التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
١
وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
٢
وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
٣
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ
٤
ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٥
ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً
٦
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً
٧
لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً
٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٩
إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ
١٠
هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً
١١
وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً
١٢
وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً
١٣
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً
١٤
وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً
١٥
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٦
-الأحزاب

الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم

لمَّا أُمِرَ صلى الله عليه وسلم بالإعْراض عنهم، نهاه عن إطاعتهم، فقال {بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ * يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ}: اثبت على تقواه {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}: فيما فيه وهن دينك {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً}: بالمصالح {حَكِيماً}: فيما حكم به {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}: في كل الأمور {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}: لأنه معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني أو لا ومنبع القوى بأسرها فيمتنع تعدده، رد به قول من قال: لي قلبان يعقل كل منهما أفضل من عقل محمد، وكانوا يقولون للبيب ذو القلبين {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ}: بقولكم: أنت كظهر أمي ونحوه {أُمَّهَاتِكُمْ}: حتى تجعلوه فرقة مؤبدة بينكما كما في الجاهلية وتخصص الظهر، لأنه محل الركوب، وهي إذ غشيت تركيب غالبا فمعناه: حرم علي ركوبك كركوب ظهر الأم {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ}: من تبنونهم {أَبْنَآءَكُمْ}: حقيقة كزيد بن محمد بمجرد تنبيه والمتبنى المجهول النسب إن أمكن ثبوته سنًّا ينسب بشرط تصديقه إن كان بالغا، ويعتق بلا تصديق، وإن لم يمكن فلا يعتق خلافا للحنفية {ذَٰلِكُمْ}: المذكور أو الأخير {قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ}:بلا حقيقة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما تزوج زينب قال المنفقون: تزوج امرأة ابنه {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ}: الحق {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ}: كزيد بن حارثة {هُوَ}: دعاؤهم كذلك {أَقْسَطُ}: أعدل {عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}: فادعوهم أخي ومولاي بهذا المعنى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}: إثم {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ}: من النسبة {وَلَـٰكِن}: الجناح في {مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}: به، في الحديث: "مَلعُونٌ من نُسبَ إلى غَير أبيه" ، وفي منسوخ القرآن: "لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آباءكم" {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً * ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}: في كل الأمور، فيجب كونه أحب {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}: حرمة واحتراما، فلا يقال لهن: أمهات المؤمنات وقرئ: (وهو أبٌ لَهُم)، أي: دينًا، فالمؤمنون إخوة {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ}: ذوو القرابات {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}: في الإرث {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ}: فريضته {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: بحق الدين {وَٱلْمُهَاجِرِينَ}: بحق الهجرة، نسخ الإرث بهما بهذه الآية، وبالأنفال {إِلاَّ}: لكن {أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ}: من أحبابكم {مَّعْرُوفاً}: بوصية فجائر {كَانَ ذَلِكَ}: الحكم {فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً}: وخلافه شرع قبل لمصالح {وَ}: اذكر {إِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ}: في التبليغ {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ}: ذكر أولي العزم لمزيد شرفهم {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً}: شديدا {لِّيَسْأَلَ}: الله {ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ}: في التبليغ تبكيتا للكفرة فأثابهم {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ}: حين اتفق المشركون وأهل الكتاب، وهم خمسة عشر ألفا، وحاصروا المدينة شهرا، والنبي صلى الله عليه وسلم حفر الخندق بشَوْر سلمان، ولم يقع بينهم إلا الترامي {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً}: الصبا، قلعت خيامهم {وَجُنُوداً}: من الملائكة {لَّمْ تَرَوْهَا}: فكبروا من جوانبهم حتى انهزموا خائفين {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ}: أعلى الوادي {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ}: أي: أحاطوا بكم {وَإِذْ زَاغَتِ}: مالت {ٱلأَبْصَارُ}: عن مستوى نظرها حيرة {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ}: من الرعب {ٱلْحَنَاجِرَ}: منتهى الحلقوم إذ الرئة تنتفخ بالروح فيرتفع بارتفاعها إليه، ولما اشتكوا منه قال عليه الصلاة والسلام: "قُوْلُوا: اللّهُمّ اسْتُر عوراتنا وآمن روعتنا" {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ}: أنواع الظن المؤمنون إنجاز وعده والمنافقون إخلافه، وزيدت الألف تشبيها للفواصل بالقوافي {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ}: اختبر {ٱلْمُؤْمِنُونَ}: فظهر المخلص من غيره {وَزُلْزِلُواْ}: بالخوف {زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}: ضعف اعتقاده {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}: باطلا {وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ}: المنافقون {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ}: اسم المدينة قديما فغيرها عليه الصلاة والسلام بطيبة، لما فيه معنى اللوم {لاَ مُقَامَ لَكُمْ}: هنا عند النبي صلى الله عليه وسلم {فَٱرْجِعُواْ}: هاربين أو مرتدين {رْجِعُواْ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ}:للرجوع {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}: مُخْتلّة بلا حصن {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن}: ما {يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ}: بيوتهم {عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا}: جوانبها {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ}: الشرك {لآتَوْهَا}: فعلوها {وَمَا تَلَبَّثُواْ}: في إجابة الفتنة {بِهَآ إِلاَّ}: لبثا {يَسِيراً}: لحبهم الكفر {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ}:في الزحف {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً}: عن الوفاء به {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً}: إن فررتم {لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ}: زمانا {قَلِيلاً}: بقية آجالكم