التفاسير

< >
عرض

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
١٠
إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ
١١
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ
١٢
ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٣
ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٤
-الأنفال

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال القرطبى: قوله - تعالى -: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} الاستغاثة: طلب الغوث والنصر، يقال: غّوث الرجل، أى: قال واغوثاه، والاسم الغوث والغواث، واستغاثنى فلان فأغثته، والاسم الغياث.
وقوله {مُمِدُّكُمْ} من الإِمداد بمعنى الزيادة والإِغاثة، وقد جرت عادة القرآن أن يستعمل الإِمداد فى الخير، وأن يستعمل المد فى الشر والذم.
قال - تعالى -:
{ وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } }. وقال - تعالى -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } }. قال - تعالى -: { قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } }. وقال - تعالى -: { ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } }. وقوله: {مُرْدِفِينَ} من الإِرداف بمعنى التتابع.
قال الفخر الرازى: قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم {مُرْدِفِينَ} - بفتح الدال - وقرأ الباقون بكسرها، والمعنى على الكسر، أى: متتابعين يأتى بعضهم فى إثر البعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب.
والمعنى على قراءة الفتح، أى: فعل بهم ذلك، ومعناه أن الله - تعالى - أردف المسلمين وأمدهم بهم أى جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم.
والمعنى: اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم - وأنتم على أبواب بدر - {تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} أى: تطلبون منه الغوث والنصر على عدوكم {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} دعاءكم، وكان من مظاهر ذلك أن أخبركم على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - بأنى {مُمِدُّكُمْ} أى: معينكم وناصركم بألف من الملائكة مردفين، أى: متتابعين، بعضهم على إثر بعض، أو أن الله - تعالى - جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم وتثبيتهم.
ويروى الإِمام مسلم عن ابن عباس قال:
"حدثنى عمر بن الخطاب قال: كان يوم بدر، نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، فاستقبل نبى الله - القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ويقول: اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد فى الأرض، فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه.
فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من وراءه، وقال: يا نبى الله!! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله - عز وجل -: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ}"
الآية فأمده الله بالملائكة.
وروى البخارى عن ابن عباس قال: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر،
"اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، فأخذ أبو بكر بيده، فقال حسبك، فخرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر" .
وروى سعيد بن منصور عن طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وتكاثرهم، وإلى المسلمين فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى صلاته: اللهم لا تودع منى اللهم لا تخذلنى، اللهم لا تترنى - أى لا تقطعنى عن أهلى وأنصارى - أولا تنقصنى شيئاً من عطائك - اللهم أنشدك ما وعدتنى - أى: أستنجزك وعدك" .
وروى ابن إسحاق فى سيرته أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى.
فإن قيل: إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلماذا أسندها القرآن إلى المؤمنين؟
فالجواب: أن المؤمنين كانوا يؤمنون على دعائه - صلى الله عليه وسلم - ويتأسون به فى الدعاء، إلا أن الروايات ذكرت دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنه هو قائد المؤمنين، وهو الذى يحرص الرواة على نقل دعائه، أكثر من حرصهم على نقل دعاء غيره من أصحابه.
وقيل: إن الضمير فى قوله {تَسْتَغِيثُونَ} للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وجئ به مجموعا على سبيل التعظيم، ويعكر على هذا القبل أن السياق بعد ذلك لا يلتئم معه، لأنه خطاب للمؤمنين بالنعم التى أنعم بها - سبحانه - عليهم.
وعبر - سبحانه - بالمضارع {تَسْتَغِيثُونَ} مع أن استغاثتهم كانت قبل نزول الآية - استحضارا للحال الماضية، حتى يستمروا على شكرهم لله، ولذلك عطف عليه. فاستجاب لكم، بصيغة الماضى مسايرة للواقع.
وكان العطف بالفاء للإِشعار بأن إجابة دعائهم كانت فى أعقاب تضرعهم واستغائتهم وهذا من فضل الله عليهم، ورحمته بهم، حيث أجارهم من عدوهم، ونصرهم عليه - مع قلتهم عنه - نصرا مؤزرا.
