التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ
٣٨
إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٣٩
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٤٠
ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٤١
-التوبة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام ابن كثير: هذا شروع فى عتاب فى عتاب من تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال فى شدة الحر، وحمارة القيظ.
وتبوك: اسم لمكان معروف فى أقصى بلاد الشام من ناحية الجنوب، ويبعد عن المدينة المنور من الجهة الشمالية بحوالى ستمائة كيلو متر.
وكانت غزوة تبوك فى شهر رجب من السنة التاسعة، وهى آخر غزوة لرسول الله، - صلى الله عليه وسلم -.
وكان السبب فيها أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن الروم قد جمعوا له جموعا كثيرة على أطراف الشام، وأنهم يريدون أن يتجهوا إلى الجنوب لمهاجمة المدينة.
فاستنفر - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى قتال الروم، وكان - صلى الله عليه وسلم - قلما يخرج إلى غزوة إلا ورى بغيرها حتى يبقى الأمر سراً.
ولكنه فى هذه الغزوة صرح للمسلمين بوجهته وهى قتال الروم، وذلك لبعد المسافة، وضيق الحال، وشدة الحر، وكثرة العدو.
وقد لبى المؤمنون دعوة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم، وصبروا على الشدائد، والمتاعب وبذلوا الكثير من أموالهم، ولم يتخلف منهم إلا القليل.
أما المنافقون وكثير من الأعراب، فقد تخلفوا عنها، وحرضوا غيرهم على ذلك، وحكت السورة. فى كثير من آياتها الآتية. ما كان منهم من جبن ومن تخذيل الناس عن القتال، ومن تحريض لهم على القعود وعدم الخروج.
وبعد أن وصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون إلى تبوك، لم يجدوا جموعا للروم. فأقاموا هناك بضع عشرة ليلة، ثم عادوا إلى المدينة.
وقوله - سبحانه -: {ٱنفِرُواْ} من النفر وهو التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لسبب من الأسباب الداعية لذلك.
يقال: نفر فلان إلى الحرب ينفر وينفر نفراً ونفوراً، إذا خرج بسرعة ويقال: استنفر الإِمام الناس، إذا حرضهم على الخروج للجهاد. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"وإذا استنفرتم فانفروا" أى: وإذا دعاكم الإِمام إلى الخروج معه للجهاد فاخرجوا معه بدون تثاقل.
واسم القوم الذين يخرجون للجهاد: النفير والنفرة والنفر.
ويقال: نفر فلان من الشئ، إذا فزع منه، وأدبر عنه، ومنه قوله - تعالى -
{ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً } }. وقوله: {ٱثَّاقَلْتُمْ}: من الثقل ضد الخفة. يقال: تثاقل فلان عن الشئ، إذا تباطأ عنه ولم يهتم به.. ويقال: تثاقل القوم: إذا لم ينهضوا لنجدة المستجير بهم. وأصل {ٱثَّاقَلْتُمْ} تثاقلتم، فأبدلت التاء ثاء ثم أدغمت فيها، ثم اجتلبت همزة الوصل من أجل التوصل للنطق بالساكن.
والمعنى: أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ} أى: ما الذى جعلكم تباطأتم عن الخروج إلى الجهاد، حين دعاكم رسولكم - صلى الله عليه وسلم - إلى قتال الروم، وإلى النهوض لإِعلاء كلمة الله، ونصرة دينه؟
وقد ناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان، لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم، وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإِيمان الصادق من طاعة لله ولرسوله. والاستفهام فى قوله: {مَا لَكُمْ} لإِنكار واستبعاد صدور هذا التثاقل منهم، مع أن هذا يتنافى مع الإِيمان والطاعة.
قال الجمل: و"ما" مبتدأ، و "لكم" خبر، وقوله "اثاقلتم" حال. وقوله: "إذا قيل لكم" ظرف لهذه الحال مقدم عليها.
والتقدير: أى شئ ثبت لكم من الأعذار. حال كونكم متثاقلين فى وقت قول الرسول لكم: انفوا فى سبيل الله.
وقوله. "إلى الأرض" متعلق بقوله: "اثاقلتم" على تضمينه معنى الميل إلى الراحة، والإِخلاد إلى الأرض، ولذا عدى بإلى.
أى: اثاقلتم مائلين إلى الراحة وإلى شهوات الدنيا الفانية، وإلى الإِقامة بأرضكم ودياركم، وكرهتم الجهاد مع أنه ذروة سنام الإِسلام.
