التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ
٤٦
قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٤٧
وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٤٨
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
٤٩
-الأنعام

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاحدين: أخبرونى إن سلب الله عنكم نعمتى السمع والبصر فأصبحتم لا تسمعون ولا تبصرون، وختم على قلوبكم فصرتم لا تفقهون شيئاً، من إله غيره يقدر على رد ما سلب منكم وأنتم تعرفون ذلك ولا تنكرونه فلماذا تشركون معه آلهة أخرى؟ ثم التفت عنهم إلى التعجيب من حالهم فقال - تعالى - {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} أى: انظر كيف ننوع الآيات والحجج والبراهين فنجعلها على وجوه شتى ليتعظوا ويعتبروا ثم هم بعد ذلك يعرضون عن الحق، وينأون عن طريق الرشاد.
والاستفهام فى قوله - تعالى - {أَرَأَيْتُمْ} للتنبيه أى: إن لم تكونوا قد رأيتم ذلك فتبينوه وتأملوا ما يدل عليه.
والضمير فى {بِهِ} يعود إلى المأخوذ وهو السمع والبصر والفؤاد.
وفى قوله {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} تعجيب من عدم تأثرهم رغم كثرة الدلائل وتنوعها من أسلوب إلى أسلوب.
وجملة {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} معطوفة على جملة نصرف الآيات وداخلة فى حكمها، وكان العطف بثم لإِفادة الاستبعاد المعنوى، لأن تصريف الآيات والدلائل يدعو إلى الإِقبال، فكان من المستبعد فى العقول والأفهام أن يترتب عليه الإِعراض والابتعاد.
قال القرطبى: {يَصْدِفُونَ} أى: يعرضون. يقال: صدق عن الشىء إذا أعرض صدفا وصدوفا فهو صادف. فهم ماثلون معرضون عن الحجج والدلالات.
ثم وجه عقولهم إلى لون آخر من ألوان الإقناع فقال - تعالى -:
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ}. بغتة: أى مفاجأة، وجهرة: أى جهارا عيانا.
والمعنى: قل لهم أيها الرسول الكريم أخبرونى عن مصيركم إن أتاكم عذاب الله مباغتاً ومفاجئاً لكم من غير ترقب ولا انتظار، أو أتاكم ظاهراً واضحاً بحيث ترون مقدماته ومباديه، هل يهلك به إلا القوم الظالمون؟.
والاستفهام فى قوله {هَلْ يُهْلَكُ} بمعنى النفى: أى: ما يهلك به إلا القوم الظالمون، الذين أصروا على الشرك والجحود، فهلاكهم سببه السخط عليهم والعقوبة لهم، لأنهم عموا وصموا عن الهداية.
ثم بين - سبحانه - وظيفة الرسل فقال: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}، أى: تلك سنتنا وطريقتنا فى اهلاك المكذبين للرسل، والمعرضين عن دعوتهم، فإننا ما نرسل المرسلين إليهم إلا بوظيفة معينة محددة هى تقديم البشارة لمن آمن وعمل صالحاً، وسوق الإِنذار لمن كذب وعمل سيئاً.
فالجملة الكريمة كلام مستأنف مسوق لبيان وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ولإِظهار أن ما يقترحه المشركون عليهم من مقترحات باطلة ليس من وظائف المرسلين أصلا.
ثم بين - سبحانه - عاقبة من آمن وعاقبة من كفر فقال: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}.
والمعنى: فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأصلح فى عمله. فلا خوف عليهم من عذاب الدنيا الذى ينزل بالجاحدين، ولا من عذاب الآخرة الذى يحل بالمكذبين، ولا هم يحزنون يوم لقاء الله على شىء فاتهم.
والمس اللمس باليد، ويطلق على ما يصيب المرء من ضر أو شر - فى الغالب - وفى قوله {يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ} استعارة تبعية، فكأن العذاب كائن حى يفعل بهم ما يريد من الآلام والعذاب.
ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الأجوبة الحاسمة التى تدمغ شبهات الكافرين، وتبين ضلال مقترحاتهم فقال: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي....}.