأنها من دار يدور. ومعناها لغة: ما أحاط بالشىء. والمراد بها هنا: المصيبة من مصائب الدهر التى تحيط بالناس كما تحيط الدائرة بما فى داخلها.
والمعنى: فترى - يا محمد أولئك المنافقين الذين ضعف إيمانهم، وذهب يقينهم، يسارعون فى مناصرة أعداء الإِسلام مسارعة الداخل فى الشىء، قائلين فى أنفسهم أو للناصحين لهم بالثبات على الحق: اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن تنزل بنا مصيبة من المصائب التى يدور بها الزمان كأن تمسنا أزمة مالية، أو ضائقة اقتصادية، أو أن يكون النصر فى النهاية لهؤلاء الذين نواليهم فنحن نصادقهم ونصافيهم لنتقى شرهم، ولننال عونهم عند الملمات والضوائق.
قال الجمل: والفاء فى قوله {فَتَرَى} إما للسببية المحضة: أى: بسبب أن الله لا يهدى القوم الظالمين المتصفين بما ذكر {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} وإما للعطف على قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} من حيث المعنى.
والرؤية فى قوله {ترى}. بصرية، فتكون جملة يسارعون حال. وقيل علمية فتكون جملة يسارعون مفعولا ثانيا. والأول أنسب بظهور نفاقهم.
وقوله: {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} حال من ضمير يسارعون.
والتعبير بقوله: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} تعبير قوى رائع، وصف القرآن به المنافقين وأشباههم فى الكفر والضلال فى مواطن كثيرة، لأنه لما كانت قوة القلب تضرب مثلا للثبات والتماسك.
كان ضعف القلب الذى عبر عنه بالمرض يضرب مثلا للخور، والتردد والتزلزل، وانهيار النفس.
وهذه طبيعة المنافقين ومن على شاكلتهم فى كل زمان ومكان. إنهم لا يمكن أن يكونوا صرحاء فى انحيازهم إلى ناحية معينة. وإنما هم يترددون بين الناحيتين، ويلتمسون الحظوة فى الجانبين - فهم كما يقال: يصلون خلف على ويأكلون على مائدة معاوية - وأبلغ من كل ذلك وصف الله لهم بقوله:
{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } والتعبير بقوله - سبحانه - ترى.. تصوير للحال الواقعة منهم بأنها كالمرئية المكشوفة التى لا تخفى على العقلاء البصراء.
وفى ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير له ولأصحابه من مكر أولئك الذين فى قلوبهم مرض.
والتعبير بقوله: {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} يشير إلى أنهم لا يدخلون ابتداء فى صفوف الأعداء "وإنما هم منغمرون فيهم دائما" ولا يخرجون عن دائرتهم بل ينتقلون فى صفوفهم بسرعة ونشاط من دركة إلى دركة، ومن إثم إلى آثام.
وقوله - تعالى - حكاية عنهم: {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} بيان لما اعتذروا به من معاذير كاذبة تدل على سقوط همتهم، وقلة ثقتهم بما وعد الله به المؤمنين من حسن العاقبة.
ولذا فقد رد الله عليهم بما يكبتهم، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم فقال تعالى: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}.
وعسى: لفظ يدل على الرجاء والطمع فى الحصول على المأمول، وإذا صدر من الله - تعالى - كان متحقق الوقوع لأنه صادر من أكرم الأكرمين الذى لا يخلف وعده، ولا يخيب من رجاه.
والفتح يطلق بمعنى التوسعة بعد الضيق كما فى قوله:
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } ويطلق بمعنى الفصل بين الحق والباطل. ومن ذلك قوله - تعالى -: { رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ } ويطلق بمعنى الظفر والنصر كما فى قوله - تعالى - { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } ولفظ الفتح هنا يشمل هذه الأمور الثلاثة فهو سعة بعد ضيق، وفصل بين حق وباطل، ونصر بعد جهاد طويل.
والمعنى: لا تهتموا أيها المؤمنون بمسارعة هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض إلى صفوف أعدائكم وارتمائهم فى أحضانهم خشية أن تصيبهم دائرة، فلعل الله - عز وجل - بفضله وصدق وعده أن يأتى بالخير العميم والنصر المؤزر الذى يظهر دينه. ويجعل كلمته هى العليا.. أو يأتى بأمر من عنده لا أثر لكم فيه فيزلزل قلوب أعدائكم، وينصركم عليهم، ويجعل الهزيمة والندم للموالين لأعدائكم، وبسبب شكهم فى أن تكون العاقبة للإِسلام والمسلمين.
ولقد صدق الله وعده، ففضح المنافقين وأذلهم، وأنزل الهزيمة باليهود، وأورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم.
وقد جاء التعبير فى قوله - تعالى -: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} بصيغة الرجاء، لتعليم المؤمنين عدم اليأس من رحمة الله، ومن مجىء نصره، ولتعويدهم على أن يتوجهوا إليه - سبحانه - فى مطالبهم بالرجاء الصادق، والأمل الخالص.
قال الفخر الرازى: فإن قيل: شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين.
وقوله: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} ليس كذلك، لأن الإِتيان بالفتح داخل فى قوله: {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ}.
قلنا: قوله: {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} معناه: أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل ألبتة، كبنى النضير الذين طرح الله فى قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر.
والضمير فى قوله: {فَيُصْبِحُواْ} يعود على أولئك المنافقين الذين فى قلوبهم مرض والجملة معطوفة على {أَن يَأْتِيَ} داخل معه فى حيز خبر عسى.
