التفاسير

< >
عرض

إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
٤٢
إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٤٣
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٤٤
-الأنفال

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله: {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} بدل من قوله { يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } أو معمول لفعل محذوف. والتقدير: اذكروا.
والعدوة - مثلثة العين - جانب الوادى وحافته. وهى من العدو بمعنى التجاوز سميت بذلك لأنها عدت.. - أى منعت - ما فى الوادى من ماء ونحوه أن يتجاوزها.
والدنيا: تأنبث الأدنى بمعنى الأقرب. والقصوى: تأنيث الأقصى بمعنى الأبعد والركب: اسم جمع لراكب، وهم العشرة فصاعدا من راكبى الإِبل.
قال القرطبى: ولا تقول العرب: ركب إلا للجماعة الراكبى الإِبل..
والمراد بهذا الركب: أبو سفيان ومن معه من رجال قريش الذين كانوا قادمين بتجارتهم من بلاد الشام ومتجهين بها إلى مكة، فلما بلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - أمرها، أشار على أصحابه بالخروج لملاقاته، كما سبق أن بينا عند تفسيرنا لقوله - تعالى -
{ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ.. } }. والمعنى: اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن خرجتم إلى بدر، فسرتم إلى أن كنتم {بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} أى: بجانب الوادى وحافته الأقرب الى المدينة، وكان اعداؤكم الذين قدموا لنجدة العير {بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} أى: بالجانب الآخر الأبعد من المدينة، وكان أبو سفيان ومن معه من حراس العير {أَسْفَلَ مِنكُمْ} أى: فى مكان أسفل من المكان الذى أنتم فيه، بالقرب من ساحل البحر الأحمر، على بعد ثلاثة أميال منكم.
قال الجمل: قوله {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} الأحسن فى هذه الواو، والواو التى قبلها الداخلة على {هُم} أن تكون عاطفة ما بعدها على {أَنتُمْ} لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا واو حال، واسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر، وهو فى الحقيقة صفة لظرف مكان محذوف. أى: والركب فى مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر.."
وقال الإِمام الزمخشرى -رحمه الله - فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟.
قلت: الفائدة فيه الإِخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو، وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأن غلبتهم فى هذه الحال ليس إلا صنعا من الله - سبحانه - ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته.
وذلك أن العدوة القصوى التى أناخ بها المشركون، كان فيه الماء، وكانت أرضا لا بأس بها. ولا ماء العدوة الدنيا، وهى خبار - أى أرض لينة رخوة - تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة.
وكانت العير وراء ظهور العدو، مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ فى المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم فى القتال.
وفيه تصوير ما دبر - سبحانه - من أمر غزوة بدر {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} ومن إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين فى الخروج، وأقلق قريشا ما بلغهم من تعرض المسلمين لأموالهم، فنفروا ليمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى، ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب فى ساق، وكان ما كان.
وقوله: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} بيان لتدبير الله الحكيم، وإرادته النافذة.
أى: ولو تواعدتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للقتال، لتخلفتم عن الميعاد المضروب بينكم، لأن كل فريق منكم كان سيتهيب الإِقدام على صاحبه، ولكن الله - تعالى - بتدبيره الخفى شاء أن يجمعكم للقتال على غير ميعاد، ليقضى - سبحانه - أمراً كان مفعولا، أى: ثابتا فى علمه وحكمته، وهو: إعزاز الإِسلام وأهله، وخذلان الشرك وحزبه.
روى ابن جرير من حديث كعب بن مالك - رضى الله عنه - قال: إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.
وروى - أيضا - عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان فى الكرب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة قال: ونظر الناس بعضهم إلى بعض.
وقوله {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} بدل من قوله {لِّيَقْضِيَ} بإعادة الحروف، أو هو متعلق بقوله {مَفْعُولاً}.
والمراد بالهلاك والحياة هنا ما يشمل الحسى والمعنوى منهما.
والمراد بالبينة الحجة الدالة على حقية الإِسلام وبطلان الكفر.
قال الآلوسى: أى: ليموت من يموت عن حجة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، فلا يبقى محل للتعلل بالأعذار، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة والحجج الغر المحجَّلة.
