التفاسير

< >
عرض

إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ
٦٣
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ
٦٤
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ
٦٥
فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ
٦٦
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ
٦٧
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ
٦٨
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ
٦٩
فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ
٧٠
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ
٧١
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ
٧٢
فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ
٧٣
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
٧٤
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ
٧٥
وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ
٧٦
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ
٧٧
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ
٧٨
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ
٧٩
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
٨٠
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
٨١
ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ
٨٢
وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ
٨٣
إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
٨٤
إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ
٨٥
أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ
٨٦
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٨٧
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ
٨٨
فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ
٨٩
فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ
٩٠
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ
٩١
مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ
٩٢
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ
٩٣
فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ
٩٤
قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ
٩٥
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
٩٦
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ
٩٧
فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ
٩٨
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ
٩٩
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ
١٠٠
فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ
١٠١
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ
١٠٢
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
١٠٣
وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ
١٠٤
قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
١٠٥
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ
١٠٦
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
١٠٧
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ
١٠٨
سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ
١٠٩
كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
١١٠
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
١١١
وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ
١١٢
وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ
١١٣
-الصافات

الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم

{إِنَّا جَعَلْنَٰهَا فِتْنَةً}: ابتلاء {لِّلظَّٰلِمِينَ}: لإنكارهم نباتها في النار {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ}: قعْر {ٱلْجَحِيمِ}: وأغصانها تصل إلى دركتها {طَلْعُهَا}: ثمرها في تناهي القبح {كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ}: الحيات القبيحة، أو تشبيه تخييلي {فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا}: طلعها {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ}: للجوع أو الجبر على أكلها {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا}: بعد شبعهم منها وعطشهم {لَشَوْباً}: شرابا من عساق أو صديد مشوبا بماء {مِنْ حَمِيمٍ}: ماء حار يقطع أمعاءهم {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى}: أصل {ٱلْجَحِيمِ}: فإنهما كانا نزلا قبل دخولها {إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ}: وجدوا {آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ * فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ}: يسرعون شديدا كناية عن مبادرتهم إليه بلا نظر {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ}: قبل قومك {أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ}: رسلا {مُّنذِرِينَ * فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ}: فظاعة {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}: المنتهين بالإنذار {وَلَقَدْ نَادَانَا}: دعانا {نُوحٌ}: بعد يأسه بقوله: { أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } }: [القمر: 10] {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ}: نحن {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ}: الغرق أو الأذية {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ}: سام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك، ويأجوج ومأجوج {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ}: إلى القيامة أي: يقولون: {سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ}: أى هذه الكلمة {فِي ٱلْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ}: الجزاء {نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ}: تعليل إحسانه بالإيمان، إجلالا لشأن الإيمان {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ * وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ}: ممن شايعه في أصوله دينه {لإِبْرَاهِيمَ}: بينهما الف ومائة واثنتان وأربعون سنة، وبعث بينهما هود وصالح، اذكر {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}: من النقائص {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ}: إنكارا {مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ}: أي: أتريدونها للعبادة دون الله للإفك {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}: هل يترككم بلا عذاب مع شرككم، فخرجوا إلى عيدهم وتركوا طعامهم ع أصنامهم ليرجعوا ويأكلو تبركا وقالوا له أخرج معنا {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي}: علم {ٱلنُّجُومِ}: إذ كانوا منجمين {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ}: سأسقم بالطاعون أوهمهم أنه استدل بها ليسمعوا منه أو كان عام النجوم حقًّا من النبوة ثم نسخ، بل النسخ في الأحكام {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ}: هاربين مخافة العدوى {فَرَاغَ}: ذهب خفيةً {إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ}: لهم سخرية: {أَلا تَأْكُلُونَ}: من هذه الأطعمة {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ}: أقبل خفية {عَلَيْهِمْ}: يضرب {ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ}: لقوة اليمين أو بالقسم وهو: { وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ } }: [الأنبياء: 57] فكسرها فبلغ قومه {فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ}: أي: إلى إبراهيم بعد رجوعهم {يَزِفُّونَ}: يسرعون وقالوا: أأنت تكسر معبودنا { قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}: تعلمونه أو عملكم، يعني معمولكم، إذ جوهره بخلقه وشكله بإقداره غياهم عليه أو بمعنى الحدث، ويدل على خلق الأعمال، ويرجع عل الأولين بعدم الحذف والمجاز {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً}: حائطاً طوله ثلاثون وعرضه عشرون، واملئوه حطباً واضرموه بالنار {فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ}: النار الشديدة، فألقوه فيها {فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً}: شرا {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ}: الأذلين بإبطال كيدهم وإعزازه {وَقَالَ}: بعد خروجه منها: {إِنِّي ذَاهِبٌ}: مهاجر {إِلَىٰ}: حيث أمرني {رَبِّي سَيَهْدِينِ}: إلى صلاحي، بت القول لسبق وعده، وأما قول موسى: { عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي } }: [القصص: 22] إلى آخره فقبل النبوة هاجر إلى الشام، وقال: {رَبِّ هَبْ لِي}: أي: ولدا {مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}: ولفظ الهبة غالب في الولد {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ}: بحيث انقاد حين عرض ذبحه عليه وهو إسماعيل على الأصح لحديث "أنا ابن الذبيحين" : ولعطف بشارة إسحاق على بشارته {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ}: سنا أي: يسعى معه في أعماله وكان ابن ثلاثة عشر سنة {قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ}: أتى بالمضارع لتكررها ثلاث ليال: التروية وعرفة والنحر، وبذلك يظهر وجه تسمية الكل {فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}: رأى ذلك أو ما يعبر به ورؤيا الأنبياء وحي {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}: من الرأي، اختبر صبره على الطاعة {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ}: به، ولا تشاورني {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا}: انقادا لأوامر الله تعالى {وَتَلَّهُ}: أضجعه {لِلْجَبِينِ}: على إحدى جانبي الجبهة بـ "منى" عند منحر الناس اليوم، وأمر السكين بقوته على حلقه مرارا فلم تقطع وجواب لما كان ما كان من السرور، دل عليه {وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ}: بعزمك والإتيان بما في وسعك {إِنَّا كَذَلِكَ}: الجزاء {نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}: بتفريج شدتهم، أفاد جواز النسخ قبل وقوعه {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ}: الاختبار {ٱلْمُبِينُ}: البين {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ}: ما يذبح بدله {عَظِيمٍ}: جثة أو قدرا، هو كبش أقرن أملح جاء به جبريل من الجنة، قيل، هو الذي تقبل من هابيل وهرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سن فيها ما يدل على أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاه إذ لا نذر فيها ولا لزومية {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ}: كما مر {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ}: بوجوده {نَبِيّاً}: مقضيا بنبوته {مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}: ومن جعله الذبيح يجعل البشارة بنبوته {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ}: بتكثير ذريته {وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ}: بجعل أكثر الأنبياء من نسله {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ}: بالإيمان {وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}: بالكفر {مُبِينٌ}: ظلمه، أفاد أن النسب لا يؤثر في الهدى والضلال