والسين والتاء فى قوله: {تَسْتَغِيثُونَ} للطلب، أى: تطلبون منه الغوث بالنصر.
فإن قيل: إن الله - تعالى - ذكر هنا أنه أمدهم بألف من الملائكة، وذكر فى سورة آل عمران أنه أمدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما؟
فالجواب أن الله - تعالى - أمد المؤمنين بألف من الملائكة فى يوم بدر، كما بين هنا فى سورة الأنفال، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال - تعالى - فى سورة آل عمران:
{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ... } ثم زاد عددهم مرة أخرى إلى خمسة آلاف، قال - تعالى - { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } }. وقد صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير.. فكان المدد خمسة آلاف..
واختار ابن جرير أنهم وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآيات على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا، ولا يثبت شئ من ذلك إلا بنص.
وهذا بناء على أن المدد الذى وعد الله به المؤمنين فى آيات سورة آل عمران كان خاصاً بغزوة بدر.
أما على الرأى القائل بأن هذا المدد الذى بتلك الآيات كان خاصا بغزوة أحد فلا يكون هناك إشكال بين ما جاء فى السورتين.
وقد بسط القول فى هذه المسألة الإِمام ابن كثير فقال ما ملخصه:
"اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين:
أحدهما: أن قوله - تعالى -:
{ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } متعلق بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ } }. وهذا قول الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم...
فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآيات - التى فى سورة آل عمران وبين قوله فى سورة الأنفال -: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ}.
فالجواب: أن التنصيص على الألف هنا، لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى - {مُرْدِفِينَ} بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.
قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف".
والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد - وهو قوله - تعالى -:
{ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } }. متعلق بقوله - قبل ذلك - { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } }. وذلك يوم أحد.
وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وغيرهم.
لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا.
وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى
{ بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا بملك واحد.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله عليهم ورحمته بهم فى هذا الإِمداد فقال: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فالآية الكريمة كلام مستأنف ساقه - سبحانه - لبيان بعض مظاهر فضله على المؤمنين، ولبيان أن المؤثر الحقيقى هو الله وحده حتى يزدادوا ثقه به، وحتى لا يقنطوا من النصر عند قلة أسبابه.
أى: وما جعل الله - تعالى - هذا الإِمداد بالملائكة إلا بشارة لكم - أيها المؤمنون - بالنصر على أعدائكم فى هذه الغزوة الحاسمة وقوله {بُشْرَىٰ} مفعول لأجله مستثنى من أعم العلل.
وقوله: {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} معطوف عليه: أى: ولتسكن بهذا الإِمداد قلوبكم، ويزول عنكم الخوف، وتهاجموا أعداءكم بنفوس لا يداخلها الإِحجام أو التردد...
وقوله: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أى: ليس النصر بالملائكة أو غيرهم إلا كائن من عند الله وحده، لأنه - سبحانه - هو الخالق لكل شئ، والقادر على كل شئ..
وإن الوسائل مهما عظمت، والأسباب مهما كثرت، لا تؤدى إلى النتيجة المطلوبة والغاية المرجوة، إلا إذا أيدتها إرادة الله وقدرته ورعايته.
وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أى: غالب لا يقهره شئ، ولا ينازعه منازع حكيم فى تدبيره وأفعاله.
فالجملة الكريمة بتذييل قصد به التعليل لما قبله، وفيه إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات حكمته البالغة - سبحانه -.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المنن الأخرى التى منحها للمؤمنين قبل أن يلتحموا مع أعدائهم فى بدر فقال: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ}.
وقوله: {يُغَشِّيكُمُ} بتشديد الشين من التغشية بمعنى التغطية عن غشاه تغشية أى: غطاه.
والنعاس: أول النوم قبل أن يثقل. وفعله - على الراجح - على وزن منع.
والأمنة: مصدر بمعنى الأمن. وهو طمأنينة القلب وزوال الخوف، يقال: أمنت من كذا أمنة وأمنا وأمانا بمعنى.
قال الجمل: فى قوله: {إذ يغشاكم النعاس} ثلاث قراءات سبعية.
