التفاسير

< >
عرض

وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
١٩
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ
٢٠
وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٢١
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
٢٢
وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ
٢٣
-يوسف

النهر الماد

{وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} قيل: كانوا من مدين قاصدين إلى مصر.
{فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} وهو مالك بن دعر الخزاعي الذي يرد لهم الماء.
{فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} أي أرسلها ليستقي الماء.
{قَالَ يٰبُشْرَىٰ} أي أرسلها ليستقي الماء.
{قَالَ يٰبُشْرَىٰ} في الكلام حذف تقديره فتعلق يوسف بحبل الدلو فلما بصر به المولى قال: يا بشراي، وتعلقه بالحبل يدل على صغره إذ لو كان ابن ثمانية عشر أو سبعة عشر لم يحمله الحبل غالباً ولفظة غلام نرجح ذلك إذ يطلق عليه ما بين الحولين إلى البلوغ حقيقة، وقد يطلق على الرجل الكامل. وقوله: يا بشراي، هو على سبيل السرور والفرح بيوسف عليه السلام إذ رأى أحسن ما خلق وأضاف البشرى إلى نفسه. وقرىء: يا بشراي بياء الإِضافة، ويا بشرى قيل: ذهب به الوارد إلى أصحابه فبشرهم به.
{وَأَسَرُّوهُ} أي أخفوه وكتموا أمره من وجدانهم له في الجب. وقالوا: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر وقال ابن عباس: الضمير في وأسروه وشروه لأخوة يوسف عليه السلام وأنهم قالوا للرفقة: هذا غلام قد أبق لنا فاشتروه منا وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه.
وانتصب: {بِضَاعَةً} على الحال، أي متجراً لهم ومكسباً.
{وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي لم يخف عليهم اسرارهم، أو هو وعيد لهم حيث استبعضوا ما ليس لهم.
{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} الآية، وشروه أي باعوه. والظاهر أن الضمير في شروه عائد على السيارة، أي وباعوا يوسف. ومن قال ان الضمير في وأسروه عائد على اخوة يوسف جعله هنا عائداً عليهم أي وباعوا أخاهم يوسف بثمن بخس، وبخس مصدر وصف به بمعنى مبخوس، أي زيف ناقص العيار ودراهم بدل من ثمن فلم يبيعوه بدنانير "ومعدودة" إشارة إلى القلة وكانت عادتهم أنهم لا يزنون إلا ما بلغ أوقية وهي أربعون درهماً لأن الكثرة يعسر فيها العدد بخلاف القليلة. قال ابن عباس: أربعون درهماً.
{وَكَانُواْ فِيهِ} الضمير عائد على يوسف وفيه الأجود ان يكون متعلقاً بالزاهدين وإن كان في صلة الألف واللام، لأن الظرف والمجرور يتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما بخلاف المفعول به. وتقدم الخلاف في ذلك في قوله:
{ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ } [الأعراف: 21].
{وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ} لم تتعرّض الآية لاسم من اشتراه، وذكر المفسرون فيه اختلافاً كثيراً. و"مثواه" مكان إقامته وهو كناية عن الإِحسان إليه في مأكل ومشرب وملبس، ولام لامرأته تتعلق بيقال فهي للتبليغ، نحو قلت لك: لا باشتراه.
{عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} لعله إذا تدرّب وراض الأمور وعرف مجاريها نستعين به على بعض ما نحن بصدده فينفعنا بكفايته أو نتبناه ونقيمه مقام الولد. وقيل: كان عقيماً لا يولد له فتفرس فيه الرشد فقال ذلك.
{وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك التمكين من قلب العزيز حتى عطف عليه وأمر امرأته بإِكرام مثواه.
{مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي أرض مصر يتصرف فيها بأمره ونهيه، أي حكمناه فيها ولام لنعلمه متعلقة بمحذوف اما قبله، أي ونمكنه واما بعده أي ولنعلمه.
{مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} كان ذلك الإِيحاء والتمكين. والأحاديث: الرؤيا. والضمير في على أمره عائد على يوسف، أي يدبره ولا يكله إلى غيره. والأشد عند سيبويه جمع واحده شدّة، وأشد كنعمة وأنعم، وقال الكسائي: شدّ وأشد نحو صل وأصل والأشد بلوغ الحلم والحكم: الحكمة، والعلم: النبوة. وقيل: الحكم بين الناس. والعلم: الفقه في الدين، وهذا أشبه لمجيء قصة المراودة.
{وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الجزاء لمن صبر ورضي بالمقادير.
{نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} وفيه تنبيه على أن يوسف كان محسناً في عنفوان شبابه، وآتاه الله الحكم والعلم على جزاء إحسانه.
{وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} الآية، المراودة: المطالبة برفق، من راد يرود إذا ذهب. وجاء وهي مفاعلة من واحد نحو داويت المريض وكني به عن طلب النكاح والمخادعة لأجله كان المعنى، وخادعته عن نفسه ولذلك عداه بعن. وقال تعالى: التي هو في بيتها ولم يصرح باسمها ولا بامرأة العزيز ستراً على الحرم والعرب تضيف البيوت إلى النساء، فتقول ربة البيت وصاحبة البيت. قال الشاعر:

يا ربة البيت قومي غير صاغرة

{وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} هو تضعيف تكثير بالنسبة إلى وقوع الفعل بكل باب، قيل: وكانت ستة أبواب.
{هَيْتَ} اسم فعل بمعنى أسرع. ولك للتبيين أي لك أقول أمرته بأن يسرع إليها. وزعم الكسائي والفراء انها لغة حورانية وقعت لأهل الحجاز فتكلموا بها ومعناها تعال.
وانتصب: {مَعَاذَ ٱللَّهِ} على المصدر، أي عياذاً بالله من فعل السوء. والضمير في أنه يعود على الله تعالى أي أن الله ربي أحسن مثواي أي نجاني من الجب وأقامني أحسن مقام.
{إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} أي المجازون الإِحسان بالسوء وما أحسن هذا التنصل من الوقوع في السوء استعاذ أولاً بالله الذي بيده العصمة وملكوت كل شىء، ثم نبه على أن إحسان الله إليه لا يناسب أي يجازي بالسوء، ثم نفي الفلاح عن الظالمين وهو الظفر والفوز بالبغية فلا يناسب أن أكون ظالماً أضع الشىء غير موضعه.