التفاسير

< >
عرض

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١١٤
وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
١١٥
-البقرة

النهر الماد

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} الآية. لما جرى ذكر اليهود والنصارى وان مشركي العرب تقول مثل مقالتهم، وكانوا ساعين في خراب المواضع التي أعدت لذكر الله تعالى نزل: ومن أظلم. وكان قد تقدم لبعض ملوك الروم خراب بيت المقدس وبقي خراباً إلى زمان عمر بن الخطاب وكان المشركون أيضاً صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام وكثر في القرآن مجيء: ومن أظلم. قيل: والمعنى لا أحد أظلم. فهو استفهام معناه النفي فكان خبراً وهو نفي الأظلمية ونفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظالمية، وإذا لم: يدل على نفي الظالمية لم يكن في تكرير ومن أظلم تناقض لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية. وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر، وصار المعنى: لا أحد أظلم ممن منع وممن افترى وممن ذكر. ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر كما أنك، إذا قلت: لا أحد أفقه من زيد وعمرو وبكر، لا يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر، بل نفي أن يكون أحد أفقه منهم، لا يقال: إن من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ولم يفتر على الله الكذب أقل ظلماً ممن جمع بينهما فلا يكون مساوياً في الأظلمية لأن هذه الآيات كلها في الكفار فهم متساوون في الأظلمية وإذا اختلفت طرق الأظلمية فكلها صائرة إلى الكفر فهو شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة لإِفراد من اتصف به وإنما يمكن الزيادة في الظلم بالنسبة لهم ولعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركا فيه من المخالفة. فنقول: الكافر أظلم من العاصي. ونقول: لا أحد أظلم من الكافر. ومن في ممن موصولة.
{أَن يُذْكَرَ} مفعول ثان لمنع أو على إسقاط حرف الجر أو بدل اشتمال أو مفعول له على حذف مضاف، أي دخول مساجد الله وكني بذكر اسمه عن ما يوقع فيها من الصلوات.
{وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} أما حقيقة كتخريب بيت المقدس أو مجازاً بانقطاع الذكر منها ومنع قاصديها إذ تؤل بذلك إلى الخراب.
{أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ} أي ما ينبغي لهم.
{أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} وجلين من عقابه. فكيف لهم أن يمنعوا من ذكر اسم الله فيها ويسعوا في خرابها إذ هي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، أولئك حمل على معنى من ومن إذا كانت موصولة أو استهاماً أو شرطاً يجوز مراعاة المعنى فيها أما إذا كانت موصوفة كما أجازه أبو البقاء في ممن منع وفي مررت بمن محسن لك فليس في محفوظي من كلام العرب مراعاة المعنى فيها.
{لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} وهو الهوان والإِذلال وهو مناسب لإِخمال المساجد بمنع ذكر الله فيها.
{وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو مناسب لتخريب المساجد بتخريب هياكلهم وصورهم بالعذاب مراراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها.
{فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} أباح لهم ابتداء أن يصلوا حيث توجهوا ونسخ ذلك.
ويظهر انتظامها بما قبلها أنه لما ذكر منع المساجد من ذكر الله والسعي في تخريبها نبه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات ولا من ذكر الله، إذ المشرق والمغرب لله فأي جهة أدّيتم فيها العبادة فهي لله يثيب على ذلك، ولا يختص مكان التأدية بالمسجد. ومعنى تولوا: تستقبلوا بوجوهكم. فثم وجه الله، أي: جلاله وعظمته. ويستحيل أن يحمل على العضو أو على الذات.
{وَاسِعٌ} أي واسع المغفرة والقدرة.