الأولى: يغشاكم كيلقاكم، من غشية إذا أتاه وأصابه وفى المصباح: غشيته أغشاه من باب تعب بمعنى أتيته - وهى قراءة أبى عمرو وابن كثير.
الثانية: يُغْشِيكم - بإسكان الغين وكسر الشين - من أغشاه. أى أنزله بكم وأوقعه عليكم - وهو قراءة نافع -.
الثالثة: يغشيكم - بتشديد الشين وفتح الغين وهى قراءة الباقين - من غشاه تغشية بمعنى غطاه.
أى: يغشيكم الله النعاس أى يجعله عليكم كالغطاء من حيث اشتماله عليكم.
والنعاس على القراءة الأولى مرفوع على الفاعلية، وعلى الأخيرتين منصوب على المفعولية. وقوله: "أمنة" حال أو مفعول لأجله.
وقال القرطبى: وكان هذا النعاس فى الليلة التى كان القتال من غدها، فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ربط جأشهم.
وعن على - رضى الله عنه - قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم سوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة يصلى حتى أصبح.
وفى امتنان الله عليهم بالنوم فى هذه الليلة وجهان: - أحدهما: أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد.
الثانى: أن أمنهم بزوال الرعب فى قلوبهم: كما يقال: الأمن منيم، والخوف مسهر".
وقال ابن كثير: وجاء فى الصحيح
"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان يوم بدر فى العريش مع الصديق، وهما يدعوان، أخذت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة من النوم. ثم استيقظ متبسما، فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع. ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله - تعالى - { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}" .
والمعنى: واذكروا - أيها المؤمنون - أيضاً، وقت أن كنتم متعبين وقلقين على مصيركم فى هذه المعركة، فألقى الله عليكم النعاس، وغشاكم به قبل التحامكم بأعدائكم، ليكون أمانا لقلوبكم، وراحة لأبدانكم، وبشارة خير لكم.
هذا، ومن العلماء الذين تكلموا عن نعمة النعاس التى ساقها الله للمؤمنين قبل المعركة، الإِمامان الرازى ومحمد عبده.
أما الامام الرازى فقد قال ما ملخصه: واعلم أن كل نوم ونعاس لا يحصل إلا من قبل الله - تعالى - فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله لا بد فيه من مزيد فائدة، وذكروا فى ذلك وجوها: منها: أن الخانف إذا خاف من عدوه فإنه لا يأخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا. فصار حصول النوم لهم فى وقت الخوف الشديد، يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن.
ومنها: أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن مع العدو من معافصتهم، بل كان ذلك نعاسا يزول معه الإِعياء والكلال، ولو قصدهم العدو فى هذه الحالة لعرفوا وصوله، ولقدروا على دفعه.
ومنها: أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم فى الخوف الشديد أمر خارق للعادة. فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان فى حكم المعجز.
وقال الامام محمد عبده: لقد مضت سنة الله فى الخلق، بأن من يتوقع فى صبيحة ليلته هو لا كبيرا، ومصابا عظيما، فإنه يتجافى تجنبه عن مضجعه فيصبح خاملا ضعيفا. وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك، إذ بلغهم أن جيشا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدا فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرض والسهاد.. ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس: غشيهم فناموا، واثقين بالله، مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط فى لقاء عدوهم وعدوه... فالنعاس لم يكن يوم بدر فى وقت الحرب بل قبلها".
وبذلك نرى أن النعاس الذى أنزله الله تعالى - على المؤمنين قبل لقائهم بأعدائهم فى بدر كان نعمة عظيمة ومنه جليلة.
وقوله - تعالى -: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} معطوف على قوله {يُغَشِّيكُمُ} وهو - أى: إنزال الماء من السماء نعمة عظمى تحمل فى طياتها نعما وسننا.
أولها: يتجلى فى هذه الجملة الكريمة، أنه - سبحانه - أنزل على المؤمنين المطر من السماء ليطهرهم به من الحدثين: الأصغر والأكبر، فإن المؤمن - كما يقول الإِمام الرازى - "يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا، وبغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب".
وثانيها: قوله - تعالى -: ويذهب عنكم رجز الشيطان.
وأصل الرجز: الاضطراب ويطلق على كل ما تشتد مشقته على النفوس.
