التفاسير

< >
عرض

الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ
١
إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
٢
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ
٣
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ
٤
قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٥
-يوسف

النهر الماد

{الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} هذه السورة مكية كلها وقال ابن عباس وقتادة الا ثلاث آيات من اولها وسبب نزولها ان كفار مكة امرتهم اليهود ان يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي احل بني اسرائيل بمصر ووجه من سنتها لما قبلها. وارتباطها ان في اخر السورة التي قبلها وكلا نقص عليك الآية، وكان في تلك الأنباء المقصوصة فيها ما لاقى الأنبياء عليهم السلام من قومهم فاتبع ذلك بقصة يوسف وما لاقاه عليه السلام من إخوته، وما آلت إليه حاله من حسن العاقبة، ليحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم التسلية الجامعة لما يلاقيه من أذى البعيد والقريب. وجاءت هذه القصة مطولة مستوفاة فلذلك لم يتكرر في القرآن إلا ما أخبر به مؤمن آل فرعون في سورة غافر. والإِشارة بتلك آيات إلى {الۤر} وسائر حروف المعجم التي تركبت منها آيات القرآن. والظاهر أن المراد بالكتاب المبين اما المبين في نفسه الظاهر أمره في إعجاز العرب وتبكيتهم، واما المبّين الحلال والحرام والحدود والأحكام وما يحتاج إليه من أمر الدين، قاله ابن عباس. والضمير في {أَنْزَلْنَاهُ} عائد على الكتاب الذي فيه قصة يوسف عليه السلام. وانتصب قرآناً على البدل من الضمير. وعربياً صفة له وهو منسوب إلى العرب. والعرب جمع عربي كروم ورومي، لعلكم تعقلون ما تضمن من المعاني واحتوى عليه من البلاغة والإِعجاز فتؤمنون. ولعل ترج فيه معنى التعليل لقوله: {أنزلنا}.
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} الآية، القصص مصدر قص والمراد بكونه أحسن أنه اقتص على أبدع طريقة وأحسن أسلوب، ألا ترى أن هذا الحديث مقتص في كتب الأولين وفي كتب التواريخ، ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقارناً لاقتصاصه في القرآن، وانتصب أحسن على المصدر لإِضافته إلى المصدر.
{بِمَآ أَوْحَيْنَآ} الباء: للسبب. وما مصدرية. {إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} تنازعه عاملان أحدهما نقص، والثاني أوحينا. واعمل الثاني جرياً على الأفصح في باب التنازع. والضمير في قبله يعود على الإِيماء. ومعنى من الغافلين لم يكن لك شعور بهذه القصة ولا سبق لك علم فيها. والعامل في إذ قال يا بني كما تقول: إذ قام زيد قام عمرو، وتبقى إذ على وضعها الأصلي من كونها ظرفاً لما مضى.
وللزمخشري وابن عطية أقوال في العامل في إذ ردّت في البحر لضعفها. ويوسف اسم عبراني وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة وتقدمت فيه لغات.
وقرىء: {يا أبت} بفتح التاء, وجمهور القراء على كسرها وهي عوض من ياء الإِضافة فلا يجتمعان، لا يقال: يا أبتي.
{إِنِّي رَأَيْتُ} معمول للقول فهو في موضع نصب ورأيت هي حُامية لدلالة متعلقها على أنه منام. والظاهر أنه رأى في منامه كواكب والشمس والقمر. ومن حديث جابر بن عبد الله
"أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخبرني عن أسماء الكواكب التي رآها يوسف فسكت عنه ونزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودي، فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بذلك؟ قال: نعم. فقال: جريان والطارق والذيال وذو الكتفين وقابس ووثاب وعمودان والفليق والمصبح والضروح وذو الفرع والضياء والنور. فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها" . قال الزمخشري: فإِن قلت: لم أخر الشمس والقمر؟ قلت: أخرهما لعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص بياناً لفضلهما واستبدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع كما أخبر جبريل وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليهما لذلك. ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع أي أرأيت الكواكب مع الشمس والقمر. "انتهى".
الذي يظهر أن التأخير إنما هو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ولم يقع الترقي في الشمس والقمر جرياً على ما استقر في القرآن من أنه إذا اجتمعا قدمت عليه ولامتناع أن يجتمع الشمس والقمر في أحد عشر كوكباً لأنهم أخوته فليس المكنى عنه بالشمس والقمر داخلاً فيهم. والظاهر أن رأيتم كرر على سبيل التوكيد للطول بالمفاعيل. وجاء الضمير ضمير من يعقل لأنه صدر منهم السجود لأنه من صفات من يعقل. "ولي" متعلق بساجدين، وساجدين منصوب على الحال، ولما خاطب يوسف عليه السلام أباه بقوله: يا أبت، وفيه إظهار الطواعية والبر والتنبيه على محل الشفقة بطبع الأبوة خاطبه أبوه: يا بني تصغير التحبيب والتقريب والشفقة.
{فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} منصوب بإِضمار انْ على جواب النهي. وعدي فيكيدوا باللام. وهو متعد بنفسه فاحتمل أن يكون من باب التضمين ضمن فيكيدوا معنى ما يتعدى باللام، فكأنه قال: فيحتالوا لك بالكيد. والتضمين أبلغ لدلالته على معنى الفعلين وللمبالغة أكد بالمصدر ونبه يعقوب عليه السلام على سبب الكيد وهو ما يزينه الشيطان للإِنسان ويسوله له، وذلك للعداوة التي بينهما فهو يجتهد دائماً أن يوقعه في المعاصي ويدخله فيها ويخصه عليها وكان يعقوب دلته رؤيا يوسف عليه السلام على أن الله تعالى يبلغه مبلغاً من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه فخاف عليه من حسد إخوته، فنهاه عن أن يقص رؤياه لهم. وفي خطاب يعقوب ليوسف بنهيه عن أن يقص على أخوته مخالفة كيدهم دلالة على تحذير المسلم أخاه ممن يخافه عليه، والتنبيه على بعض ما لا يليق ولا يكون ذلك داخلاً في باب الغيبة.