التفاسير

< >
عرض

قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ
٥٩
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ
٦٠
وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ
٦١
وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٦٢
لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
٦٣
-المائدة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال القرطبى: قال ابن عباس: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل - عليهم السلام - فقال: نؤمن بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله: ونحن له مسلمون". فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شراً من دينكم. فنزلت هذه الآية وما بعدها.
وتنقمون معناه: تسخطون. وقيل تكرهون. وقيل تنكرون. والمعنى متقارب يقال: نقم من كذا ينقم ونقم ينقم والأول أكثر.. وفى التنزيل وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد". وانتقم منه أى: عاقبه: والاسم النقمة والجمع نقم.
والاستفهام، للانكار والتعجب من حالهم حيث يعيبون على المؤمنين ما هو المدح والثناء والتكريم.
والمعنى: قل يا محمد على سبيل التوبيخ لأهل الكتاب، والتعجيب من أحوالهم قل لهم: {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} يا من كتابكم عرفكم مواطن الذم {هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} أى: ما تعيبون وتنكرون وتكرهون منا {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} الذى يجب الإِيمان به، والخضوع له، لأنه الخالق لكل شىء، وآمنا بما أنزل إلينا من القرآن الكريم وآمنا بما أنزل من قبل من كتب سماوية كالتوراة والإِنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب التى أنزلها الله على أنبيائه قبل إنزال القرآن الكريم.
ولا شك أن إيماننا بذلك لا يعاب ولا ينكر، بل يمدح ويشكر، ولكن لأن {أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} - أى: خارجون عن دائرة هذا الإِيمان الحق - كرهتم منا ذلك، وأنكرتموه علينا، وحسدتمونا على توفيق الله إيانا لما يحبه ويرضاه.
وقال الجمل ما ملخصه: وقوله: {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا} مفعول لقوله {تَنقِمُونَ} بمعنى تكرهون.
وهو استثناء مفرغ. وقوله: {منا} متعلق به. أى ما تكرهون من جهتنا إلا الإِيمان بالله وبما أنزل إلينا وأصل نقم أن يتعدى بعلى. تقول: نقمت عليه بكذا. وإنما عدى هنا بمن؛ لتضمنه معنى تكرهون وتنكرون.
وقوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} يحتمل أن يكون فى محل رفع أو نصب أو جر فالرفع على أن يكون مبتدأ والخبر محذوف أى: وفسقكم ثابت عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل إلا أن حب الرياسة وجمع الأموال حملكم على العناد.
والنصب على أن يكون معطوفا على قوله {أن آمنا} ولكن الكلام فيه مضاف محذوف لفهم المعنى. والتقدير: واعتقاد أن أكثرهم فاسقون وهو معنى واضح فإن الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم - أى الكفار - فاسقون - أى: ما تعيبون منا إلا إيماننا بالله وما أنزل إلينا. واعتقادنا أن أكثركم فاسقون.
وأما الجر فعلى أن يكون معطوفاً على علة محذوفة والتقدير: ما تنقمون منا إلا الإِيمان بالله وبما أنزل. لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم شهواتكم".
هذا ومن بلاغة القرآن الكريم، وإنصافه فى الأحكام، واحتراسه فى التعبير أنه لم يعمم الحكم بالفسق على جميعهم. بل جعل الحكم بالفسق منصباً على الأكثرين منهم، حتى يخرج عن هذا الحكم القلة المؤمنة من أهل الكتاب.
وشبيه بهذا قوله فى آية أخرى:
{ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ } قال بعض العلماء: فى الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة والتعكيس، حيث جعلوا الإِيمان بما ذكر، موجبا للنقمة، مع كونه فى نفسه موجبا للقبول والرضا. وهذا مما تقصد العرب فى مثله تأكيد النفى والمبالغة فيه بإثبات شىء وذلك الشىء لا يقتضى إثباته فهو منتف أبداً. ويسمى مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس. فمن الأول قول القائل:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب

وقول الآخر:

فتى كملت أخلاقه غير أنهجواد، فما يبقى من المال باقياً

ومن الثانى هذه الآية وما يشبهها. أى: ما ينبغى لهم أن ينقموا شيئاً إلا هذا، وهذا لا يوجب لهم أن ينقموا شيئاً إذاً فليس هناك شىء ينقمونه، وما دام الأمر كذلك، فينبغى لهم أن يؤمنوا ولا يكفروا. وفيه أيضاً تقريع لهم حيث قابلوا الإِحسان بسوء الصنيع".