قال الراغب: أصل الرجز الاضطراب، ومنه قيل رجز البعير رجزا فهو أرجز، وناقة رجزاء إذا تقارب خطوها واضطرب لضعفها.."
والمراد برجز الشيطان: وسوسته للمؤمنين، وتخويفه إياهم من العطش وغيره عند فقدهم الماء وإلقاؤه الظنون السيئة فى قلوبهم.
أى: أنه - سبحانه - أنزل عليكم الماء - أيها المؤمنون - ليطهركم به تطهيرا حسيا وليزيل عنكم وسوسة الشيطان، بتخويفه إياكم من العطش وبإلقائه فى نفوسكم الظنون والأوهام.. وهذا هو التطهير الباطنى.
وثالثها قوله - تعالى -: {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} أى: وليقويها بالثقة فى نصر الله، وليوطنها على الصبر والطمأنينة.. ولا شك أن وجود الماء فى حوزة المحاربين يزيدهم قوة على قوتهم، وثباتاً على ثباتهم، أما فقده فإنه يؤدى إلى فقد الثقة والاطمئنان، بل وإلى الهزيمة المحققة.
وأصل الربط: الشد. ويقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه عليه، أى: حبس قلبه عن أن يضطرب أو يتزعزع، ومنه قولهم: رجل رابط الجأش: أى: ثابت متمكن.
ورابع هذه النعم التى تولدت عن نزول الماء من السماء على المؤمنين، قبل خوضهم معركة بدر، يتجلى فى قوله - تعالى - {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ}.
أى: أنه - سبحانه - أنزل عليهم المطر قبل المعركة لتطهيرهم حسياً ومعنوياً، ولتقويتهم وطمأنينتهم، وليثبت أقدامهم به حتى لا تسوخ فى الرمال، وحتى يسهل المشى عليها، إذ من المعروف أنه من العسير المشى على الرمال، فإذا ما نزلت عليها الأمطار جمدت وسهل السير فوقها، وانطفأ غبارها.. فالضمير فى قوله {بِهِ} يعود على الماء المنزل من السماء.
قال الزمخشرى: ويجوز أن يعود للربط - فى قوله {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ}، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبتت القدم فى مواطن القتال.
هذا، وقد وردت آثار متعددة توضح ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة من نعم جليلة، ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أنه قال: نزل النبى - صلى الله عليه وسلم - يعنى حين سار إلى بدر - والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة - أى كثيرة مجتمعة - فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان فى قلوبهم الغيظ، فوسوس بينهم، تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم.."
وعن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادى دهساً فأصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه".
ومن هذا القول المنقول عن عروة - رضى الله عنه - نرى أن المطر كان خيراً للمسلمين، وكان شراً على الكافرين، لأن المسلمين كانوا فى مكان يصلحه المطر، بينما كان المشركون فى مكان يؤذيهم فيه المطر.
ثم ذكرهم بنعمة أخرى كان لها أثرها العظيم فى نصرهم على المشركين فقال - سبحانه -: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.
والبنان: - كما يقول القرطبى - واحده بنانه. وهى هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء.. وهو - أى البنان - مشتق من قولهم أبَّن الرجل بالمكان إذا أقام به. فالبنان يُعتَملُ به ما يكون للإِقامة والحياة. وقيل: المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، وهو عبارة عن الثبات فى الحرب وموضع الضرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء..
وذكر بعضهم أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التى بها يستقر الإِنسان..
والمعنى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن أوحى ربك إلى الملائكة الذين أمد بهم المسلمين فى بدر {أَنِّي مَعَكُمْ} أى بعونى وتأييدى {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أى فقووا قلوبهم، واملأوا نفوسهم ثقة بالنصر، وصححوا نياتهم فى القتال حتى تكون غايتهم إعلاء كلمة الله.
قال الآلوسى: والمراد بالتثبيت: الحمل على الثبات فى موطن الحرب والجد فى مقاساة شدائد القتال. وكان ذلك هنا - فى قول - بظهورهم لهم فى صورة بشرية يعرفونها، ووعدهم إياهم النصر على أعدائهم، فقد أخرج البيهقى فى الدلائل أن الملك كان يأتى الرجل فى صورة الرجل يعرفه فيقول له: أبشروا فإنهم ليسوا بشئ، والله معكم. كروا عليهم.
