التفاسير

< >
عرض

وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٤٤
-هود

خواطر محمد متولي الشعراوي

والبلع هو مرور الشيء من الحَلْق ليسقط في الجوف، وساعة أن يأتي في القرآن أمر من الله تعالى مثل:
{وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ ..} [هود: 44].
فافهم أن القائل هو من تَنْصَاع له الأرض.
ولم يَقُل الله سبحانه: "قال الله يا أرض ابلعي ماءك"؛ لأن هناك أصلاً متعيّناً وإنْ لم يقُله، والحق سبحانه يريد أن ينمِّي فينا غريزة وفطنة الإيمان؛ لأن أحداً غير الله تعالى ليس بقادر على أن يأمر الأرض بأن تبلع الماء.
ويكون أمره سبحانه للسماء: {وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} أي: أن توقف المطر.
وهكذا يُنهي الحق سبحانه الطوفان الذي أغرق الدنيا بأن أوقف المصبَّ، وأعطى الأمر للمصرف أن يسحب الماء.
ونحن نلاحظ عند سقوط المطر أن شبكة الصرف الصحيِّ تطفح إن كان هناك ما يسدُّ تصريف الماء؛ لأن أرض المدن حالياً صارت من الأسفلت الذي لا يمتص المياه؛ ولذلك نجد الجهات المختصة تجنِّد طاقاتها لإصلاح مواسير الصرف الصحي لتمتص مياه المطر حتى لا تتعطل حركة الحياة.
وأقول هنا: إن حُسن استخدام الماء من حُسن الإيمان؛ لأني ألحظ أن الناس حين يتوضأون فهم يفتحون صنابير الماء بما يزيد كثيراً عن حاجتهم للوضوء الشرعي، فيجب ألا نرتكب إثم ترك الماء النقيِّ ليضيع دون جدوى.
وعلى الناس أن يدَّخروا الماء، ولا يُسيئوا استغلاله؛ لأن الماء حين يتوفَّر فهو يُحيي الأموات، ونحن نحتاج الماء لاستزراع الصحاري، ونحتاج لتخفيف العبء على شبكات الصرف الصحيِّ.
باختصار؛ نحن نحتاج إلى حُسن استقبال نِعَمِ الله تعالى وحُسن التصرُّف فيها؛ لننعم بها، ونسعد بخيرها.
وقول الحق سبحانه:
{وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ..} [هود: 44].
أي: اتركي المطر.. ومن ذلك أخذنا كلمة "قِلْع" الذي يوضع فوق السفن الشراعية الصغيرة، وهو الشِّراع.
ويُقال: "أقلعت المركب" أي: تركت السكون الذي كانت عليه وهي واقفة على الشاطىء.
ويقول الحق سبحانه:
{وَغِيضَ ٱلْمَآءُ ..} [هود: 44].
وبناها الحق سبحانه هنا للمجهول؛ لنعلم أن الله تعالى هو الذي أمر الماء بأن يغيض.
ومادة "غاض" تُستعمل لازمةً، وتُستعمل متعديةً.
ثم يقول سبحانه:
{وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ ..} [هود: 44].
أي: استقرت السفينة على جبل الجودي.
ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
{.. وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [هود: 44].
وهو بعدٌ نهائيٌّ إلى يوم القيامة.
وتتحرك عاطفة الأبوة في نوح عليه السلام، ويظهرها قول الحق سبحانه:
{وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ...}.