ويجوز أن يراد بالحياة: الإِيمان، وبالموت: الكفر على سبيل الاستعارة أو المجاز المرسل بأن يراد بالبينة: إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدامغة.
أى: ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح وبينة وإلى هذا ذهب قتادة وابن اسحاق. والظاهر أن {عَن} هنا بمعنى بعد كقوله - تعالى -
{ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } }. وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر ويعقوب {حيى} - على وزن تعب - بفك الإِدغام. وقرأ الباقون بإدغام الياء الأولى فى الثانية على وزن شد ومد.
وقوله {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} تذييل قصد به الترغيب فى الإِيمان - والترهيب من الكفر، أى: وإن الله لسميع لأقوال أهل الايمان والكفر عليم بما تنطوى عليه قلوبهم وضمائرهم، وسيجازى - سبحانه - كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب على حساب ما يعلم وما يسمع منه.
ثم يبين - سبحانه - بعض وجوه نعمه على المؤمنين، وتدبيره الخفى لنصرهم وفوزهم فيقول: {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.
أى: اذكر يا محمد فضل الله عليك وعلى أصحابك، حيث أراك فى منامك الكافرين قليلا عددهم، ضئيلا وزنهم فأخبرت بذلك اتباعك فازدادوا ثباتا واطمئنانا وجرأة على عدوهم {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً} أى: ولو أراك الأعداء عددا كثيرا {لَّفَشِلْتُمْ} أى: لتهيبتهم الإِقدام عليهم، لكثرة عددهم، من الفشل وهو ضعف مع جبن {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أى: فى أمر الإِقدام عليهم والاحجام عنهم. فمنكم من يرى هذا ومنكم من يرى ذلك.
وقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} بيان لمحل النعمة. أى: ولكن الله - تعالى - بفضله وإحسانه أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع وتفرق الآراء فى شأن القتال: حيث ربط على قلوبكم، ورزقكم الجرأة على أعدائكم وعدم المبالاة بهم بسبب رؤيا نبيكم.
وقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تذييل يدل على شمول علمه - سبحانه -.
أى: إنه - سبحانه - عليم بكل ما يحصل فى القلوب وما يخطر بها من شجاعة وجبن ومن صبر وجزع ولذلك دير ما دبر.
قال الفخر الرازى، قال مجاهد: أرى الله النبى - صلى الله عليه وسلم - كفار قريش فى منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه فقالوا: رؤيا النبى حق. القوم قليل، فصار ذلك سببا لجرأتهم وقوة قلوبهم.
فإن قيل: رؤية الكثير قليلا غلط، فكيف يجوز من الله - تعالى - أن يفعل ذلك؟
قلنا: ذهبنا أنه - تعالى - يفعل ما يشاء ويحكم ما يريده وأيضا لعله - سبحانه - أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون.
ونستطيع أن نضيف إلى ما أجاب به الفخر الرازى أنه يجوز أن يكون المراد بالقلة: الضعف وهوان الشأن..
أى: أن المشركين وإن كانوا فى حقيقتهم يقاربون الألف - أى أكثر من ثلاثة أمثال المؤمنين - إلا أنهم لا قوة لهم ولا وزن، فهم كثير عددهم ولكن قليل غناؤهم، قليل وزنهم فى المعركة. لأنهم ينقصهم الإِيمان الصحيح الذى يقوى القلوب، ويدفع النفوس إلى الإِقدام لنصرة الحق لكى تفوز برضا الله وحسن مثوبته.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله: وقد تقدم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قدر عدد المشركين بألف وأخبر أصحابه بذلك، ولكنه أخبرهم مع هذا أنه رآهم فى منامه قليلا، لا أنهم قليل فى الواقع، فالظاهر أنهم أولوا الرؤيا بأن بلاءهم يكون قليلا، وأن كيدهم يكون ضعيفا، فتجرءوا وقويت قلوبهم.
هذا، ونسب إلى الحسن أنه ذكر أن هذه الآراء كانت فى اليقظة، وأن المراد من المنام العين التى هى موضع النوم. قال الزمخشري. وهذا تفسير فيه تعسف. وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن.