وقال الزجاج: كان بأشياء يلقونها فى قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد جدهم. وللملك قوة إلقاء الخير فى القلب ويقال له إلهام، كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر ويقال له وسوسة.
وقوله - تعالى -: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} بشارة عظيمة للمؤمنين.
أى: سأملأ قلوب الكافرين بالخوف والفزع منكم - أيها المؤمنون -، وسأقذف فيها الهلع والجزع حتى تتمكنوا منهم.
والرعب: انزعاج النفس وخوفها من توقع مكروه، وأصله التقطيع من قولهم: رعبت السنام ترعيباً إذا قطعته مستطيلا، كأن الخوف يقطع الفؤاد.
وقوله: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} الخطاب فيه للمؤمنين، وقيل، للملائكة.
والمراد بما فوق الأعناق الرءوس كما روى عن عطاء وعكرمة. أو المراد بها الأعناق ذاتها فتكون فوق بمعنى: على وهو قول أبى عبيدة.
ويرى صاحب الكشاف أن المراد بما فوق الأعناق: أعالى الأعناق التى هى المذابح، لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها جزا وتطييرا للرءوس.
والمراد بالبنان - كما سبق أن بينا - الأصابع أو مطلق الأطراف.
والمعنى: لقد أعطيتكم - أيها المؤمنون - من وسائل النصر ما أعطيتكم، فهاجموا أعدائى واعداءكم بقوة وغلظة، واضربوهم على أعناقهم ورءوسهم ومواضع الذبح فيهم. واضربوهم على كل أطرافهم حتى تشلوا حركتهم، فيصبحوا عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.
ثم بين سبحانه - السبب فى تكليفه المؤمنين بمجاهدة الكافرين والإِغلاظ عليهم وقتلهم.
فقال - تعالى - {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.
فاسم الإِشارة {ذٰلِكَ} يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين، وأمرهم بضرب الكافرين.. وهو فى محل رفع على الابتداء. وقوله {بِأَنَّهُمْ...} خبره. والباء للسببية.
وقوله: {شَآقُّواْ} من المشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة مشتقة من الشق - أى الجانب -، فكل واحد من المتعاديين أو المتخالفين صار فى شق غير شق صاحبه.
والمعنى: ذلك الذى ذكره الله - تعالى - فيما سبق، من تأييده للمؤمنين وأمره إياهم بضرب الكافرين، سببه أن هؤلاء الكافرين {شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أى: عاد وهما وخالفوا شرعهما: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بأن يسير فى غير الطريق الذى أمرا به، {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لهذا المعادى والمخالف.
قال الآلوسى: وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} إما نفس الجزاء، وقد حذف منه العائد عند من يكتفى ولا يلتزم بالعائد فى الربط. أى: شديد العقاب له. أو قائم مقام الجزاء المحذوف أى: يعاقبه الله - تعالى - فإن الله شديد العقاب. وأياما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريق برهانى. كأنه قيل: ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وكل من يشاقق الله ورسوله كائنا من كان، فله بسبب ذلك عقاب شديد، فإن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله عقابا شديدا.
ثم يوجه - سبحانه - خطابه على سبيل الالتفات لأولئك الذين شاقوا الله ورسوله، متوعدا إياهم بسوء المصير فيقول: {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} فاسم الإِشارة {ذٰلِكُمْ} يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين، وخذلان الكافرين وإنزال العقوبة بهم.
أى ذلكم الذى نزل بكم - أيها الكافرون - من القتل والأسر فى بدر، هو العقاب المناسب لطغيانكم وشرككم وعنادكم، فذوقوا آلامه، وتجرعوا غصصه، وعيشوا فى مذلته.
هذا فى الدنيا، أما فى الآخرة فلكم عذاب النار الذى هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا. فاتركوا الكفر، وادخلوا فى الإِيمان لتنجوا من العذاب وتنالوا الثواب.
