التفاسير

< >
عرض

تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
٢
-غافر

خواطر محمد متولي الشعراوي

مادة نزل وردتْ في القرآن بصيغ عدة: أنزلنا، نزَّلنا، تنزيل، نزل. وكلها تعطي معنى العلو للذي نُزِّل، وصفة العلو تدل على أن المنزَّل ليس من صُنْع البشر، وتدل على عظمة المنزَّل ومنزلته، حتى إنْ كان من جهة الأرض لا من جهة السماء، كما قال تعالى في الحديد: { وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ .. } [الحديد: 25].
ومعلوم أن الحديد يُستخرج من الأرض لا ينزل من السماء، فالمعنى: أنزلناه على أنه هبة العالي للأدنى، ولا بدَّ أن يكون الأعلى أعظم من الأدنى. ونقول ذلك حتى في الأحكام والقوانين حين نريد أنْ نشرع ونُقنِّن القوانين.
لا تتركوا قوانين الأعلى وتأخذوا بقوانين الأدنى، لأن المقنِّن الأعلى سبحانه غير المقنِّن من البشر، فمهما بلغ من العلم والحكمة فلن يخلو من هوى ولن يتنزَّه عن غرض، فإنْ كان من الأغنياء يُقنِّن للرأسمالية، وإنْ كان فقيراً قنَّن للشيوعية.
لذلك يُشترط فيمن يُقنِّن ألاَّ يكون له هوىً، وألاَّ يكون منتفعاً بما يقنن، وأنْ يكون محيطاً بالأمور كلها بحيث لا يستدرك عليه ولا ينسى جزئية من جزئيات الموضوع، وهذه الشروط كلها لا تتوفر إلا في الحق سبحانه، لذلك لا يجوز لنا أن نترك قانون الله وشرعه ونتحاكم إلى قانون البشر.
لذلك تعرَّض الإسلامُ لحملات ضارية وانتقادات من غير المسلمين كان آخرها الضجة التي أثاروها في الفاتيكان على الطلاق في الإسلام، لأنهم قننوا لأنفسهم بعدم الطلاق، لكن الطلاق في الإسلام مَنْ شرعه؟ الله لا البشر.
إذن: فهو الصواب وغيره خطأ، لأنك لا تستطيع أبداً أنْ تديمَ علاقة بين زوجين يكره كل منهما الآخر وهو مأمون عليها وهي مأمونة عليه؟ كيف تحكم عليَّ أن أعيش مع امرأة لا تثير غرائزي.
إذن: شُرِع الطلاق في الإسلام لحكمة، لأن المشرِّع سبحانه أعلم بطبائع الخَلْق، ومرتْ الأيام وألجأتهم أقضية الحياة ومشاكل المجتمع لأن يُشرعوا هم أيضاً الطلاق، ما أباحوه لأن الإسلام أباحه ولا محبةً في دين الله ولا إيماناً بشرع الله، إنما أباحوه لأن الحياة فرضتْ عليهم قضايا لا تُحلُّ إلا بالطلاق.
وهذه المسألة هي التي أجبنا بها حين سُئلنا في سان فرانسيسكو عن قوله تعالى:
{ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ } [الصف: 8] وقال: { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } [التوبة: 33].
يقولون: مرَّ على الإسلام أربعة عشر قرناً من الزمان وما يزال أغلب الناس غير مسلمين، والإسلام ليس هو الدين الغالب بل مُهدَّد ومُحارَب. قلنا: لو تأملتم معنى الآية لعرفتم أن إظهار الدين لا يعني أن يؤمن كل الناس، إنما يظهر على غيره من الشرائع والقوانين ويضطر غير المسلمين لأنْ يأخذوا بالإسلام في حَلِّ قضاياهم، وقوله تعالى:
{ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } [التوبة: 33] { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ } [التوبة: 32] دليلٌ على وجود الكفار والمشركين مع وجود الإسلام.
وكلمة (الكِتَابِ) أي: القرآن، سماه الله كتاباً لأنه مكتوب، وقرآناً لأنه مقروء، أو هو كتاب إيذاناً بأنْ يكتب، وهو قرآن إيذاناً بأنْ يُقرأ، والقراءة إما من السطور وإما من الصدور الحافظة، وسمَّاه وحياً لأنه أُوحِي به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم:
{ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ } [النجم: 4] إذن: لكل تسمية ملحظ.
ولما أرادوا جمع القرآن اشترطوا أن تتوافق فيه الصدور والسطور، فما كتبوا آية واحدة إلا إذا وجدوها مكتوبة في الرقاع وشهد شاهدان بصحتها، ورحم الله سيدنا الشيخ محمد عبد الله دراز الذي قرن بين هذه المسألة وقوله تعالى:
{ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ .. } [البقرة: 282].
ثم يقول سبحانه: {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} [غافر: 2] فهذا الكتاب مُنزَّل من عند الله المتصف بصفات الكمال المطلق، وله سبحانه طلاقة قدرة وطلاقة حكمة وطلاقة رحمة وطلاقة رحمانية، وما دام الكتاب جاء ممَّنْ هذه صفاته فلا يمكن أنْ يستدرك عليه، وما دام لا يستدرك عليه فصدِّقوا الآية:
{ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً .. } [المائدة: 3].
لذلك نعجب من الذين ينادون الآن بعصرنة الإسلام، ونقول لهم: بدل أن تُعصرنوا الإسلام دَيِّنوا العصر.
وصفة (العَزِيزِ) أي: الغالب الذي لا يُغلب، وما دام أن هذا الكتاب نزَّله عزيز لا يُغلب، فلا بدَّ لهذا الكتاب أنْ يعلو وأنْ يُنشر وأنْ يسمعه الناس لا يغلبه أحد، لأن مُنزله عزيز، ولأن الله تعالى ما كان ليبعث به رسولاً ويتركه أو يخذله، فمهما عاندوا ومهما تكبروا وجحدوا سيغلب هذا القرآن، ولن يُغلبَ أبداً في أيِّ مجال من المجالات.
وكأن الحق سبحانه يقول للكفار وعبدة الأصنام: خذوا لكم عبرة من واقع الأشياء حولكم، فمحمد وأتباعه بعد أنْ كانوا مُحاصرين مضطهدين أصبحوا في ازدياد يوماً بعد يوم، وأرض الإسلام أصبحتْ في ازدياد وزيادة أرض الإسلام نقصٌ من أرض الكفر:
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } [الرعد: 41].
وقال الحق سبحانه وتعالى:
{ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } [الحج: 15].
يعني: مَنْ كان يشك في نصر الله وتأييده فليبحث له عن مسلك آخر وليأت بحبل يُعلِّقه في السماء ويجعل رقبته فيه ثم ليقطع، فلينظر هل يُذهِب هذا غيظه؟ وقد قال الله تعالى في بيان سنته في نصرة رسله وعباده الصالحين:
{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } [الصافات: 171-173].
إذن: فالحق سبحانه ما كان ليكبت دينه، ولا يخذل رسله، أو يتخلى عن نُصْرة أوليائه.
وقوله تعالى: {ٱلْعَلِيمِ} [غافر: 2] تعني: أن عزته سبحانه ليست (فتونة) بلا رصيد، إنما هي عزة بعلم، وعزة بحكمة، وعزة برحمانية ورحيمية، فله سبحانه كل صفات الكمال المطلق.
ثم يقول سبحانه:
{غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ...}.