وإن التعبير بقوله، سبحانه، {ٱثَّاقَلْتُمْ} لفى أسمى درجات البلاغة، وأعلى مراتب التصوير الصادق، لأنه بلفظه وجرسه يمثل الجسم المسترخى الثقيل الذى استقر على الأرض... والذى كلما حاول الرافعون أن يرفعوه عاد إليه ثقله فسقط من بين أيديهم، وأخلد إلى الأرض.
وذلك لأن ما استولى عليه من حب للذائذ الدنيا وشهواتها، أثقل بكثير من حبه لنعيم الآخرة وخيراتها.
وقوله، سبحانه،: {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} إنكار آخر لتباطئهم عن الجهاد، وتعجب من ركونهم إلى الدنيا مع أن إيمانهم يتنافى مع ذلك.
وقوله. {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} بيان لحقارة متاع الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة الدائم:
والمعنى: أى شئ حال بينكم، أيها المؤمنون، وبين المسارعة إلى الجهاد عندما دعاكم رسولكم - صلى الله عليه وسلم - إليه. أرضيتم براحة الحياة الدنيا ولذائذها الناقصة.
إن كان أمركم كذلك، فقد أخطأتم الصواب، لأن متاع الحياة الدنيا مهما كثر فهو قليل مستحقر بجانب متاع الآخرة الباقى، ونعيمها الخالد.
قال الآلوسى ما ملخصه: "فى" من قوله {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ} تسمى بفى القياسية. لأن المقيس يوضع فى جنب ما يقاس به. وفى ترشيح الحياة الدنيا بما يؤذن بنفاستها، ويستدعى الرغبة فيها. وتجريد الآخرة عن ذلك مثل مبالغة فى بيان حقارة الدنيا ودناءتها وعظم شأن الآخر ورفعتها.
وقد أخرج أحمد ومسلم والترمذى والنسائى وغيرهم عن المستورد، أخى بنى فهر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
"ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه فى اليم، فلينظر بم ترجع" .
وقال الفخر الرازى: اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد فى كل حال، لأنه، سبحانه، نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، ولو لم يكن الجهاد واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا. وليس لقائل أن يقول: الجهاد إنما يجب فى الوقت الذى يخاف هجوم الكفار فيه، لأنه عليه السلام، ما كان يخاف هجوم الروم عليه، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم.. وأيضاً هو واجب على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. والخطاب فى الآية للمؤمنين الذين تقاعسوا فى الخروج إلى غزوة تبوك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم هددهم، سبحانه، بالعذاب الأليم، إن لم ينفروا للجهاد فى سبيله فقال {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً}.
أى: {إِلاَّ تَنفِرُواْ}، أيها المؤمنون، للجهاد كما أمركم رسولكم {يُعَذِّبْكُمْ} الله {عَذَاباً أَلِيماً} فى الدنيا بإنزال المصائب، بكم، وفى الآخرة بنار جهنم.
وقوله: {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} أى: ويستبدل بكم قوما يطيعون رسوله فى العسر واليسر، والمنشط والمكره.. كما قال:
{ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم } }. قال صاحب المنار: قيل المراد بهؤلاء القوم: أهل اليمن، وقيل أهل فارس وليس فى محله، فإن الكلام للتهديد، والله يعلم أنه لا يقع الشرط ولا جزاؤه.
وإنما المراد يطيعونه - سبحانه - ويطيعون رسوله، لأنه قد وعده بالنصر؛ وإظهار دينه، فإن لم يكن هذا الإِظهار بأيديكم. فلا بد أن يكون بأيدى غيركم
{ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } }. وقد مضت سنته - تعالى - بأنه لا بقاء للأمم التى تتثاقل عن الدفاع عن نفسها وحفظ حقيقتها وسيادتها، ولا تتم فائدة القوة الدفاعية والهجومية إلا بطاعة الامام، فكيف إذا كان الأمام والقائد هو النبى الموعود من ربه بالنصر.
والضمير فى قوله {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} يعود إلى الله، تعالى.
أى: إن تباطأتم "أيها المؤمنون" عن الجهاد، يعذبكم الله عذاباً أليما ويستبدل بكم قوماً سواكم لنصرة نبيه، ولن تضروا الله شيئاً من الضرر بسبب تقاعسكم. لأنكم أنتم الفقراء إليه، وهو، سبحانه، الغنى الحميد.
وقيل: الضمير يعود للرسول، - صلى الله عليه وسلم - أى: ولا تضروا الرسول شيئاً ما من الضرر بسبب تثاقلكم عن الجهاد، لأن الله قد وعده بالنصر ووعده كائن لا محاله.
وقوله: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تذييل مؤكد لما قبله.
أى: والله، تعالى: على كل شئ من الأشياء قدير، ولا يعجزه أمر، ولا يحول دون نفاذ مشيئته حائل، فامتثلوا أمره لتفوزوا برضوانه.
فأنت ترى أن هذه الآية وسابقتها قد اشتملت على أقوى الأساليب التى ترغب فى الجهاد، وترهب عن النكوص عنه، وتبعث على الطاعة لله ولرسوله.
ثم ذكرهم، سبحانه، بما يعرفونه من حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث نصره الله. تعالى، على أعدائه بدون عون منهم، وأيده بجنود لم يروها فقال، {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ}.
قال ابن جرير. هذا إعلام من الله لأصحاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه، وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه، وتذكير منه لهم بأنه فعل ذلك به، وهو من العدد فى قلة، والعدو فى كثرة فكيف به وهو من العدد فى كثرة والعدو فى قلة.
والمعنى: إنكم، أيها المؤمنون، إن آثرتم القعود والراحة على الجهاد وشدائده، ولم تنصروا رسولكم الذى استنفركم للخروج معه. فاعلموا أن الله سينصره بقدرته النافذة، كما نصره، وأنتم تعلمون ذلك، وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} أى: أحد اثنين. والثانى: أبو بكر الصديق، رضى الله عنه.
يقال. فلان ثالث ثلاثة، أو رابع أربعة.. أى: هو من الثلاثة أو من الأربعة.
فإن قيل: فلان رابع ثلاثة أو خامس أربعة، فمعناه أنه صير الثلاثة أربعة بإضافة ذاته اليهم، أو صير الأربعة خمسة.
وأسند سبحانه الإِخراج إلى المشركين مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد خرج بنفسه بإذن من الله، تعالى، لأنهم السبب فى هذا الخروج حيث اضطروه إلى ذلك، بعد أن تآمروا على قتله.
قيل: وجواب الشرط فى قوله، {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} محذوف وقوله {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} تعليل لهذا لمحذوف.
والتقدير: إلا تنصروه ينصره الله فى كل حال. {فَقَدْ نَصَرَهُ} سبحانه وقت أن أخرجه الكافرون من بلده ولم يكن معه سوى رجل واحد.
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت. كيف يكون قوله {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} جواباً للشرط؟.
قلت "فيه وجهان" أحدهما: إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد. ولا أقل من الواحد، فدل بقوله. {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} على أنه ينصره فى المستقبل كما نصره فى ذلك الوقت.
والثانى. أنه أوجب له النصرة وجعله منصوراً فى ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده.
وقوله: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} حال من الهاء فى قوله {أَخْرَجَهُ} أى اخرجه الذين كفروا حال كونه منفرداً عن جميع الناس إلا أبا بكر الصديق - رضى الله عنه.
وقوله: {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} بدل من قوله {إِذْ أَخْرَجَهُ}.
والغار: النقب العظيم يكون فى الجبل. والمراد به هنا: غار جبل ثور. وهو جبل فى الجهة الجنوبية لمكة، وقد مكثا فيه ثلاثة أيام.
وقوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} بدل ثان من قوله {إِذْ أَخْرَجَهُ}.
أى: لا تنصروه فقد نصره الله وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة، ووقت أن كان هو وصاحبه أبو بكر فى الغار، ووقت أن كان - صلى الله عليه وسلم - يقول لصاحبه الصديق:
"لا تحزن إن الله معنا بتأييده ونصره وحمايته" .
وذلك أن أبا بكر وهو مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الغار، أحسن بحركة المشركين من فوق الغار، فخاف خوفا شديداً لا على حياته هو، وإنما على حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - فلما رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - منه ذلك، أخذ فى تسكين روعة وجزعه وجعل يقول له: لا تحزن إن الله معنا.
أخرج الشيخان
"عن أبى بكر قال. نظرت إلى أقدام المشركين ونحن فى الغار، وهم على رءوسنا، فقلت. يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا" .
وقوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا..} بيان لما أحاط الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - من مظاهر الحفظ والرعاية.