قال الجمل ما ملخصه وقوله: {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ...} يجوز فيه وجوه من الأعراب أحدها أن يرفع بالابتداء والخبر محذوف أى ذلكم العقاب. الثانى: أن يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم وعلى هذين الوجهين يكون قوله {فَذُوقُوهُ} لا تعلق له بما قبله من جهة الاعراب فهو مستأنف، والوقف يتم على قوله: {ذٰلِكُمْ} الثالث: أن يرتفع بالابتداء. والخبر قوله {فَذُوقُوهُ} وهذا على رأى الأخفش.
وقوله {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} معطوف على قوله {ذٰلِكُمْ} أو منصوب على أنه مفعول معه، والمعنى: ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم فى الآخرة، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر - بأن قال {فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} ولم يقل فذوقوه وأن لكم - للدلالة على أن الكفر سبب للعذاب الآجل أو للجمع بينهما.
ومن هذا نرى أن تلك الآيات الكريمة قد ذكّرت المؤمنين الذين اشتركوا فى غزوة بدر بألوان من نعم الله عليهم، وبأنواع من البشارات التى كانت تدل على أن النصر سيكون لهم.
1- ذكّرتهم بوعد الله لهم بأن إحدى الطائفتين: العير أو النفير ستكون لهم، وقد وفى لهم - سبحانه - بوعده، حيث جعل النصر لهم، ومن أوفى بعهده من الله؟
2- وذكرتهم بإجابة الله لدعائهم، حيث أمدهم بألف من الملائكة مردفين.
3- وذكرتهم بالنعاس الذى ألقاه - سبحانه - عليهم قبل المعركة، ليكون أماناً لهم، وراحة لأبدانهم.
4- وذكرتهم بنزول المطر عليهم من السماء ليكون طهارة ظاهرية وباطنية لهم، وليكون طمأنينة لقلوبهم، وتثبيتاً لأقدامهم.
5- وذكرتهم بأمر الله لملائكته أن يثبتوهم، بأن يغرسوا فى قلوبهم الثقة فى نصر الله لهم، والاستهانة بقوة أعدائهم.
6- وذكرتهم بما ألقاه - سبحانه - فى قلوب الكافرين من رعب وفزع وجزع، جعلهم ينهزمون أمامهم.
7- وذكرتهم بأن ما أصاب أعداء الله وأعداءهم من قتل وأسر وخسران كان سببه كفرهم وعنادهم وإيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد، وأنهم - إذا استمروا فى كفرهم - فسيلقون فى الآخرة عذاباً أشد وأبقى مما نزل بهم فى الدنيا.
ولا شك أن هذا التذكير من مقاصده الأساسية حض المؤمنين على الاستجابة لله ولرسوله: وعلى مداومة الشكر لخالقهم، فهو - سبحانه - الذى منحهم هذه النعم الجزيلة التى تمكنوا معها من رقاب أعدائهم، وهو الذى جعلهم يغنمون كل هذه الغنائم بعد أن خرجوا من ديارهم بلا مال ولا ظهر ولا عتاد.
هذا، ومن الخير قبل أن ننتقل من هذه الآيات إلى غيرها، أن نتكلم بشئ من التفصيل عن مسألة كثر الحديث عنها.
وهذه المسألة هى: ماذا كانت وظيفة الملائكة فى بدر؟ أكانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فحسب أم أنهم بجانب هذا التثبيت قاتلوا فعلا؟ إننا بمطالعتنا لما كتبه الكاتبون عن هذه المسألة نراهم فى كتاباتهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
(أ) أما القسم الأول منهم، فيرى أن الملائكة فى غزوة بدر لم تكن وظيفتهم التثبيت فحسب، وإنما هم قاتلوا مع المؤمنين فعلا، ويستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها:
1- ما جاء عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه قال: بينما رجل من المسلمين يشتد فى إثر رجل من المشركين أمامه. إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلا يقول: أقدم حيزوم، فخر المشرك مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه. فجاء فحدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.
2- وجاء عنه أنه قال - أيضاً -: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء، ويوم أحد عمائم خضراء، ولم تقاتل الملائكة فى يوم سوى بدر وكانوا فيما سواه عددا ومددا.
