التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ
٣٥
-إبراهيم

خواطر محمد متولي الشعراوي

وحين يقول سبحانه (إذ) أي "اذكر" ويقول من بعد ذلك على لسان إبراهيم (رَبّ) ولم يَقُلْ "يا الله" ذلك أن إبراهيم كان يرفع دعاءه للخالق المربِّي، لذلك قال "ربّي" ولم يَقُل "يا الله" لأن عطاءَ الله تكليفٌ، وأمام التكليف هناك تخيير في أن تفعل ولا تفعل، مثل قوله سبحانه: { { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ .. } [البقرة: 43].
أما عطاء الربوبية فهو ما يقيم حياة المُصلِّين وغير المُصلِّين.
ولم تَأْتِ مسألة إبراهيم هنا قَفْزاً؛ ولكِنّا نعلم أن القرآن قد نزل، وأول مَنْ سيسمعه هُم السادة من قريش؛ الذين تمتَّعوا بالمهابَةِ والسيادة على الجزيرة العربية؛ ولا يجرؤ أحد على التعرُّض لقوافلها في رِحْلَتَيْ الشتاء والصيف؛ لليمن والشام؛ وهم قد أخذوا المهابة من البيت الحرام.
ولذلك تكلَّم الحق سبحانه عن النعمة العامة لكل كائن موجود تنتظر أُذنه نداء الإسلام؛ وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن النعم التي تخصُّهم؛ لذلك قال:
{رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً ..} [إبراهيم: 35].
وقد وردتْ هذه الجملة في سورة البقرة بأسلوب آخر، وهو قول الحق سبحانه:
{ { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً .. } [البقرة: 126].
والفرق بين "البلد" و "بلداً" يحتاج مِنّا أن نشرحه، فـ "بلداً" تعني أن المكان كان قَفْراً؛ ودعا إبراهيم أن يصبحَ هذا المكانُ بلداً آمناً أي: أن يجد مَن يقيمون فيه، يُجدّدون حاجاتهم ومتُطلباتهم؛ وتكون وسائل الرزق فيه مُيسَّرة، ودعاؤه أيضاً شمل طلب الأمن، أي: ألاّ يوجد به ما يُهدّد طمأنينة الناس على يومهم العاديّ ووسائل رزقهم.
وأجاب الحق سبحانه دعاء إبراهيم فصار المكان بلداً؛ وجعله سبحانه آمناً أماناً عاماً؛ لأن الإنسان في أيّ بُقْعة من بقاع الأرض لا يتخذ مكاناً يجلس فيه ويقيم ويتوطّن إلا إذا ضمن لنفسه أسباب الأمن من مُقوّمات حياة ومن عدم تفزيعه تفزيعاً قوياً، وهذا الأمن مطلوب لكل إنسان في أيّ أرض.
وقد دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء وقت أنْ نزلَ هذا المكان، وكان وادياً غير ذي زرع؛ ولا مُقوّمات للحياة فيه؛ فكان دعاؤه هذا الذي جاء ذِكْره في سورة البقرة.
أما هنا فقد صار المكان بلداً؛ وكان الدعاء بالأمن لثاني مرة؛ هي دعوة لأمن خاص؛ ففي غير هذا المكان يمكن أن تُقطع شجرة؛ أو يصْطاد صَيْد؛ ولكن في هذا المكان هناك أَمْنٌ خاصّ جداً؛ أمنٌ للنبات ولكُلّ شيء يوجد فيه؛ فحتى الحيوان لا يُصَاد فيه؛ وحتى فاعل الجريمة لا يُمَسّ.
وهكذا اختلف الدعاء الأول بالأمن عن الدعاء الثاني؛ فالدعاء الأول: هو دعاء بالأمن العام؛ والدعاء الثاني: هو دعاء بالأمن الخاص؛ ذلك أن كل بلد يوجد قد يتحقق فيه الأمن العام؛ ولكن بلد البيت الحرام يتمتع بأمنٍ يشمل كل الكائنات.
ويقول بعض من السطحيين: ما دام الحق قد جعل البيت حَرَماً آمِناً؛ فلماذا حدث ما حدث من سنوات من اعتداء على الناس في الحرم؟
ونقول: وهل كان أمْن الحرم أمراً "كونياً"، أم تكليفاً شرعياً؟ إنه تكليف شرعي عُرْضة أنْ يُطاع، وعُرضة أن يُعصى.
وقوله سبحانه:
{ { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً .. } [آل عمران: 97].
يعني أن عليكم أيُّها المُتبِّعون لدين الله أنْ تُؤمِّنوا مَنْ يدخل الحرم أنهم في أمن وأمان، وهناك فارق بين الأمر التكليفيّ والأمر الكونيّ.
ويقول سبحانه على لسان إبراهيم:
{وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35].
وهو قَوْل يحمل التنبؤ بما حدث في البيت الحرام على يد عمرو ابن لُحَيٍّ الذي أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة، وهو قَوْل يحمل تنبؤاً من إبراهيم عليه السلام.
ولقائل أنْ يسألَ: وكيف يدعو إبراهيم بذلك، وهو النبي المعصوم؟ كيف يطلب من الحق أن يُجنِّبه عبادة الأصنام؟
وأقول: وهل العصمة تمنع الإنسان أن يدعوَ ربه بدوام ما هو عليه؟ إننا نتلقى على سبيل المثال الأمر التكليفي منه سبحانه:
{ { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ .. } [النساء: 136].
وهو أَمرْ بالمداومة.
والحق سبحانه قد قال على لسان رسوله شعيب - عليه السلام - :
{ { قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا... } [الأعراف: 89].