وعبر - سبحانه - عن ندمهم بالوصف {نَادِمِينَ} لا بالفعل، للإيذان بأنه ندم دائم تصحبه الحسرات والآلام المستمرة، بسبب ما وقعوا فيه من ظن فاسد، وأمل خائب.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله المؤمنون الصادقون على سبيل الإِنكار لمسالك المنافقين الخبيثة وتوبيخهم على ضعف إيمانهم، وهوان نفوسهم فقال - تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ}.
قال الآلوسى: قوله: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} كلام مستأنف لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة: - وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى بإثبات الواو مع الرفع.
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو على أنه استئناف بيانى، كأنه قيل: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟.
وقرأ أبو عمرو ويعقوب: ويقول بالنصب عطفا على {فَيُصْبِحُواْ}.
وقوله: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أى: أقوى أيمانهم وأغلظها. والجهد: الوسع والطاقة والمشقة. يقال جهد نفسه يجهدها فى الأمر إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه. والمراد: أنهم أكدوا الإِيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق.
والمعنى: ويقول الذين آمنوا بعضهم لبعض مستنكرين ما صدر عن المنافقين من خداع وكذب، ومتعجبين من ذبذبتهم والتوائهم: يقولون مشيرين إلى المنافقين: أهؤلاء الذين أقسموا بالله مؤكدين ايمانهم بأقوى المؤكدات وأوثقها، بأن يكونوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنا فى ولايتهم ونصرتهم ومعونتهم...؟
فالاستفهام للإِنكار والتعجيب من أحوال هؤلاء المنافقين الذين مردوا على الخداع والكذب.
وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فى معنى ويقول الذين آمنوا فقال: فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟ قلت: إما أن يقوله بعضهم لبعض تعجبا من حالهم، واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق فى الإِخلاص {أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ} لكم بأغلظ الإِيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار.
وإما أن يقولوه لليهود، لأنهم - أى المنافقون - حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم
{ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ } ) - ثم خذلوهم -،:
وعلى كلا الوجهين فالجملة الكريمة تنعى على المنافقين كذبهم وجبنهم، وتعجب الناس من طباعهم الذميمة، وأخلاقهم المرذولة.
وقوله: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} أى: فسدت أعمالهم وبطلت فصابروا خاسرين فى الدنيا والآخرة.
ويحتمل أن تكون هذه الجملة مما حكاه الله - تعالى - من قول المؤمنين ويحتمل أنها من كلام الله - تعالى - وقد ساقها على سبيل الحكم عليهم بفساد أعمالهم، وسوء مصيرهم.
هذا، وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على ضرورب من توكيد النهى عن موالاة أعداء الله - تعالى - بأساليب متعددة.
منها: النهى الصريح كما فى قوله - تعالى -: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ}.
ومنها: بيان علة النهى كما فى قوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}.
ومنها: التصريح بأن من يواليهم فهو منهم وذلك فى قوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}.
ومنها: تسجيل الظلم على من يواليهم كما فى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}.
ومنها: الإِخبار بأن موالاتهم من طبيعة الذين فى قلوبهم مرض قال - تعالى -: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ}.
ومنها: قطع أطماع الموالين لهم وتبشير المؤمنين بالفوز قال - تعالى -: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ}.
ومنها: الإِخبار عن حال الموالين لهم بقوله: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ}.
وهنا قد يرد سؤال وهو: إن الآيات الكريمة وما يشبهها من الآيات القرآنية تؤكد النهى عن موالاة غير المسلمين ومودتهم فهل هذا النهى على إطلاقه؟
والجواب عن ذلك أن غير المسلمين أقسام ثلاثة: القسم الأول: وهم الذين يعيشون مع المسلمين ويسالمونهم، ولا يعملون لحساب غيرهم؛ ولم يبدر منهم ما يفضى إلى سوء الظن بهم وهؤلاء لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ولا مانع من مودتهم والإِحسان إليهم كما فى قوله - تعالى -
{ لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } والقسم الثانى: وهم الذين يقاتلون المسلمين، ويسيئون إليهم بشتى الطرق وهؤلاء لا تصح مصافاتهم، ولا تجوز موالاتهم، وهم الذين عناهم الله فى الآيات التى معنا وفيما يشبهها من آيات كما فى قوله - تعالى - { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } والقسم الثالث: قوم لا يعلنون العداوة لنا ولكن القرائن تدل على أنهم لا يحبوننا بل يحبون أعداءنا، وهؤلاء يأمرنا ديننا بأن نأخذ حذرنا منهم دون أن نعتدى.
ومهما تكن أحوال غير المسلمين؛ فإنه لا يجوز لولى الأمر المسلم أن يوكل إليهم ما يتعلق بأسرار الدولة الإسلامية. أو أن يتخذهم بطانة له بحيث يطلعون على الأمور التى يؤدى إفشاؤها إلى خسارة الأمة فى السلم أو الحرب.
وبعد أن حذر - سبحانه - المؤمنين من ولاية اليهود والنصارى، عقب ذلك بنداء آخر وجهه إليهم، وبين لهم فيه أن موالاة أعداء الله قد تجر إلى الارتداد عن الدين، وأنهم إن ارتدوا فسوف يأتى الله بقوم آخرين لن يكونوا مثلهم، وإن من الواجب عليهم أن يجعلوا ولا يتهم الله ولرسوله وللمؤمنين فقال - تعالى -:
{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ...}