والسكينة: من السكون، وهو ثبوت الشئ؛ بعد التحرك. أو من السكن - بالتحريك - وهو كل ما سكنت إليه نفسك، واطمأنت به من أهل وغيرهم.
والمراد بها هنا: الطمأنينة التى استقرت فى قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - فجعلته لا يبالى بجموع المشركين المحيطين بالغار، لأنه واثق بأنهم لن يصلوا إليه.
والمراد بالجنود المؤيدين له. الملائكة الذين أرسلهم - سبحانه - لهذا الغرض: والضمير فى قوله: {عَلَيْهِ} يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم.
أى. فأنزل الله سكينته وطمأنينته وأمنه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأيده وقواه بجنود من الملائكة لم تروها أنتم، كان من وظيفتهم حراسته وصرف أبصار المشركين عنه.
ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله {عَلَيْهِ} يعود إلى أبى بكر الصديق، لأن الأصل فى الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هنا هو الصاحب ولأن الرسول لم يكن فى حاجة إلى السكينة. وإنما الذى كان فى حاجة إليها هو أبو بكر، بسبب ما اعتراه من فزع وخوف.
وقد رد أصحاب الرأى الأول على ذلك بأن قوله {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} الضمير فيه لا يصح إلا للنبى - صلى الله عليه وسلم - وهو معطوف على ما قبله فوجب أن يكون الضمير فى قوله {عَلَيْهِ} عائداً إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يحصل تفكك فى الكلام.
أما نزول السكينة فلا يلزم منه أن يكون لدفع الفزع والخوف، بل يصح أن يكون لزيادة الاطمئنان، وللدلالة على علو شأنه - صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير قوله {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} أى. تأييده ونصره عليه أى. على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى أشهر القولين. وقيل. على أبى بكر.
قالوا: لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم تزل معه سكينة. وهذا لا ينافى تجدد سكينة خاصة بتلك الحال، ولهذا قال: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} أى: الملائكة.
وقوله: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} بيان لما ترتب على إنزال السكينة والتأييد بالملائكة.
والمراد بكلمة الذين كفروا. كلمة الشرك، أو كلمتهم التى اجتمعوا عليها فى دار الندوة وهى اتفاقهم على قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
والمراد بكلمة الله: دينه الذى ارتضاه لعباده، وهو دين الإِسلام، وما يترتب على اتباع هذا الدين من نصر وحسن عاقبة، أى: كانت نتيجة إنزال السكينة والتأييد بالملائكة، أن جعل كلمة الشرك هى السفلى، أى. المقهورة الذليلة. وكلمة الحق والتوحيد المتمثلة فى دين الإِسلام هى العليا أى: هى الثابتة الغالبة النافذة.
وقراءة الجمهور برفع. {كَلِمَةَ} على الابتداء. وقوله {هِيَ} مبتدأ ثان: وقوله: {ٱلْعُلْيَا} خبرها، والجملة خبر المبتدأ الأول.
ويجوز أن يكون الضمير {هِيَ} ضمير فصل، وقوله {ٱلْعُلْيَا} هو الخبر وقرأ الأعمش ويعقوب {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ} بالنصب عطفاً على مفعول جعل وهو {كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}.
أى: وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وجعل كلمة الله هى العليا.
قالوا: وقراءة الرفع أبلغ وأوجه، لأن الجملة الأسمية تدل. على الدوام والثبوت، ولأن الجعل لم يتطرق إلى الجملة الثانية وهى قوله: {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} لأنها فى ذاتها عالية ثابتة، بدون جعلها كذلك فى حالة معينة. بخلاف علو غيرها فهو غير ذاتى، وإنما هو علو مؤقت فى حالة معينة، ثم مصيرها إلى الزوال والخذلان بعد ذلك.
وقوله: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
أى: والله - تعالى - {عَزِيزٌ} لا يغلبه غالب، ولا يقهره قاهر، ولا ينصر من عاقبه ناصر، {وَحَكِيمٌ} فى تصريفه شأن خلقه، لا قصور فى تدبيره، ولا نقص فى أفعاله.
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية: الدلالة على فضل أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - وعلى علو منزلته، وقوة إيمانه، وشدة إخلاصه لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ومما يشهد لذلك، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما أذن الله له بالهجرة، لم يخبر أحدا غيره لصحبته فى طريق هجرته إلى المدينة.