3- وعن أبى داود المزنى قال: تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر. فوقع رأسه بين يدى قبل أن يصل إليه سيفى.
4- وروى عن عبد الله بن مسعود أن أبا جهل سأله يوم بدر: من أين كان ذلك الصوت الذى كنا نسمعه ولا نرى شخصاً؟ فقال: من الملائكة، فقال له أبو جهل: هم إذن غلبونا لا أنتم.
5- وقال القرطبى: وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت. ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة. لا أشك ولا أمارى. وعن سهل بن حنيف قال: لقد رأيتنا يوم بدر إن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه.
هذه أهم الروايات التى استند إليها العلماء الذين يرون أن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر، وعلى رأس هؤلاء العلماء القرطبى، فهو يرى أن هذا هو الصحيح وأنه رأى الجمهور.
(ب) أما القسم الثانى من العلماء فيرى أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فى المعركة، وتقوية أرواحهم وقلوبهم، واستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها:
1- أنه ليس فى الآيات القرآنية التى تحدثت عن غزوة بدر آية واحدة صريحة فى أن الملائكة قد قاتلت بالفعل، وإنما هى صريحة فى أن الله تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة، وجعل هذا الإِمداد بشارة لهم.
قال الآلوسى عند تفسيره لقوله - تعالى -: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ..} وفى الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالا، وهو مذهب لبعضهم. ويشعر ظاهرها بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم بذلك الإِمداد، وفى الأخبار ما يؤيد ذلك. بل جاء فى غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة - عليهم السلام -.
2- أن بعض الآيات القرآنية التى تحدثت عن غزوة بدر قد وضحت وظيفة الملائكة توضيحاً تاماً، ومن ذلك قوله - تعالى -: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.
قال ابن جرير فى معنى {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قووا عزمهم، وصححوا نياتهم فى قتال أعدائهم من المشركين..
وقال فى معنى قوله - تعالى - {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ...}: والصواب من القول فى ذلك أن يقال إن الله أمر المؤمنين معلما إياهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف، أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدى والأرجل..
وقال الفخر الرازى: قوله {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} فيه وجهان: الأول: أنه أمر للملائكة متصل بقوله - تعالى - {فَثَبِّتُواْ}. وقيل: بل أمر للمؤمنين، وهذا هو الأصح لما بينا أنه - تعالى - ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة..
3- أن الروايات التى استند إليها من قال بأن الملائكة قاتلت مع المؤمنين فى بدر لم ترد فى كتب السنة المعتمدة، بل لم يذكر معظمها الإِمام ابن جرير مع علمنا باهتمامه بالمرويات فى تفسيره. وفضلا عن ذلك فإن أكثر هذه الروايات لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلت.
فمثلا رواية أبى داود المازنى لم تصرح بأن المشرك الذى أراد هو أن يقتله قد قتله ملك. وكذلك الحال بالنسبة لروايتى أبى أسيد وسهيل بن حنيف وأما قول أبى جهل لابن مسعود: "هم إذن غلبونا - يعنى الملائكة - لا أنتم، فنرجح أنه من باب التبرير والمغالطة. فهو يريد أن ينفى - حقداً منه وعناداً - قوة المؤمنين الذين صرعوا أمثاله من الطغاة..".
والخلاصة أن معظم الروايات - مع ضعفها - لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر.
4- استبعد كثير من العلماء اشتراك الملائكة فى القتال، ومن هؤلاء العلماء الإِمام أبو بكر الأصم فقد قال:
"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط. فإذا حضر هو يوم بدر - وجميع الروايات تذكر أنه كان على رأس الملائكة - فأى حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ بل أى حاجة حينئذ إلى إرسال سائر الملائكة؟ وأيضاً فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين، وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم.
وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أوْلا.. وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر، ولم يقل أحد بذلك.. وعلى الثانى كان يلزم جز الرءوس، وتمزيق البطون، وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل، ومثل هذا من أعظم المعجزات، فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين المسلم والكافر والموافق والمخالف...
وقال صاحب المنار: مقتضى السياق أن وحى الله للملائكة {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ} إلخ.
