التفاسير

< >
عرض

وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً
١٩
كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
٢٠
ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً
٢١
لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً
٢٢
وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً
٢٣
وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً
٢٤
رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً
٢٥
وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
٢٦
إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
٢٧
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً
٢٨
وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً
٢٩
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
٣٠
وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً
٣١
وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً
٣٢
وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً
٣٣
وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً
٣٤
وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً
٣٥
وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً
٣٦
وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً
٣٧
كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
٣٨
ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً
٣٩
أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً
٤٠
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً
٤١
قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً
٤٢
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً
٤٣
-الإسراء

النهر الماد

{وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ} أي ثواب الآخرة بأن يؤثرها على الدنيا ويعقد إرادته بها.
{وَسَعَىٰ} فيما كلف من الأعمال والأقوال.
{سَعْيَهَا} أي السعي المعد للنجاة فيها.
{وَهُوَ مُؤْمِنٌ} هو الشرط الأعظم في النجاة فلا ينفع أراده ولا سعي إلا بحصوله وفي الحقيقة هو الناشىء عنه إرادة الآخرة والسعي للنجاة فيها وحصول الثواب.
{فَأُولَئِكَ} إشارة إلى من اتصف بهذه الأوصاف وراعى معنى من فلذلك كان بلفظ الجمع والله تعالى يشكرهم على طاعتهم وهو تعالى هو المشكور على ما أعطى وانتصب كلاً بنمد والامداد المواصلة بالشىء وهؤلاء وهؤلاء بدلان من كلا بدل تفصيل وقدره الزمخشري كل واحد من الفريقين نمد وأعربوا هؤلاء بدلاً من كلا ولا يصح أن يكون بدلاً من كلا على تقدير كل واحد لأنه يكون إذ ذاك بدل كل من بعض فينبغي أن يكون التقدير كل الفريقين فيكون بدل كل من كل على جهة التفصيل والظاهر أن هذا الامداد هو في الرزق في الدنيا ويدل على هذا التأويل.
{وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} أي رزقه لا يضيق عن مؤمن ولا كافر ومعنى محظوراً أي ممنوعاً والظاهر أن:
{ٱنظُرْ} بصرية لأن التفاوت في الدنيا مشاهد.
و{كَيْفَ} سؤال عن الهيئة منصوب.
بـ{فَضَّلْنَا} والجملة في موضع نصب على إسقاط حرف الجر وهو إلى ويجوز أن يكون أنظر من نظر القلب فيكون حرف الجر المقدر لفظه في والتفضيل هنا في الدنيا ودرجات منصوباً على التمييز والمفضل عليه محذوف تقديره من درجات الدنيا وتفضيلها والخطاب في:
{لاَّ تَجْعَل} للسامع المخاطب غير الرسول.
{فَتَقْعُدَ} قال الفراء وتبعه الزمخشري فتقعد بمعنى فيصير فيكون اسمها ضمير المخاطب وخبرها.
{مَذْمُوماً} وحكى الكسائي عن العرب وقعد لا يسأل حاجة إلا قضاها وأصحابنا لا يجعلون قعد بمعنى صار إلا في المثل في قولهم: شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة أي صارت ومذموماً حال عندهم من الضمير المستكن في فتقعد ويؤولونه على معنى فيثبت ويسكن في حال الذم.
{وَقَضَىٰ رَبُّكَ} الآية قال ابن عباس: وجماعة قضى بمعنى أمر وأن حرف تفسير * وقال أبو البقاء ويجوز أن يكون في موضع نصب أي ألزم ربك عبادته ولا زائدة انتهى وهذا وهم لدخول إلا على مفعول تعبد ويلزم أن يكون منفياً أو مبهماً ولا تعبدوا نهي.
