التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢٣
مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٢٤
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
٢٥
أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
٢٦
فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ
٢٧
قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ
٢٨
وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ
٢٩
وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٣٠
وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ
٣١
قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٣٢
قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ
٣٣
وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٣٤
-هود

النهر الماد

{إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية، والفريقان هنا الكافر والمؤمن، ولما كان تقدم ذكر الكفار وأعقب بذكر المؤمنين جاء التمثيل هنا مبتدأ بالكافر، فقال: كالأعمى والأصم. ويمكن أن يكون من باب تشبيه اثنين باثنين فقوبل الأعمى بالبصير وهو طباق، وقوبل الأصم بالسميع وهو طباق أيضاً.
{هَلْ يَسْتَوِيَانِ} استفهام معناه النفي أي لا يستويان مثلاً أي صفة.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} الآية.
{أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} ظاهر في أنهم كانوا يعبدون الأوثان كما جاء مصرحاً به في غير هذه السورة وان بدل من أني لكم في قراءة من فتح ويحتمل أن تكون أنْ المفسرة واما في قراءة من كسر فيحتمل أن تكون المفسرة والمراعى قبلها اما أرسلنا واما نذير مبين. ويحتمل أن تكون معمولة لا أرسلنا أي بأن لا تعبدوا إلا الله وذكروا في بادىء الرأي أنه منصوب على الظرف.
والظاهر ان العامل فيه اتبعك وان كان الظرف جائياً بعد إلا. والمعنى اتبعك في بادىء رأيهم أراذلنا. وقرىء: بادىء الرأي من بدأ يبدأ. ومعناه أول الرأي. وقرىء: بادي بالياء من بدا يبدو، ومعناه ظاهر الرأي.
{قَالَ يٰقَوْمِ} لما حكى شبهتهم في إنكار نبوته عليه السلام وهي قولهم: ما نراك إلا بشراً مثلنا، ذكر أن المساواة في البشرية لا تمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة، ثم ذكر الطريق الدال على إمكانه على جهة التعليق والإِمكان، وهو متيقن أنه على بينة من ربه ومن معرفته وتوحيده وما يجب له وما يمتنع، لكنه ابرزه في طريق الشرط والجزاء على سبيل الفرض لهم والاستدراج للإِقرار بالحق وقيام الحجة على الخصم. والبينة: البرهان والشاهد بصحة دعواه.
و{رَحْمَةً} قال ابن عباس: الرحمة النبوة.
{فَعُمِّيَتْ} مبنياً للمفعول مع شد الميم. والظاهر أن الضمير عائد على البينة، وبذلك يحصل الذم لهم من أنه أتى بالمعجزة الجليلة الواضحة وانها على وضوحها واستنارتها خفيت عليهم.
{أَنُلْزِمُكُمُوهَا} تعدى لمفعولين أحدهما ضمير الخطاب. والثاني ضمير الغيبة واتصاله أفصح. ويجوز في الكلام انفصاله فتقول: أنلزمكم إياها.
{وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} الآية، تلطف نوح عليه السلام بندائه إياهم بقوله: ويا قوم. ويا قوم استدراجاً لهم في قبول كلامه كما تلطف مؤمن آل فرعون بقوله: يا قوم يا قوم. والضمير في عليه عائد على الإِنذار. وافراد الله تعالى بالعبادة المفهوم من قوله: اني لكم نذير مبين ان لا تعبدوا إلا الله. وتقدم تفسير الجمل الثلاثة في الانعام.
و{تَزْدَرِيۤ} تفتعل. والدال بدل من التاء. قال الشاعر:

ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أنوابه أسد هصور

والعائد على الموصول محذوف، أي تزدريهم، أي تستحقرهم أعينكم.
و{لَن يُؤْتِيَهُمُ} معمول لقوله: ولا أقول، وللذين معناه لأجل الذين.
{قَدْ جَادَلْتَنَا} الظاهر المبالغة في الخصومة والمناظرة.
{فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} إشارة إلى قوله: إني أخاف عليكم عذاب يوم اليم. وبما يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي. وحذف العائد تقديره بما تعدنا به ويجوز أن تكون مصدرية، أي بوعدك إيانا.
{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ} الآية، أي ليس ذلك إلي، إنما هو لله الذي يعاقبكم على عصيانكم إن شاء فعل. ولما قالوا قد جادلتنا وطلبوا تعجيل العذاب، وكان مجادلته لهم إنما هو على سبيل النصح والإِنقاذ من عذاب الله تعالى.
قال: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ} وهذان الشرطان اعتقب الأول منهما قوله: ولا ينفعكم نصحي، وهو دليل على جواب الشرط تقديره إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي. والشرط الثاني اعتقب الأول وجوابه أيضاً ما دل عليه قوله: ولا ينفعكم نصحي، تقديره ان كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي وصار الشرط الثاني شرطاً في الأول، وصار المتقدم متأخراً، والمتأخر متقدماً. وكان التركيب إن أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي وهو من حيث المعنى كالشرط إذا كان بالفاء نحو: إن كان الله يريد أن يغويكم. فإِن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي.