التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
١٠
-الفتح

خواطر محمد متولي الشعراوي

الحديث هنا عن بيعة الحديبية التي كانت عند شجرة الرضوان التي قال الله فيها في نفس هذه السورة { لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } [الفتح: 18].
إذن: الفتح الذي نحن بصدده ظهرت بشائره في هذه البيعة في بداية الفتح الأعظم، لذلك لما اعترض سيدنا عمر وقال لسيدنا رسول الله: لِمَ نُعطِ الدنية في ديننا؟ نهره الصِّديق أبو بكر وقال له: الزم غرزك يا عمر. يعني: لا تتعد حدودك واعرف مكانك.
وكان الصِّديق يقول: والله ما كان فَتْحٌ في الإسلام أعظمَ من فتح الحديبية، لماذا؟ لأنه الذي مهَّد لفتح مكة، ولكن الناس وقتها لم يتسع ظنهم لما بين محمد وربه، ومن طبيعة الناس العجلة.
أما الحق سبحانه فلا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد، وتعلمون قصة السيدة أم سلمة
"لما دخل عليها سيدنا رسول الله مُغْضباً، فقالت له: ما أغضبك يا رسول الله؟ قال: هلك المسلمون يا أم سلمة أمرتهم فلم يمتثلوا. قالت: يا رسول الله إنهم مكروبون جاءوا على شوق لرؤية الكعبة، ثم يُمنعون عنها وبينهم وبينها كذا وكذا، اعذرهم يا رسول الله وانظر إلى ما أمرك الله به فافعله ولا تكلم أحداً، فإنهم إنْ رأوك فعلتَ فعلوا" .
ونحجت خطة أم سلمة ونجى المسلمون من فتنة كادت تهلكهم، صحيح هي عصبية إيمانية وأمر في ظاهره يُرضي رسول الله، لكن إنْ كان الأمر الأعلى من الله فهو أَوْلى بالسمع والطاعة.
لذلك قالوا: من الشجاعة أن تجبن ساعة، هَبْ ونحن جالسون في مكان وبيننا أكابر وعظماء ودخل علينا مجرم وفي يده مسدس وأمرنا بالقيام وهددنا، ماذا نفعل؟ لابّد أنْ نمتثل لأمره في هذا الموقف حتى لا نخاطر بأنفسنا.
فهناك شجاعة على الغير، وشجاعة على النفس، وهذه من الحنكة والسياسة، وهذا ما فعله رسول الله وما رآه بما لديه من نورانية موصولة بالحق سبحانه.
وكان هذا الصلح رفعة للإسلام وإعلاءً لرايته مع أنهم عادوا ولم يدخلوا مكة، ذلك لأن قريشاً كانت تتخذ من الإسلام عدواً، ولا تسمح له بأنْ يُعبِّر عن نفسه، والآن تفتح معه باب الحوار والمناقشة. إذن: أصبح للإسلام كيان وكلمة تُسمع، وارتفع عن ذلّة الماضي وهوانه.
كذلك كان الصلح تهدئة لقريش وإزالة لما لديها من حقد وشحناء ضد المسلمين، فبالصلح معهم نأمن جانبهم لنتفرغ لنشر الدعوة في باقي جزيرة العرب، وقبل أنْ يصل المسلمون في طريق عودتهم إلى المدينة بيَّن الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم المسألة، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ..} [الفتح: 10].
والمبايعة عقد بين طرفين واتفاق، والبيع أمر محبوب للإنسان على خلاف الشراء، لذلك قال تعالى في الجمعة
{ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ .. } [الجمعة: 9] لأنك تحب أن تبيع، أما الشراء فلا تحرص عليه كما تحرص على البيع وقد تشتري وأنت كاره.
إذن: يبايعونك يعني: يعقدون معك عقد بيع، هذا العقد شرحه الحق سبحانه في قوله:
{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ .. } [التوبة: 111].
إذن: عقدوا هذه الصفقة مع الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ..} [الفتح: 10] لأنك يا محمد لا تأخذ شيئاً لنفسك، إنما تأخذ لمنهج الله الذي أرسلك به وبعثك من أجله.
فبيعة الرسول هي في الحقيقة بيعة لله، لذلك قال: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ..} [الفتح: 10] أي: فوق الأيدي التي امتدتْ لتبايع رسول الله، فكانت يد الله فوق يد الجميع، لأن المنة هنا من الله فلا تظنوا المنة منكم بأن بايعتم، بل المنة من الله عليكم، ويده فوق أيديكم وهو الذي ساق لكم هذا الخير الذي يُسعدكم في الدنيا وفي الآخرة.
واليد هنا ليست هي اليد التي نعرفها كأيدينا، بل هي يد المنَّة والمعروف، كما تقول مثلاً: فلان له علىَّ يد. يعني: نعمة أو مكْرمة وجميل.
وقوله: {فَمَن نَّكَثَ ..} [الفتح: 10] أي: نقض عهده {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ..} [الفتح: 10] فهو المضار، لأن الله تعالى لا يضره شيء من أفعال العباد، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية.
وفي المقابل: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ ..} [الفتح: 10] يعني: وفَّى وكان عند العهد الذي أخذه على نفسه {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ..} [الفتح: 10].
ذكر البخاري ومسلم هذه القصة، وأن الحديبية مكان يبعد عن مكة حوالي 22 كم عند شجرة كانت مائلة فسميت الحديبية، أو عند عين ماء كانوا يرتوون منها، وأن عددهم كان ألفاً وأربعمائة، في رواية البخاري روى سيدنا سلمة بن الأكوع أنهم بايعوا رسول الله على الموت، وفي رواية مسلم أنهم بايعوه على ألاَّ يفروا من المعركة.