التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ
٤٠
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ
٤١
وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
٤٢
فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ
٤٣
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ
٤٤
فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٤٥
-الأنعام

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

{أَرَأَيْتُكُم} المقصود به أخبرونى، وكلمة أرأيت فى القرآن تستعمل للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤاده: أرأيت كذا فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله.
والمعنى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أخبرونى عن حالكم عندما يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر، أو ريح صرصر عاتية، أو تفاجئكم الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده وتنسون آلهتكم الباطلة، لأن الفطرة حينئذ هى التى تنطق على ألسنتكم بدون شعور منكم؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا تشركون مع الله آلهة أخرى؟ إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة، لأنكم تلجأون إليه وحده عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدون غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا.
والاستفهام فى قوله - تعالى -: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ} للتوبيخ والتقريع والتعجب من حالهم.
وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تنفعكم فادعوها.
ثم أكد - سبحانه - أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجأون إلا إلى الله فقال - تعالى -: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}.
بل للإِضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم، أى: بل تخصونه وحده بالدعاء دون الآلهة، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك، لأنه هو القادر على كل شىء {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} أى: تغيب عن ذاكرتكم عند الشدائد والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة.
وقدم - سبحانه - المفعول على الفعل فى قوله: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} لإِفادة الاختصاص، أى: لا تدعون إلا إياه، وذلك يدل على أن المشركين مهما بلغ ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة لهذا الكون.
وفى قوله {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ} استعارة حيث شبه حال إزالة الشر بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر فى كل وإحلال السلامة محله.
والمقصود فيكشف الضر الذى تدعونه أن يكشفه: فالكلام على تقدير حذف مضاف.
وجواب الشرط لقوله: {إِنْ شَآءَ} محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه، أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل.
ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى بيان أحوال الأمم الماضية فقال - تعالى -: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}.
البأساء: تطلق على المشقة والفقر الشديد، وعلى ما يصيب الأمم من أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض والأسقام التى تصيب الأمم والأفراد.
والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم، فكان هؤلاء الأقوام أعتى من قومك فى الشرك والجحود، فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء المؤلم، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشركهم.
فالآية الكريمة تصور لوناً من ألوان العلاج النفسى الذى عالج الله به الأمم التى تكفر بأنعمه، وتكذب أنبياءه ورسله، إذ أن الآلام والشدائد علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج.
ولقد بين - سبحانه - بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد فقال: {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ}.
ولولا هنا للنفى، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا.
وقيل إنها للحث والتحضيض بمعنى هلا، أى: فهلا تضرعوا تائبين إلينا وقت أن جاءهم بأسنا.
وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفى فقال: {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} معناه: نفى التضرع، كأنه قيل. فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع إلا عنادهم وقوسة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زينها الشيطان لهم".
ثم بين - سبحانه - أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند نزول الشدائد بهم.
أما الأمر الأول: فهو قسوة قلوبهم، وقد عبر - سبحانه - عن هذا الأمر الأول بقوله: {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أى: غلظت وجمدت وصارت كالحجارة أو أشد قسوة.
وأما الأمر الثانى: فهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة، بأن يوحى إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان هو عين الصواب، وأن ما أتاهم به أنبياؤهم ليس خيراً لأنه يتنافى مع ما كان عليه آباؤهم.
هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى الله والتوبة إليه.
ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى -:
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ}.
والمعنى: فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم الرسل، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه. حتى إذا اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة.
ولفاء فى قوله - تعالى - {فَلَمَّا نَسُواْ} لتفصيل ما كان منهم. وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة.
والمراد بالنسيان هنا: الإِعراض والترك. أى: تركوا الإِهتداء بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإِصرارهم على كفرهم، وجمودهم على تقليد من قبلهم.
والتعبير بقوله - تعالى - {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} يرسم صورة بليغة لإِقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها، وبكل قوتها وإغرائها، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء.
وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله: {بِمَآ أُوتُوۤاْ} بالبناء للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم، كما قال قارون من قبل
{ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ } وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله {أَخَذْنَاهُمْ} لأنهم كانوا لا ينكرون ذلك، بل كانوا ينسبون الخلق والإِيجاد إلى الله - تعالى -.
وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين، فقد فجأهم العذاب على غرة بدون إمهال.
وإذا فى قوله {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} فجائية، والمبلس: الباهت الحزين البائس من الخير، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال.
روى الإِمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج" ، ثم تلا قوله - تعالى - {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ}.. الآية.
ثم قال - تعالى -: {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.
الدابر: الآخر، والمعنى: فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن آخرهم بسبب ظلمهم وفجورهم، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله وأولياءه على أعدائهم، وفى ختام هذه الآية بقوله {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تعليم لنا، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - تعالى -.
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه عليهم فى خلقهم وتكوينهم، وبين لهم إذا سلبهم شيئاً من حواسهم فإنهم لا يتجهون إلا إليه فقال - تعالى -: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ...}.