ولقد أظهر الصديق - رضى الله عنه - خلال مصاحبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - الكثير من ألوان الوفاء والإِخلاص وصدق العقيدة.
قال الآلوسى ما ملخصه: واستدل بالآية على فضل أبى بكر.. فإنها خرجت مخرج العتاب للمؤمنين ما عدا أبا كبر.. فعن الحسن قال: عاتب الله جميع أهل الأرض غير أبى بكر فقال: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} الآية.
ولأن فيها النص على صحبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت ذلك لأحد من الصحابة: لأنه هو المراد بالصاحب فى قوله {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} وهذا مما وقع عليه الإِجماع.
ومن هنا قالوا: من أنكر صحبة أبى بكر فقد كفر، لإِنكار كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة.
وقد ساق الإِمام الرازى، والشيخ رشيد رضا، عند تفسيرهما لهذه الآية اثنى عشر وجهاً فى فضل أبى بكر الصديق - رضى الله عنه -، فارجع إليهما إن شئت.
وبعد هذا التذكير للمؤمنين بما كان منه - سبحانه - من تأييد لرسوله عند هجرته، أمرهم - جل شأنه - بالنفير فى كل حال فقال: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: اعلم أنه - تعالى - لما توعد من لا ينفر مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وضرب له من الأمثال ما وصفنا، اتبعه بهذا الأمر الجازم فقال: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}.
والمراد: انفروا سواء أكنتم على الصفة التى يخف عليكم الجهاد فيها، أو على الصفة التى يثقل. وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة.
منها: {خِفَافاً} فى النفور لنشاطكم له، و {وَثِقَالاً} عنه لمشقته عليكم.
ومنها: {خِفَافاً} لقلة عيالكم، و {وَثِقَالاً} لكثرتها.
ومنها: {خِفَافاً} من السلاح، و {وَثِقَالاً} منه.
والصحيح ما ذكرنا، إذ الكل داخل فيه، لأن الوصف المذكور وصف كلى يدخل فيه كل هذه الجزئيات".
والمعنى: {ٱنْفِرُواْ} - أيها المؤمنون - {خِفَافاً وَثِقَالاً} أى: فى حال سهولة النفر عليكم، وفى حال صعوبته ومشقته.
{وَجَاهِدُواْ} أعداءكم ببذل أموالكم. وببذل أنفسكم {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أى: فى سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فمن استطاع منكم الجهاد بالمال والنفس وجب عليه الجهاد بهما. ومن قدر على أحدهما دون الآخر، وجب عليه ما كان فى قدرته منهما.
قال القرطبى روى أبو داود عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" .
وهذا وصف لأكمل ما يكون الجهاد وأنفعه عند الله - تعالى - فقد حض - سبحانه - على كمال الأوصاف.
وقدم الأموال فى الذكر، إذ هى أول مصرف وقت التجهيز، فرتب الأمر كما هو فى نفسه.
واسم الإِشارة فى قوله: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} يعود إلى المذكور من الأمرين السابقين وهما: النفور والجهاد.
أى: ذلكم الذى أمرتم به من النفور والجهاد فى سبيل الله، خير لكم فى دنياكم وفى آخرتكم من التثاقل عنهما، إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بين لكم خالقكم ومربيكم على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ولقد أدرك المؤمنون الصادقون هذا الخير فامتثلوا أمر ربهم، ونفروا للجهاد فى سبيله خفاقاً وثقالاً، بدون تباطؤ أو تقاعس.
وقد ساق المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية كثيراً من الأمثلة التى تدل على محبة السلف الصالح للجهاد فى سبيل الله، ومن ذلك.
ما جاء عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} فقال: أى بنى، جهزونى جهزونى. فقال بنوه. يرحمك الله!! لقد غزوت مع النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى مات، ومع أبى بكر حتى مات. ومع عمر حتى مات. فنحن نغزو عنك. فقال: لا، جهزونى. فغزوا فى البحر فمات فى البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها، ولم يتغير - رضى الله عنه.
وقال الزهرى: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل: فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنى الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.
وأخرج ابن جرير عن حيان بن زيد الشرعبى قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو: وكان والياً على حمص، فلقيت شيخاً كبيراً هرما، على راحلته فيمن نفر، فأقبلت عليه فقلت: يا عماه لقد أعذر الله إليك.
قال: فرفع حاجبيه فقال. يا ابن أخى، استنفرنا الله خفافا وثقالا، من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلى الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم يعبد إلا الله.
وعن أبى راشد الحبرانى قال. وافيت المقداد بن الأسود، فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وهو يريد الغزو - وقد تقدمت به السن - فقلت له: لقد أعذر الله إليك.
فقال: أبت علينا سورة البعوث ذلك. يعنى هذه الآية: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}.
هذا، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية تجعل الجهاد على الجميع حتى المريض والزمن والفقير.. وليس الأمر كذلك، فما معنى هذا الأمر؟
قلت. من العلماء من حمله على الوجوب ثم إنه نسخ بقوله - تعالى -
{ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ } }. ومنهم من حمل هذا الأمر الندب.
والصحيح أنها منسوخة، لأن الجهاد من فروض الكفاية، ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت فى غزوة تبوك، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - خلف فى المدينة فى تلك الغزوة النساء وبعض الرجال، فدل ذلك على أن الجهاد من فروض الكفايات، وأنه ليس على الأعيان.
ويرى بعض العلماء أن الآية ليست منسوخة، فقد قال الإِمام القرطبى - ما ملخصه - واختلف فى هذه الآية، فقيل إنها منسوخة بقوله - تعالى -
{ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ } }. والصحيح أنها ليست بمنسوخة.
روى ابن عباس عن أبى طلحة فى قوله - تعالى - {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} قال: شباناً وكهولا. ما سمع الله عذر أحد. فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات.
ثم قال - بعد أن ساق نماذج متعددة لمن خرجوا للجهاد خفافاً وثقالا - فلهذا وما كان مثله مما روى عن الصحابة والتابعين قلنا. إن النسخ لا يصح.
فقد تكون هناك حالة يجب فيها نفير الكل، وذلك إذا تعين الجهاد لغلبة العدو على قطر من الأقطار الإِسلامية، أو بحلوله فى العقر. ففى هذه الحالة يجب على جميع أهل الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً؛ شباباً وشيوخاً، كل على قدر طافته. ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج.
فإن عجز أهل تلك البلدة عن صد عدوهم؛ كان على من قاربهم أن يخرجوا معهم لصد العدو، وكذلك الشأن بالنسبة لكل من علم بضعفهم عن عدوهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم.
حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التى نزل العدو عليها، سقط الفرض عن الآخرين.
ثم قال -رحمه الله - ومن الجهاد أيضاً ما هو نافلة، وهو إخراج الإِمام طائفة.. لإِظهار القوة، وإعزاز دين الله.
ثم قال: وقال ابن العربى، ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله. سنة سبع وعشرين وخمسمائة: فجاس ديارنا، وأسر خيرتنا، وتوسط بلادنا.. فقلت للوالى والمولى عليه: عدو الله قد حصل فى الشرك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المعينة عليكم حركة، فليخرج إليه جميع الناس.. فيحاط به فيهلك.
فغلبت الذنوب، ورجفت القلوب بالمعاصى، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوى إلى وجاره، وإن رأى المكيدة بجاره.
فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والذى نراه. أن ما ذهب إليه الإِمام القرطبى، من أن الآية الكريمة ليست منسوخة، أولى بالاتباع.
لأن الجهاد قد يكون فرض كفاية فى بعض الحالات، وقد يكون فرض عين فى حالات أخرى والآية الكريمة التى معنا تدعو المؤمنين إلى النفير العام فى تلك الحالات الأخرى التى يكون الجهاد فيها فرض عين وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التى تدعو إلى النفير العام. والآيات التى تعفى بعض الناس من مشاقه ومتاعبه.
ومن كل ما تقدم يتبين لنا أن هذه الآيات الأربع قد عاتبت المؤمنين الذين تخلفوا عن الجهاد فى غزوة تبوك عتاباً شديداً؛ وأنذرتهم بالعذاب الأليم إن لم ينفروا.. وذكرتهم بما كان من نصر الله لنبيه حين أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين.. وأمرتهم بالنفور إلى الجهاد خفافاً وثقالا.
وبمجاهدة المشركين بأموالهم وأنفسهم، فذلك هو الخير لهم فى عاجلتهم وآجلتهم.
ثم أخذت السورة الكريمة فى بيان قبائح المنافقين، ومعاذيرهم الواهية، ومسالكهم الخبيثة. وأيمانهم الفاجرة.. فقال - تعالى -: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً...}.