وفي هذا القول ضراعة إلى المُنعِم علينا بنعمة الإيمان؛ وفي هذا القول الكريم أيضاً إيضاحٌ لطلاقة قدرة الحق سبحانه.
ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا:
{ { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } [إبراهيم: 35].
والصنم غير الوثن، فالمُشكَّل بشكل إنسان هو الصنم؛ أما قطعة الحَجَرِ فقد والتي خَصَّها بعضٌ من أهل الجاهلية بالعبادة فهو الوثن.
وهناك مَنْ أراد أنْ يخرج بِنَا من هذا المأزِق؛ فقال: إن الكفر نوعان. شرك جَلي؛ وشرك خفيّ. والشرك الجليّ أن يعبدَ الإنسانُ أيّ كائن غير الله؛ والشرك الخفيّ أن يُقدّس الإنسانُ الوسائطَ بينه وبين الله، ويعطيها فوق ما تستحق، وينسب لها بعضاً من قدرات الله.
ودعاء إبراهيم عليه السلام أن يُجنِّبه وبنيه أنْ يعبدوا الأصنامَ يقتضي مِنّا أن نفهم معنى كلمة أبناء؛ ذلك أن إبراهيم قصد بالدعاء بنية الذين يَصِلُون إلى مرتبة الرسالة والنبوة مثله؛ ذلك أننا نعلم أن بعضاً من بنية قد عبدوا الأصنام والأوثان.
ومعنى كلمة "أبناء" أوضحه سبحانه في مواطن أخرى. ونبدأ من قوله:
{ { وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ .. } [البقرة: 124].
أي: بعد أن أخبر الله إبراهيم، وكلّفه بالمهام التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها على وجه التمام؛ أمّنه الحق على أن يكون إماماً؛ فقال سبحانه:
{ { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً .. } [البقرة: 124].
أي: أن حيثية الإمامة هي أداء إبراهيم عليه السلام لكل مهمة بتمامها وبدِقّة وأمانة، وإذا كان هذا هو دستورَ الله في الخَلْق؛ فلا بُدّ لنا من أن نتخلَّقَ بأخلاق الله. وعلينا ألا نختار أيَّ إنسان لأية مهمة ليكون إمامها، إلا أنْ كان كُفْءً لها ويُحسِن القيام بها.
ولنتذكر قوله صلى الله عليه وسلم:
"إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظِر الساعة" . قال السائل له عن موعد قيام الساعة: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" .
ذلك أن إسناد أيّ أمر لغير أهله إنما هو إفساد في الوجود، لأن الأصل في إسناد أيّ أمر لأي إنسان أن يكون بهدف أن يقومَ بالأمر كما يجب، فإذا كان الاختيار سيئاً؛ فسيكون هذا الإنسان أُسْوة في السوء؛ وتنتقل منه عدوى عدم الإتقان إلى غيره؛ ويتفشَّى السوء في المجتمع، أما إذا تولى الأمر مَنْ هو أَهْلٌ له فالموقف يختلف تماماً، فوضع الإنسان في مكانه اللائق، تعتدل به موازين العدل، وفي اعتدال الميزان استقرار للزمان والمكان والإنسان.
والمَثلُ على ذلك: أن الأولاد الذين تربَّوْا في السعودية؛ ورأََوْا أن يد السارق تُقطع؛ لم نجد منهم مَنْ يسرق؛ لأنهم تربَّوْا على أن السارق تُقطع يده، وفهموا أن الحق سبحانه لحظة أنْ يضعَ عقوبة قاسية؛ فليس هذا إذْنٌ بأن تقع الجريمة؛ بل ألاَّ تقعَ الجريمة.
وحين يتساءل مَنْ يدَّعُون التحضرُّ: كيف يقول القرآن:
{ { لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ .. } [البقرة: 256].
وحين تجدون مَنْ يخرج عن الدين تقبضون عليه، وينادي البعض بإعدامه؟
ولهؤلاء أقول: وهل هذا الأمر يُحسب على الإسلام أم لصالح الإسلام؟
إنه لصالح الإسلام، ذلك أن مِثْل هذا الحرص على كرامة الدين يُهيِّب الناس أنْ يدخلوا الدين إلا بعد الإقناع المؤدي لليقين، واليقين هو الوصول إلى الدين الحقّ مصحوباً بدليل.
يقول الحق سبحانه:
{ { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ .. } [فصلت: 53].
بهذا نعلم أن دخول الإسلام سيُكلّفه حياته لو أراد أنْ يخرجَ منه، لأنه خرج من اليقين الذي دخله بالدليل.
وحين دعا إبراهيم - عليه السلام - ربه:
{رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35].
كان قد نجح في اختبار الله له، ونجح في أداء ما أُسنِد إليه تماماً؛ وشاء له الحق سبحانه أن يكون إماماً، واستشرف إبراهيم عليه السلام أن تكون الإمامة في ذريته؛ فقال:
{ { وَمِن ذُرِّيَّتِي .. } [البقرة: 124].
فجاءه الجواب من الحق سبحانه:
{ { لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ } [البقرة: 124].
وهكذا أوضح الحق سبحانه أن بُنوه الأنبياء ليست بنوة لَحْم ودم؛ بل بُنُوة اتباع واقتداء، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال لنوح عن ابنه:
{ { فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .. } [هود: 46].
ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال عن سلمان الذي كان فارسياً:
"سلمان منا آل البيت" .
وفي هذا تأكيد على أن بنُوّة الأنبياء هي بنُوّة اتباعٍ واقتداء.
ويستكمل الحق سبحانه دعاء إبراهيم عليه السلام؛ فنجد وَعْي خليل الرحمن بما تفعله عبادة الأصنام:
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً ...}.