التفاسير

< >
عرض

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ
٢٠
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢١
فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٢٢
قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٢٣
قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٢٤
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
٢٥
-الأعراف

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - تعالى -: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} أى: ألقى إليهما إبليس الوسوسة، والوسوسة فى الأصل الصوت الخفى، ومنه قيل لصوت الحلى. وسواس. والمراد بها هنا: الحديث الخفى الذى يلقيه الشيطان فى قلب الإِنسان ليقارف الذنب.
وقوله: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} و {وُورِيَ} من المواراة وهى الستر.
والسوءة. فرج الرجل والمرأة، من السوء. وسميت بذلك، لأن انكشافها يسوء صاحبها. وقيل الكلام كناية عن إزالة الحرمة وإسقاط الجاه.
والمعنى: أن إبليس وسوس إلى آدم وحواء بأن يأكلا من الشجرة المحرمة لتكون عاقبة ذلك أن يظهر لهما ما ستر عنهما من عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وفى هذا التعبير تصريح بأن كشف العورة من أقبح الفواحش التى نهى الله - تعالى - عنها.
وقد حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة، وإنما خدعهما بقوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ}.
أى قال لهما: ما نهاكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهية أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين الذين لا يموتون ويبقون فى الجنة ساكنين.
وقوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف النفى ليكون علة. أى كراهية أن تكونا ملكين.
ثم حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة أو بالقول المجرد، وإنما أضاف إلى ذلك القسم المؤكد فقال: {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} أى: أقسم لهما بالله إنه لهما لمن الناصحين المخلصين الذين يسعون لما فيه منفعتهما.
قال الآلوسى: إنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة، لأن من يبارى أحداً فى فعل يجد فيه. وقيل المفاعلة على بابها، والقسم وقع من الجانبين، لكنه اختلف متعلقه، فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على القبول.
ثم حكى القرآن كيف نجح إبليس فى خداع آدم وحواء فقال: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}. أى: فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية، وأطمعهما فى غير مطمع بسبب ما غرهما به من القسم.
ودلاهما مأخوذ من التدلية، وأصله أن الرجل العطشان يدلى فى البئر بدلوه ليشرب من مائها، فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء، فيكون مدليا فيها بغرور. والغرور إظهار النصح مع إضمار الغش، وأصله من غررت فلانا أى أصبت غرته وغفلته ونلت منه ما أريد.
ثم بين القرآن الآثار التى ترتبت على هذه الخديعة من إبليس لهما فقال: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ}.
أى: فلما خالفا أمر الله - تعالى - بأن أكلا من الشجرة التى نهاهما الله عن الأكل منها، أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية، فتساقط عنهما لباسهما، وظهرت لهما عوراتهما. وشرعا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عوراتهما لسترها.
ويخصفان: مأخوذ من الخصف، وهو خرز طاقات النعل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض، وفعله من باب ضرب.
قال بعض العلماء: "ولعل المعنى - والله أعلم - أنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا، وخلعا ثوب الطاعة، وبدت منهما سوأة المعصية، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما، فأخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى، وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما ليستترا بها، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك. فلما سمعا النداء الربانى بتقريعهما ولومهما ألهما أن يتوبا إلى الله ويستغفرا من ذنبهما بكلمات من فيض الرحمة الإِلهية، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم، وقال لهما فقط أولهما ولذريتهما، أو لهما ولإِبليس: اهبطوا من الجنة إلى الأرض، لينفذ ما أراد الله من استخلاف آدم وذريته فى الأرض، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى. ومنازعة عدوهم لهم فيها،
{ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً } ثم بين القرآن ما قاله الله - تعالى - لهما بعد أن خالفا أمره. فقال: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ} بطريق العتاب والتوبيخ {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ}. أى عن الأكل منها {وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} أى: ظاهر العداوة لا يفتر عن إيذائكما وإيقاع الشر بكما.
وهنا التمس آدم وحواء من ربهما الصفح والمغفرة {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} أى: أضررناها بالمعصية والمخالفة {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} ما سلف من ذنوبنا {وَتَرْحَمْنَا} بقبول توبتنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أى: لنصيرن من الذين خسروا أنفسهم فى الدنيا والآخرة".
وقد حكى القرآن ما رد به الله على آدم وحواء وإبليس، فقال: {قَالَ ٱهْبِطُواْ} أى من الجنة إلى ما عداها. وقيل الخطاب لآدم وحواء وذريتهما. وقيل الخطاب لهما فقط لقوله - سبحانه - فى آية أخرى
{ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً } والقصة واحدة، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر.
وجملة {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} فى موضع الحال من فاعل اهبطوا، والمعنى اهبطوا إلى الأرض حالة كون العداوة لا تنفك بين آدم وذريته، وبين إبليس وشيعته {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} أى موضع استقرار {وَمَتَاعٌ} أى: تمتع ومعيشة {إِلَىٰ حِينٍ} أى: إلى حين انقضاء آجالكم.
قال: {فِيهَا} أى فى الأرض {تَحْيَوْنَ} تعيشون {وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} أى: يوم القيامة للجزاء، كما فى قوله - تعالى -:
{ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } وبعد أن قص القرآن على بنى آدم قصة خلقهم وتصويرهم وما جرى بين أبيهم وبين إبليس، وكيف أن إبليس قد خدع آدم وزوجه خداعا ترتب عليه إخراجهما من الجنة. بعد كل ذلك أورد القرآن أربع نداءات لبنى آدم حضهم فيها على تقوى الله وحذرهم من وسوسة الشيطان وذكرهم بنعمه عليهم، فقال فى النداء الأول: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ...}.