و{إِحْسَاناً} مصدر بمعنى الأمر عطف ما معناه أمر على نهي كما عطف في قوله * يقولون لا تهلك أسى وتجمل * وقد اعتنى بالأمر بالإِحسان إلى الوالدين حيث قرن بقوله: لا تعبدوا إلا إياه ويتقديمهما اعتناء بهما على قوله إحساناً ومناسبة اقتران بر الوالدين بإِفراد الله بالعبادة من حيث أنه تعالى هو الموجود حقيقة والوالدان وساطة في إنشائه وهو تعالى المنعم بإِيجاده ورزقه وهما ساعيان في مصالحه * وقال الزمخشري اما هي ان الشرطية زيدت عليها ما توكيداً لها ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل ولو أفردت لم يصح دخولها لا تقول ان تكرمن زيداً يكرمك ولكن إما تكرمنه انتهى * وهذا الذي ذكره مخالف لمذهب سيبويه لأن مذهبه أنه يجوز أن يجمع بين اما ونون التوكيد وأن تأتي بأن وحدها ونون التوكيد وأن تأتي باما وحدها دون نون التوكيد وقال سيبويه في هذه المسئلة: وإن شئت لم تقحم النون كما أنك إن شئت لم تجىء بما يعني مع النون وعدمها وقرىء:
{يَبْلُغَنَّ} بنون التوكيد وعند متعلق به.
و{أَحَدُهُمَا} فاعل بيبلغن.
{أَوْ كِلاَهُمَا} معطوف على أحد وقرىء: يبلغان فالألف للتثنية والنون مشددة بعد ألف الاثنين وأحدهما بدل من الضمير، أو كلاهما فاعل بفعل محذوف تقديره أو يبلغ كلاهما والفاء في فلا جواب الشرط * وقال الزمخشري: * فإِن قلت لو قيل اما يبلغان كلاهما كان توكيداً لا بدلاً فمالك زغمت أنه بدل * قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيداً للإِثنين فانتظم في حكمه فوجب أن يكون مثله * فإِن قلت ما ضرك لو جعلته توكيداً مع كون المعطوف عليه بدلاً وعطفت التوكيد على البدل * قلت: لو أريد توكيد التثنية لقيل كلاهما فحسب فلما قيل أحدهما أو كلاهما علم أن التوكيد غير مراد فكان بدلاً مثل الأول * قال ابن عطية: وعلى هذه القراءة الثالثة يعني يبلغان يكون قوله: أحدهما بدلاً من الضمير في يبلغان وهو بدل مقسم * كقول الشاعر:

وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت

"انتهى" ويلزم من قوله: أن يكون كلاهما معطوفاً على أحدهما وهو بدل والمعطوف على البدل بدل والبدل مشكل لأنه يلزم منه أن يكون المعطوف عليه * بدلاً وإذا جعلت أحدهما بدلاً من الضمير فلا يكون إلا بدل بعض من كل وإذا عطفت عليه كلاهما فلا جائز أن يكون بدل بعض من كل لأن كلاهما مرادف للضمير من حيث التثنية فلا يكون بدل بعض من كل ولا جائز أن يكون بدل كل من كل لأن المستفاد من الضمير التثنية وهو المستفاد من كلاهما فلم يغد البدل زيادة على المبدل منه * وأما قول ابن عطية وهو بدل مقسم كقول الشاعر:

وكنت كذي رجلين البيت

فليس من بدل التقسيم لأن شرط ذلك العطف بالواو وأيضاً فالبدل المقسم لا يصدق المبدل فيه على أحد قسميه وكلاهما يصدق عليه الضمير وهو المبدل منه فليس من البدل المقسم وقد ذكرنا تخريجه على إضمار فعل فتكون كلاهما فاعلاً بذلك الفعل.
{أُفٍّ} إسم فعل بمعنى أنضجر ولم يأت اسم فعل بمعنى المضارع إلا قليلاً نحو أف وأوه بمعنى أتوجع وإذا كان قد نهى أن يستقبلهما بهذه اللفظة الدالة على الضجر والتبرم بهما فالنهي عما هو أشد كالشتم والضرب هو بجهة الأولى وفي أف لغات ذكرت في البحر ولما نهاه تعالى أن يقول لهما ما مدلوله أتضجر منكما ارتقى إلى النهي عما هو من حيث الوضع أشد من أف وهو نهرهما وان كان النهي عن نهرهما يدل عليه النهي عن قول أف لأنه إذا نهى عن الأدنى كان ذلك نهياً عن الأعلى بجهة الأولى والمعنى ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك وقل لهما بدل قول أف ونهرهما.