وقال الآلوسى: وعن الحسن أنه فسر المنام بالعين، لأنها مكان النوم كما يقال للقطيفة المنامة لأنها ينام فيها، فلم يكن عنده هناك رؤيا أصلا بل كانت رؤية، وإليه ذهب البلخى. ولا يخفى ما فيه، لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ميمى. ففى الحمل على خلاف ذلك تعقيد ولا نكتة فيه.. على أن الروايات الجمة برؤيته - صلى الله عليه وسلم - إياهم مناما، وقص ذلك على أصحابه مشهورة لا يعارضها كون العين مكان النوم نظرا إلى الظاهر.. ولعل الرواية عن الحسن غير صحيحة، فانه الفصيح العالم بكلام العرب.
وقوله - تعالى -: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ...} معطوف على ما قبله وهو قوله {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً...} وذلك لتأكيد الرؤيا المنامية بالرؤية فى اليقظة.
والمعنى: واذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن التقيتم مع أعدائكم وجها لوجه فى بدر، فكان من فضل الله عليكم قبل أن تلتحموا معهم أن جعل عددهم قليلا فى أعينكم وجعل عددكم قليلا فى أعينهم، وذلك لإِغرائهم على خوض المعركة.
أما أنتم فتخوضونها بدون مبالاة بهم لقلتهم فى أعينكم، ولثقتكم بنصر الله إياكم..
وأما هم فيخوضونها معتمدين على غرورهم وبطرهم وقلتكم فى أعينهم، فيترتب على ذلك أن يتركوا الاستعداد اللازم لقتالكم، فتكون الدائرة عليهم..
قال ابن مسعود - وهو ممن حضر بدرا -: لقد قللوا فى أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبى: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفا.
وقال أبو جهل - فى ذلك اليوم وقبل الالتحام -: إن محمداً وأصحابه أكلة جزور - أى هم قليل يشبعهم لحم ناقة واحدة - خذوهم أخذا و اربطوهم بالحبال..
وقد أجاد صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية حيث يقول: قوله {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ} الضميران مفعولان يعنى: وإذ يبصركم إياهم. {قَلِيلاً} حال، وإنما قللهم فى أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا...
فإن قلت: الغرض من تقليل الكفار فى أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض من تقليل المؤمنين فى أعينهم؟
قلت: قد قللهم فى أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده، ليجترئوا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا يهابوا، وتقل شوكتهم، حين يرون ما لم يكن فى حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله
{ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ } ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم فاستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا، وكثرتهم آخرا.
ثم قال: فإن قلت: بأى طريق يبصرون الكثير قليلا؟
قلت: بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر، أو يحدث فى عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث فى أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين.
قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين - وكان بين يديه ديك واحد - فقال: ما لى لا أرى هذين الديكين أربعة.
وقوله - سبحانه - {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} بيان لحكمة تدبيره، ونفاذ قدرته، وشمول إرداته.
أى فعل - سبحانه - ما فعل من تقليل كل فريق فى عين الآخر، ليقضى أمرا كان مفعولا، أى: ثابتا فى علمه وحكمته، وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار المؤمنين، واندحار الكافرين وإلى الله وحدة ترجع الأمور لا إلى أحد سواه، فإن كل شئ عنده بمقدار، ولأن كل شئ فى هذا الكون بقضائه وقدره، وما من شئ إلا مصيره ومرده إليه.
قال بعض العلماء: ولا يقال إن قوله - تعالى -: {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} مكرر مع ما سبق، لأننا نقول: ان المقصود من ذكره أولا - فى قوله: إذ أنتم بالعدوة الدنيا.. هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين، على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - والمقصود منه هنا بيان خارق آخر، وهو تقليلهم فى أعين المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسلوب تصويرى بديع فى استحضار لمشاهدها ومواقفها، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر قدرة الله، ومن تدبيره المحكم الذى كان فوق تدبير البشر، ومن تهيئة الأسباب الظاهرة والخفية التى أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين.
وبعد هذا التذكير النافع، والتصوير المؤثر لأحداث غزوة بدر، وجه - سبحانه - فى هذه السورة إلى المؤمنين النداء السادس والأخير، حيث أمرهم بالثبات فى وجه أعدائهم، وبالمداومة على ذكره وطاعته.. ونهاهم عن التنازع والاختلاف فقال - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ...مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}.