التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
١٦١
-آل عمران

خواطر محمد متولي الشعراوي

ما معنى "يغُل"؟ أولاً: "الغلول" هو الأخذ في الخفاء. وهو مأخوذ من "أغل الجازر" - أي الجزار - أي عندما يسلخ الجلد يأخذ بعض اللحم مع الجلد، ثم يطوي الجلد مخفياً ما أخذه من اللحم، هذا هو الأصل، وأطلق شرعاً على الخيانة في الغنائم، ففي هول المعارك قد يجد المقاتل شيئاً ثميناً فيأخذ هذا الشيء خفية، وهذا اسمه "الغلول"، وأيضاً كلمة "الغِلُّ في الصدور" أي إخفاء الكراهية، وكل المادة إخفاء.
والحق يقول: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] لماذا؟ لأن من الجائز أن الرماة - في غزوة أحد - ساعة رأوا الغنائم أقبلوا عليها؛ لأن غنائم بدر لم تكن قد قسمت بين كل من اشتركوا في القتال، فالذي كان يعثر على غنيمة كان يأخذها، وكانت بدر أول معركة، وكان الهدف من ذلك تشجيع المقاتلين. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم: قد قال:
"من قتل قتيلاً فله سلبه" .
وظن المقاتلون في أحُد أن المسألة ستكون مثل بدر، وظن البعض أن الرسول لن يعطيهم غنائم، فيوضح الحق سبحانه وتعالى: بأن هذه مسألة وتلك مسألة أخرى، فمن يفعل مثل هذا يكون قد غَل. وساعة تسمع: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] أي أن من طبعه صلى الله عليه وسلم ومن فطرته وسجيته ألاَّ يتأتى ذلك منه أبداً، لكن من الجائز أن يحدث مثل ذلك من واحد من أمته، إذن فهناك فرق بين امتناع المؤمن أن يكون غالاً، أي يأخذ لنفسه شيئاً من الغنيمة، وامتناع الرسول أن يكون غالاً، لأن طبعه وسجيَّته لا تستقيم مع هذه، لكن الأمر يختلف مع المقاتلين؛ فمن الممكن أن يكون أحدهم كذلك، فسيدنا عمر في معركة الفرس، حينما جاء جماعة بتاج كسرى، والتاج فيه كل النفائس وتلك سمة عظمة الملوك، فقال الفاروق عمر: إن قوماً أدوا إلى أميرهم هذا لأمناء. فقد كان من الممكن أنهم يخفونه.
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] وساعة تسمع "وما كان" أي: وما ينبغي ولا يصح أن يكون ذلك الأمر، وبعد ذلك يأتي بالحكم العام فيمكن أن يحدث غلول من أحَدٍ فيقول: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161] فالذي غل في حاجة وخان فيها يأتي بها يوم القيامة كما صورها الرسول صلى الله عليه وسلم:
"والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حلّة إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رُغاء أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيعَر، ثم رفع يديه حتى رُئيَ بياض إبطيه يقول: اللهم قد بلغت" .
إن من يأخذ حراماً في خفية يأتي يوم القيامة وهو يحمل البعير أو البقرة أو الشاة مثلاً. وآه لو كان ما أخذه حماراً فله نهيق!!
فإذا كان سيأتي بما غَل يوم القيامة - فالذي أخذه سيفضحه - ولذلك تسمى "الفاضحة"، و"الطامة". إذن فمن الممكن في الدنيا أن يأخذها خفية ويغُل. لكن سيأتي في يوم القيامة وهو يحمل ما أخذه على ظهره، ثم يقول منادياً رسول الله: يا محمد .. يا محمد، لأن كل مسلم قد علم واطمأن إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رءوف ورحيم وأنه لن يرضى بهذه الحكاية، لكن رسول الله أبلغ عن عقاب من يفعل ذلك في حياته، وعلى كل المؤمنين به ألا يفكروا في الغلول وأخذ الغنيمة خفية.
ولماذا تكون الغنيمة في الحرب شراً؟ لأن المقاتل يعيش أثناء القتال في مهمة أن تكون كلمة الله هي العليا فكيف يرضى لنفسه بهذه المهانة وهي إخفاء الغنيمة؟ إنه يحارب من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ويجب أن يكون في مستوى ذلك.
وبعد ذلك يأتي الحق بالقضية العامة: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} [آل عمران: 161]، وهي تشمل الغلول في الغنيمة والغلول في غير الغنيمة، ولنتصور هذه بالنسبة لكل من يخون أمانة أؤتمن عليها، وأنه سيأتي يوم القيامة يحمل عمارة - مثلاً - لأنه بناها بغير أمانة أو يحمل أطناناً من سمك لأنه سرقها، أو يحمل أطناناً من الجبن الفاسد التي استوردها. فكل من سرق شيئاً سيأتي يوم القيامة وهو يحمله، وإذا كنا نشهد أن الناس لا تطيق أن تفضح بين الخلق، والخلق محدودون لأنهم المعاصرون، فما بالك بالفضيحة التي ستكون لعموم الخلق من أول آدم إلى أن تقوم الساعة. إذن فعلى كل إنسان أن يحرس نفسه لأن المسألة ستنفضح.
{وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161] وما دام سبحانه سيوفى كل نفس ما كسبت فكل سيأخذ قدر ما فعل، فلا ظلم، فلو ترك الأمر بلا حساب لكان هذا هو الظلم وحاشاً لله أن يظلم أحداً، وبعد تلك التهيئة والإيضاح يقول سبحانه:
{أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ ...}.