{قَوْلاً كَرِيماً} أي جامعاً للمحاسن من البر وجودة اللفظ ثم أمره تعالى بالمبالغة في التواضع معهما بقوله:
{وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} وقال القفال في تقديره وجهان: * أحدهما أن الطائر إذا ضم فرحة إليه للتربية خفض له جناحه فخفض الجناح كناية عن حسن التدبير وكأنه قيل للولد أكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا بك ذلك حال صغرك * الثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد ترك الطيران والارتفاع خفضه فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه ثم أمره تعالى بأن يدعو الله تعالى لهما بأن يرحمهما رحمته الباقية إذ رحمته عليهما لا فناء لها ثم نبه على العلة الموجبة للإِحسان إليهما والبر بهما واسترحام الله تعالى لهما وهي تربيتهما له صغيراً وتلك الحالة مما يزيده إشفاقاً لهما ورحمة إذا هي تذكير بحالة إحسانهما إليه وقت أن لا يقدر على الإِحسان لنفسه والظاهر أن الكاف في كما للتعليل أي رب ارحمهما لتربيتهما لي وإحسانهما إليّ حالة الصغر والافتقار.
{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} أخبر تعالى أنه أعلم بما انطوت عليه الضمائر من قصد عبادة الله والبر بالوالدين ثم قال:
{إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} أي ذوي صلاح ثم فرط منكم تقصير في عبادة أو بر وانبتم إلى الخير.
{فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} أي غفور لما فرط من هناتكم والظاهر أن هذا عام في كل من فرطت منه جناية ثم ناب منها.
{وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ} الآية لما أمر ببر الوالدين أمر بصلة القرابة والظاهر أنه خطاب لما خوطب بقوله: اما يبلغن عندك الكبر والحق هنا ما يتعين له من صلة الرحم وسد الخلة والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه ونهى تعالى عن التبذير وكانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتبذر أموالها في الفخر والسمعة وتذكر ذلك في أشعارها فنهى الله تعالى عن النفقة في غير وجوه البر وما يقرب منه.
{كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ} واخوه الشياطين كونهم قرناءهم في الدنيا وفي النار وفي الآخرة وتدل هذه الأخوة على أن التبذير في معصية الله أو كونهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإِسراف في الدنيا وذكر كفران الشيطان لربه ليحذر ولا يطاع لأنه لا يدعو إلى خير كما قال تعالى:
{ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ } [فاطر: 6].
{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} قيل
"نزلت في ناس في مزينة استحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا أجد ما أحملكم عليه فبكوا وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله" فالرحمة على هذا الرزق المنتظر * قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ابتغاء رحمة من ربك علة لجواب الشرط فهو يتعلق به ويتقدم عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً رحمة لهم وتطييباً لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك أي ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم "انتهى" ما أجازه لا يجوز لأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله لا يجوز في قولك أن تقم فاضرب زيداً ان تقم زيداً فاضرب وهذا منصوص عليه فإِن حذفت الفاء في مثل ان تقم تضرب خالداً فمذهب سيبويه والكسائي الجواز فتقول ان تقم خالداً تضرب ومذهب الفراء المنع فإِن كان معمول الفعل مرفوعاً نحو ان تفعل يفعل زيد فلا يجوز تقديم زيد على أن يكون مرفوعاً بتفعل هذه وأجاز سيبويه أن يكون مرفوعاً بفعل يفسره يفعل كأنك قلت إن تفعل يفعل زيد يفعل ومنع ذلك الكسائي والفراء.
{فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أي مداراة باللسان ويسر يكون لازماً ومتعدياً فميسور من المتعدي تقول يسر ذلك كذا إذا أعددته لك.
{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} قيل نزلت في إعطائه صلى الله عليه وسلم قميصه ولم يكن له غيره وبقي عرياناً وقيل أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإِبل وعيينة مثل ذلك والعباس بن مرداس خمسين ثم أكملها مائة فنزلت وهذه استعارة استعير فيها المحسوس للمعقول وذلك أن البخل معنى قائم بالإِنسان يمنعه من التصرف في ماله فاستعير له الغل الذي هو ضم اليد إلى العنق فامتنع من تصرف يده وإجالتها حيث يريد وذكر اليد لأن الأخذ بها والإِعطاء واستعير بسط اليد لإِذهاب المال وذلك لأن قبض اليد يحبس ما فيها وبسطها يذهب ما فيها طابق في الاستعارة بين قبض اليد وبسطها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها وغلها أبلغ من القبض وقد طابق بينهما أبو تمام * قال في المعتصم تعوّد بسط الكف حتى لو أنه * ثناها لقبض لم تطعه أنامله والظاهر أنه مراد بالخطاب أمة الرسول صلى الله عليه وسلم. وإلا فهو صلى الله عليه وسلم كان لا يدخر شيئاً لغد وكذلك من كان واثقاً بالله تعالى حق الوثوق كأبي بكر حيث تصدق بجميع ماله وختم ذلك بقوله: خبيراً وهو العلم بخفيات الأمور وبصيراً أي بمصالح عباده حيث يبسط لقوم ويضيق على قوم.
{وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} تقدم تفسير نظيره صدر هذه الآية والفرق بين خشية إملاق ومن إملاق وبين قوله يرزقهم وإياكم ويرزقكم وإياهم تقدم كل ذلك.
{وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} الآية تقدم تفسير نظيرها في الانعام.
{وَسَآءَ سَبِيلاً} أي وبئس طريقة لأنها سبيل يؤدي إلى النار قال ابن عطية: وسبيلاً نصب على التمييز التقدير وساء سبيله سبيلاً انتهى فإِذا كان سبيلاً نصباً على التمييز فإِنما هو تمييز للمضمر المستكن في ساء وهي الضمير الذي يفسره ما بعده والمخصوص بالذم محذوف وإذا كان كذلك فلا يكون تقديره وساء سبيله سبيلاً لأنه إذ ذاك لا يكون فاعله ضميراً يراد به الجنس مقيداً بالتمييز ويبقى التقدير أيضاً عارياً عن المخصوص بالذم وتقدم تفسير قوله: ولا تقتلوا النفس في أواخر الانعام ولما نهى عن قتل الأولاد نهي عن قتل النفس فانتقل من الخاص إلى العام والظاهر أن هذه كلها منهيات مستقلة ليست مندرجة تحت قوله تعالى: وقضى ربك كاندراج أن لا تعبدوا وانتصب مظلوماً على الحال من الضمير المستكن في قتل والمعنى أنه قتل بغير الحق.
{فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ} وهو الطالب لدمه شرعاً.
{سُلْطَاناً} أي تسلطاً وقهراً والظاهر النهي عما كانت الجاهلية تفعله من قتل الجماعة بالواحد وقتل غير القاتل والمثلة والمكافأة الذي يقتل لمن قتله والضمير في أنه عائد على الولي لتناسق الضمائر ونصره إياه بأن وجب له القصاص فلا تسترد على ذلك أو نصره بمعونة السلطان وبإِظهار المؤمنين على استبقاء الحق.
{وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} تقدم تفسير نظيره في الانعام.
{وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} عام فيما عقده الإِنسان بينه وبين ربه أو بينه وبين آدمي في طاعة.
{إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} ظاهره أن العهد هو المسئول من المعاهد أن يفي له ولا يضيعه وقيل هو على حذف مضاف أي ان ذا العهد كان مسئولا ان لم يف به واسم كان مضمر يعود على العهد أو على ذي العهد مسئولا خبر كان وفيه ضمير المفعول أي مسئولا هو أي عدم الإِيفاء به * ثم أمره تعالى بإِيفاء الكيل والوزن المستقيم وذلك فيما يرجع إلى المعاملة بالأموال وفي قوله وأوفوا الكيل دلالة على أن الكيل هو على البائع لأنه لا يقال ذلك للمشتري والتقييد بقوله: إذا كلتم أي وقت كيلكم على سبيل التأكيد ولا يتأخر الإِيفاء بأن يكيل به بنقصان ما تم يوفيه بعد ذلك فلا يتأخر الإِيفاء عن وقت الكيل * قال ابن عطية: واللفظة للمبالغة من القسط انتهى لا يجوز أن يكون من القسط لاختلاف المادتين لأن القسط مادته قسط وذلك مادته قسطس إلا أن اعتقد زيادة السين أخيراً كسين قدموس وضغبوس وعرفاس فيمكن لكنه ليس من مواضع زيادة السين المقيسة.
{ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي الإِيفاء والوزن لأن فيه تطييب النفوس بالاتسام بالعدل والإِيصال للحق.
{وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي عاقبة إذ لا تبقى على الموفى والوازن تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو من المآل وهو المرجع.