وقوله - تعالى - {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ..} إلخ بدء كلام خوطب به النبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون تتمة للبشرى. فيكون الأمر بالضرب موجهاً إلى المؤمنين قطعاً، وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعاً لما قبله من الآيات.
ثم قال: وفى كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا، فهل تعارضه هذه البينات النقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل.
كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التى شوهت التفسير وقلبت الحقائق، حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه فالله - تعالى - يقول فى إمداد الملائكة {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ...} وهذه الروايات تقول بل جعله مقاتلة. وإن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله بما ذكر من أسباب النصر المتعددة.
ألا إن فى هذا من تعظيم شأن المشركين، وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم مالا يصدر عن عاقل، إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الآلوسى وغيره بغير سند. وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لأنه كان صغيرا، فرواياته عنها حتى فى الصحيح مرسله..
هذه أهم الأدلة التى استند إليها القائلون بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين، وتقوية عزائمهم. وتصحيح نياتهم.
(جـ) أما القسم الثالث من العلماء الذين كتبوا فى هذه المسألة، فمنهم الذى اكتفى بسرد الآراء دون أن يرجح بينها، ومن هؤلاء صاحب الكشاف، فقد قال:
فإن قلت: هل قاتلت الملائكة يوم بدر؟ قلت: اختلف فيه. فقيل: نزل جبريل فى يوم بدر فى خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل فى خمسمائة على الميسرة وفيها على بن أبى طالب فى صورة الرجال. فقاتلت. وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب.. وقيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد، ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف فى إهلاك أهل الدنيا كلهم..
ومنهم الذى يرى أن البحث فى تفاصيل أمثال هذه المسائل ليس من الجد الذى هو طابع هذه العقيدة، ومن هؤلاء صاحب "فى ظلال القرآن" فقد قال ما ملخصه:
"تروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة فى يوم بدر: عددهم وطريقة مشاركتهم فى المعركة. وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين، وما كانوا يقولونه للمشركين مخذلين. ونحن - على طريقتنا فى الظلال - نكتفى فى مثل هذا الشأن من عوالم الغيب بما يرد فى النصوص المتيقنة من قرآن أو سنة، والنصوص القرآنية هنا فيها الكفاية: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ..} فهذا عددهم {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ..} فهذا عملهم. ولا حاجة إلى التفصيل وراء هذا فإن فيه الكفاية. وبحسبنا أن تعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها فى ذلك اليوم، وهى قلة والاعداء كثرة، وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذى يصفه الله سبحانه فى كلماته.. إننا نؤمن بوجود خلق أسماهم الملائكة، ولكنا لا ندرك من طبيعتهم إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم، فلا نملك من إدراك الكيفية التى اشتركوا بها فى نصرة المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآنى. وقد أوحى إليهم ربهم: أنى معكم. وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا ففعلوا.
- لأنهم يفعلون ما يؤمرون - ولكننا لا ندرى كيف فعلوا.
إن البحث التفصيلى فى كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذى هو طابع هذه العقيدة. وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق الإِسلامية ومباحث علم الكلام فى العصور المتأخرة، عندما فرغ الناس من الاهتمامات الإِيجابية فى هذا الدين، وتسلط الترف العقلى على النفوس والعقول. وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله - سبحانه - للملائكة فى المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة لهى أنفع واجدى..
وبعد فهذه أهم الأقوال التى قالها العلماء فى مسألة وظيفة الملائكة فى بدر، بسطناها بشئ من التفصيل لتتضح آراؤهم فيها.
والذى نراه بعد كل ذلك: أن أقرب الأقوال إلى الصواب، هو القول الذى ذهب أصحابه إلى أن الملائكة فى بدر لم تقاتل، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت وتقوية عزائم المؤمنين... وذلك لما سبق أن بيناه من أدلة وحجج - والله أعلم بالصواب.
وبعد أن بين - سبحانه - بعض البشارات والنعم التى ساقها للمؤمنين الذين اشتركوا فى بدر. وجه - سبحانه - نداء إليهم أمرهم فيه بالثبات فى وجوه أعدائهم، وذكرهم بجانب من مننه عليهم.
فقال - تعالى -: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ...مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.