ثم تابع - سبحانه - التهكم بهم، وتعجب الناس من أفن رأيهم، مع تذكيرهم بسوء مصيرهم فقال: - {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ}؟
والمشار إليه بقوله: {ذلك} يعود إلى ما نقمه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله وبالكتب السماوية وقيل يعود إلى الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب المعبر عنها بقوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} وتوحيد اسم الإِشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره. أو لتأويله بالمذكور ونحوه.
والخاطب لأهل الكتاب المتقدم ذكرهم وقيل للكفار مطلقا، وقيل للمؤمنين.
والمثوبة: مصدر ميمى بمعنى الثواب الثابت على العمل، وأكثر استعمالها فى الخير.
وقد استعملت هنا بمعنى العقوبة على طريقة التهكم بهم كما فى قوله - تعالى -:
{ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وهى منصوبة على أنها تمييز لقوله {بشر}.
وقوله: {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} خبر لمبتدأ محذوف أى: هو من لعنه الله: والمراد اليهود لأن الصفات التى ذكرت فى الآية لا تنطبق إلا عليهم.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم بالله وبما أنزله من كتب سماوية والذين قالوا لكم: ما نعلم أهل دين أقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دنيكم قل لهم على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم: هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟ هو من {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} أى أبعده من رحمته {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} بأن منع عنه رضاه {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} بأن مسخ بعضهم قردة وبضعهم خنازير وجعل منهم من عبد الطاغوت" أى: من عبد كل معبود باطل من دون الله كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة التى اتبعوها بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم.
فإن قيل: إن قوله - {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً} يفيد أن ما عابه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله فيه شر. إلا أن ما عليه اليهود أشد شرا، مع أن إِيمان المؤمنين لا شر فيه ألبتة بل هو عين الخير فكيف ذلك؟
فالجواب، أن الكلام مسوق على سبيل المشاكلة، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد، وزعمهم الباطل، فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم إن هؤلاء اليهود - يا محمد - ينكرون عليكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية ويعتبرون ذلك شراً - مع أنه عين الخير - قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة:
لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه - فى زعمكم فشر منه عاقبة ومآلا ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله، وما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم قردة، وبعضهم خنازير، وما عرف عنكم من عبادة لغير الله... وشبيه بهذه الآية فى مجاراة الخصم فى زعمه قوله - تعالى -
{ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} بيان لسوء عاقبتهم وقبح مكانتهم..
أى: أولئك المتصفون بما ذكر من الفسوق واللعن والطرد من رحمة الله أولئك المتصفون بذلك {شَرٌّ مَّكَاناً} من غيرهم وأكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم، فهم فى الدنيا يشركون بالله، وينتهكون محارمه وفى الآخرة مأواهم النار وبئس القرار.
وقوله {أولئك} مبتدأ وقوله {شر} خبره، وقوله {مكانا} تمييز محول عن الفاعل.
وأثبت - سبحانه - الشرية لمكانهم ليكون أبلغ فى الدلالة على كثرة شرورهم، إذ أن إثبات الشرية لمكان الشىء كناية عن إثباتها للشىء نفسه. فكأن شرهم قد أثر فى مكانهم، أو عظم وضخم حتى صار متجسما.
وقوله: {وأضل} معطوف على {شر} مقرر له. والمقصود من صيغتى التفضيل فى قوله: {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ} الزيادة مطلقا من غير نظر إلى مشاركة غيرهم فى ذلك. أو بالنسبة إلى غيرهم من الكفار الذين لم يفجروا فجورهم، ولم يحقدوا على المؤمنين حقدهم.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر نفاقهم وخداعهم فقال : {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ}.
قال الآلوسى: نزلت كما قال قتادة والسدى - فى ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظهرون له الإِيمان والرضا بما جاء به نفاقا.
والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والضمير فى {جاءكم} يعود على اليهود المعاصرين للنبى.