{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} لما أمر تعالى بثلاثة أشياء بالإِيفاء بالعهد والإِيفاء بالكيل والوزن بالقسطاس أتبع ذلك بثلاثة أمناه ولا تقف ولا تمش ولا تجعل ومعنى ولا تقف لا تتبع ما لا علم لك به من قول أو فعل نهي أن يقول ما لا يعلم وأن يعمل بما لا يعلم ويدخل فيه النهي عن اتباع التقليد لأنه اتباع لما لا يعلم صحته وقال الكميت:

فلا أرمي البريء بغير ذنب ولا أقفوا الحواض أن قفيا

في قوله: ان السمع والبصر والفؤاد دليل على أن العلوم مستفادة من الحواس ومن العقول وجاء هذا الترتيب القرآني في البداءة بالسمع ثم يليه البصر ثم يليه الفؤاد وأولئك إشارة إلى هذه الثلاثة وهم اسم إشارة إلى الجمع المذكر والمؤنث العاقل وغيره وتخيل ابن عطية أن أولئك مختص بالعاقل فقال: وعبر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك لأنها حواس لها إدراك وجعلها في هذه الآية مسؤولة فهي حالة من يعقل وليس ما تخيله صحيحاً بل جميع أسماء الإِشارة مثل أولئك يشترك فيه المذكر والمؤنث والعاقل وغير العاقل قال الزمخشري: وعنه في موضع الرفع بالفاعلية أي كل واحد منها كان مسئولاً عنه فمسئولا مسند إلى الجار والمجرور كالمغضوب في قوله: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } [الفاتحة: 7]، يقال للإِنسان لم سمعت ما لا يحل لك سماعه ولم نظرت ما لا يحل لك نظره ولم عزمت على ما لا يحل لك العزيمة عليه. "انتهى" وهذا الذي ذهب إليه من أن عنه في موضع الرفع بالفاعلية ومعنى به أنه مفعول لم يسم فاعله لا يجوز لأن الجار والمجرور وما يقام مقام الفاعل من مفعول به ومصدر وظرف بشروطها جار مجرى الفاعل وكما أن الفاعل لا يجوز تقديمه فكذلك ما جرى مجراه وأقيم مقامه فإِذا قلت غضب عليّ زيد فلا يجوز على زيد غضب بخلاف غضبت على زيد فيجوز على زيد غضبت وقد حكى الاتفاق من النحويين على أنه لا يجوز تقديم الجار والمجرور الذي لا يقام مقام الفاعل على الفعل أبو جعفر النحاس ذكر ذلك في المقنع من تأليفه فليس عنه مسئولاً كالمغضوب عليه لتقديم الجار والمجرور في عنه مسئولاً وتأخير في المغضوب عليهم قول الزمخشري: ولم نظرت ما لا يحل لك أسقط إلى وهو لا يجوز إلا ان جاء في ضرورة شعر لأن نظر يتعدى بإِلى وكان التركيب ولم نظرت إلى ما لا يحل لك كما قال النظر إليه فعدّاه بإِلى ومسئولاً فيه ضمير يعود على كل من حيث اللفظ وهذا الضمير هو المفعول الذي لم يسم فاعله وعنه في موضع نصب والضمير في عنه عائد على معنى أولئك أي عن كل واحد مما تقدم وانتصب مرحاً على الحال أي مارحاً كما تقول جاء زيد ركضاً أي راكضاً أو على حذف مضاف أي ذا مرح والمرح هو السرور والاغتباط بالراحة والفرح وكأنه ضمن معنى الاختيال لأن غلبة السرور والفرح يصحبها التكبر والاختيال ولذلك علل بقوله:
{إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} أي لن تجعل فيه خرقاً بدوسك لها وشدّة وطئك وانتصب طولاً على التمييز أي لن يبلغ طولك الجبال والظاهر أن ذلك إشارة إلى مصدر النهيين السابقين وهما قفو ما ليس لك به علم والمشي في الأرض مرحاً وسيئة خبر كان وأنت ثم قال مكروها فذكر وقرىء: سيئته فسيئة اسم كان ومكروها الخبر ذلك إشارة إلى جميع التكاليف من قوله: لا تجعل مع الله إلهاً آخر إلى قوله: ولا تمش في الأرض مرحاً، وهي أربعة وعشرون نوعاً من التكاليف بعضها أمر وبعضها نهي بدأها بقوله: لا تجعل، واختتم الآيات بقوله: ولا تجعل، وقال: مما أوحى لأن ذلك بعض مما أوحي إليه إذ أوحى بتكاليف أخر ومما أوحى خبر عن ذلك ومن الحكمة يجوز أن يكون متعلقاً بأوحى وأن يكون بدلاً مما وأن يكون حالاً من الضمير المنصوب المحذوف العائد على ما وكانت هذه التكاليف حكمة لأن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والإِعراض عن الدنيا والإِقبال على الآخرة والعقول تدل على صحتها وهي شرائع في جميع الشرائع لا تقبل النسخ وعن ابن عباس أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى صلى الله عليه وسلم أولها لا تجعل مع الله إلهاً آخر قال تعالى:
{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } [الأعراف: 145] وكرر تعالى النهي عن الشرك ففي النهي الأول فتقعد مذموماً مخذولاً وفي الثاني فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً والفرق بين مذموم وملوم أن كونه مذموماً أن تذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح منكر وكونه ملوماً أن يقال له بعد الفعل وذمه لم فعلت كذا وما حملك عليه وما استفدت منه إلا إلحاق الضرر بنفسك فأول الأمر الذم وآخره اللوم والفرق بين مخذولاً ومدحوراً أن المخذول هو المتروك إعانته ونصره والمفوض إلى نفسه والمدحور المطرود المبعد على سبيل الإِهانة له والاستخفاف به فأول الأمر الخذلان وآخره الطرد مهاناً وكان وصف الذم والخذلان يكون في الدنيا ووصف اللوم والدحور يكون في الآخرة ولذلك جاء فتلقى في جهنم والخطاب بالنهي في هذه الآيات كلها للسامع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم * وقال الزمخشري: ولقد جعل الله فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم تنفعه حكمته وعلومه وان بدّ فيها الحكماء وحل بيافوخه السماء ما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم.
{أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ} لما نبه تعالى على فساد طريقة من أثبت لله شريكاً ونظيراً أتبعه بفساد طريقة من أثبت لله ولداً والاستفهام معناه الإِنكار والتوبيخ والخطاب لمن اعتقد أن الملائكة بنات الله ومعنى أفأصفاكم أآثركم وخصكم وهذا كما قال أله البنات ولكم البنون ألكم الذكر وله الأنثى وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم ومعنى عظيماً مبالغاً في المنكر والقبح حيث أضفتم إليه الأولاد ثم حيث فضلتم عليه أنفسكم فجعلتم له ما تكرهون ثم نسبة الملائكة الذين هم من شريف ما خلق إلى الأنوثة ومعنى صرفنا نوعنا من جهة إلى جهة ومن مثال إلى مثال والتصريف لغة صرف الشىء بين جهة إلى جهة ثم صار كتابة عن التبيين وقرىء: ليذكر وأصله من التذكر أدغمت التاء في الذال وقرىء: ليذكروا من الذكر ما يزيدهم أي التصريف إلا نفوراً أي بعداً وفراراً عن الحق.
{قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ} ذكر قولهم أنه تعالى معه آلهة ورد عليهم ومعنى:
{لاَّبْتَغَوْاْ} أي طلبوا متوصلين إلى ذي العرش إلى مغالبته وإفساد ملكه لأنهم شركاؤه على زعمهم كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض والكاف في كما في موضع نصب أي مثلما وقرىء: تقولون بتاء الخطاب ويقولون بياء الغيبة سبحانه أي تنزيهه وتعالى متعلق به على سبيل الأعمال إذ يصح لسبحان أن يتعلق به عن والتعالي في حقه تعالى هو بالمكانة لا بالمكان وعلو مصدر على غير الصدر إذ لو جاء على تعالى لكان المصدر تعالياً لأن تفاعل بمعنى الفعل المجرد وهو على ونسبة التسبيح للسماوات والأرض ومن فيهن من ملك وإنس وجن حمله بعضهم على النطق بالتسبيح حقيقة وان ما لا حياة فيه ولا نمو يحدث الله له نطقاً وهذا هو الظاهر من اللفظ ولذلك جاء ولكن لا تفقهون تسبيحهم * قال ابن عطية ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل الفاعل وهو التسبيح "انتهى" ويعني بالضمير في قوله: ومن فيهن وكأنه تخيل أن هن لا يكون إلا لمن يعقل من المؤنثات وليس كما تخيل بل هن يكون ضمير الجمع المؤنث مطلقاً.