أى: وإذا جاء إليكم - أيها المؤمنون - أولئك اليهود أظهروا أمامكم الإِسلام، وقالوا لكم آمنا بأنكم على حق، وحالهم وحقيقتهم أنهم قد دخلوا إليكم وهم متلبسون بالكفر، وخرجوا من عندكم وهم متلبسون به - أيضاً - فهم يدخلون عليكم ويخرجون من عندكم وقلوبهم كما هى لا تتأثر بالمواعظ التى يلقيها الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم قد قست قلوبهم، وفسدت نفوسهم.
وقوله: {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} جملتان فى موضع الحال من ضمير الجمع فى {قالوا}.
والباء فى قوله: {بالكفر} وقوله: {به} للملابسة. أى: دخلوا وخرجوا وهم متلبسون بالكفر من غير نقصان منه ولا تغيير فيه ألبتة.
قال الفخر الرازى: وذكر عند الدخول كلمة {قد} وذكر عند الخروج كلمة {هم} لأن الفائدة من ذكر كلمة {قد} تقريب الماضى من الحال. والفائدة من ذكر كلمة {هم} التأكيد فى إضافة الكفر إليهم، ونفى أن يكون للنبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك فعل، أى: لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا، فتكون أنت الذى ألقيتهم فى الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم".
ويبدو لنا أنه عبر عن دخولهم بقوله {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ} وعبر عن خروجهم بقوله: {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} بإضافة ضميرهم مع قد، للإِشارة إلى أنهم عند خروجهم كانوا أشد كفراً، وأقسى قلوبا منهم عند دخولهم.
وهذا شأن الجاحدين المنافقين، لا تؤثر فيهم العظات مهما كانت بليغة، ولا النذر مما كانت قوية، بخلاف قلوب المؤمنين فإن المواعظ تزيدها يقينا على يقينها، وإيمانا على إيمانها. ألا ترى إلى قوله - تعالى -:
{ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون. وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ } وقوله - تعالى -: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} وعيد شديد لهم على كفرهم ونفاقهم.
أى: والله - تعالى - أعلم بما كانوا يخفونه من نفاق وخداع عند دخولهم وعند خروجهم، لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية من أحوالهم.
ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من رذائلهم فقال: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ}.
والرؤية فى قوله: {وَتَرَىٰ} بصرية.
والإِثم: هو كل قول أو عمل لا يرضاه الله - تعالى -.
والعدوان: مجاوزة الحد فى الظلم والتعدى. والسحت: هو المال الحرام كالرشوة وغيرها.
أى: وترى - أيها الرسول الكريم أو أيها السامع - كثيرا من هؤلاء اليهود، يسارعون فى ارتكاب الآثام وفى التعدى والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد أو تريث. والتعبير بقوله: {وَتَرَىٰ} يفيد أن ارتكابهم لهذه المنكرات لم يكن خافيا أو مستوراً، وإنما هم يرتكبونها مجاهرة وعلانية، لأن فضيلة الحياء قد نضبت من جوههم.
والمسارعة فى الشىء: المبادرة إليه بسرعة وخفة ونشاط، وأكثر استعمالها فى الخير كما قال - تعالى -
{ أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ } ) ( { نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ } وقد استعملت هنا فى مسارعتهم فى الإِثم والعدوان وأكلهم السحت، للإِشارة إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات وكأنهم محقون فيها.
والتعدية بحرف {في} تؤذن بأنهم مغمورون فى الآثام؛ وأنهم ينتقلون فيها فى حال إلى حال أخرى شر منها، حتى لكأن السير فى طريق الحق والصدق والفضيلة صار غير مألوف عندهم.
وقوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تذييل قصد به تقبيح أعمالهم التى يأباها الدين والخلق الكريم.
أى: لبئس شيئا كانوا يعملونه هذه المنكرات التى منها مسارعتهم فى الإِثم والعدوان وأكلهم السحت.
وهذه الجملة هى حكم من الله - تعالى - عليهم بذم أعمالهم. وقد جمع - سبحانه - فى حكمه بين صيغة الماضى {كانوا} وصيغة المضارع {يعملون} للإِشارة إلى أن هذا العمل القبيح كان منهم فى الماضى، وأنهم قد استمروا عليه فى حاضرهم ومستقبلهم بدون توبة أو ندم.
وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم بالقسم، وباللام الموطئة للقسم، وبكلمة بئس الدالة على شدة الذم. أى: أقسم لبئس العمل الذى كان هؤلاء يعملونه من مسارعتهم فى الإِثم والعدوان وأكلهم السحت.
ثم وبخ - سبحانه - رؤساء هؤلاء اليهود على سكوتهم على المنكر فقال:
{لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ}.
و {لولا} هنا للحض على الفعل فى المستقبل، وللتوبيخ على تركه فى الماضى فهى لتوبيخ علماء اليهود على تركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الماضى. ولحضهم على مباشرتهم فى المستقبل. وهى هنا بمعنى هلا.
والربانيون: كما يقول ابن جرير - جمع ربانى. وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس، وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم.
والأحبار - جمع حبر - وهم علماء اليهود وفقهاؤهم المفسرون لما ورد فى التوراة من أقوال وأحكام.
والمعنى: إن هؤلاء دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل المال الحرام، فهلا ينهاهم علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة، وعن تلك المآكل الخبيثة التى أكلوها عن طريق السحت.
والسحت - كما سبق أن بينا - هو المال الحرام كالربا والرشوة. سمى سحتا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة أى مقطوعها. أو لأنه يذهب فضيلة الإِنسان ويستأصلها واليهود أرغب الناس فى المال الحرام وأحرصهم عليه.
وقد وبخ الله - تعالى - علماء اليهود وفقهاءهم على عدم نهيهم لهم عن قولهم الإِثم وأكلهم السحت، لأن هاتين الرذيلتين هما جماع الرذائل، إذ القول الباطل الكاذب إذا ما تعود عليه الإِنسان هانت عليه الفضائل، وقال فى الناس ما ليس فيهم بدون تحرج أو حياء. وأكل السحت يقتل فى نفسه المروءة والشرف، ويجعله يستهين بحقوق الناس وأموالهم.
ولقد ألف علماء اليهود أكل أموال الناس بالباطل بدعوى أن هذا الأكل سيغفره الله لهم، ألا ترى قول الله - تعالى -:
{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } قال بعض العلماء: واقتصر - سبحانه - فى توبيخ الربانيين على ترك نهيهم عن قول الإِثم وأكل السحت، ولم يذكر العدوان - الذى ورد فى الآية السابقة إيماء إلى أن العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون فى زجرهم إلى غيرهم لأن الاعتماد فى النصرة على غير المجنى عليه ضعف".
وقوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تذييل قصد به ذم علماء اليهود بسبب تركهم لفضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وقوله: {يَصْنَعُونَ} من الصنع وهو العمل بدقة ومهارة وإحكام.
أى: والله لبئس الصنع صنعهم حيث تركوا نهى عامتهم عن قول الإِثم وأكل السحت.
وقد تكلم المفسرون عن السر فى أن الله تعالى - ذم اليهود بقوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وذم علماءهم وفقهاءهم بقوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}.
وقد أجاد الكلام عن ذلك الإِمام الرازى فقال: والمعنى، أن الله - تعالى - استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصى، وذلك يدل على أن تارك النهى عن المنكر بمنزلة مرتكبه، لأنه - تعالى - ذم الفريقين.. بل نقول: إن ذم تارك النهى عن المنكر أقوى، لأنه - سبحانه - قال فى المقدمين على الإِثم والعدوان وأكل السحت {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وقال فى العلماء التاركين للنهى عن المنكر {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} والصنع أقوى من العمل، لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ. وذنب التاركين للنهى عن المنكر ذنبا راسخا. والأمر فى الحقيقة كذلك، لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ومازالت المعصية كان كمثل المرض الذى شرب صاحبه الدواء إلا أن المرض بقى كما هو".
وقال ابن جرير: كان العلماء يقولون: ما فى القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها.
وقال ابن كثير: روى الإِمام أحمد عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل المعاصى، هم أعز منه وأمنع، ولم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب" .
وروى ابن أبى حاتم عن يحيى بن يعمر قال: خطب على بن أبى طالب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس!! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصى ولم ينههم الربانيون والأحبار. فلما تمادوا أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذى نزل بهم. واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرب أجلا.
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد وبخت اليهود على حسدهم للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، ووصفتهم بجملة من الصفات الذميمة حتى يحذرهم المؤمنون، ويجعلوا ولاءهم لله ولرسوله ولإِخوانهم فى العقيدة والدين.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من سوء معتقد اليهود، وخبث طويتهم، وسوء أدبهم مع الله - تعالى - فقال:
{وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ...}