التفاسير

< >
عرض

ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ
١٩٤
وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٩٥
وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٩٦
-البقرة

النهر الماد

{ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} الآية، نزلت في عمرة القضاء عام الحديبية وكان المشركون قاتلوهم ذلك العام في الشهر الحرام هو ذو القعدة فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهيتهم القتال وذلك في ذي القعدة والشهر الحرام بالشهر الحرام أي انتهاك حرمة الشهر الحرام كائن بانتهاك حرمة الشهر الحرام وال فيهما للعهد والحرمات أي حرمة الشهر وحرمة البلد والقطان حين دخلتم وقرىء: والحرمات بضم الراء وإسكانها.
{فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} هو من التدريج في أمر القتال.
{وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} عام بالإِنفاق في آلة الحرب والمقلين من المجاهدين وغير ذلك من سبيل الله.
{وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} فسر بترك الجهاد والإِخلاد إلى الراحة وإصلاح الأموال الظاهر أنهم نهوا عن كل ما يؤدي بهم إلى الهلاك في غير طاعة الله تعالى ويقال ألقى بيده إلى كذا إذا استسلم وألقى يتعدى بنفسه وجاء بالباء فقيل الباء زائدة وقيل المفعول محذوف أي ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم أو ضمن معنى ولا تفضوا فعدى بالباء والتهلكة مصدر هلك على وزن تفعلة وهو قليل ذكر سيبويه منه النضرة واليسرة ودعوى الزمخشري أن أصلها تهلكة بكسر اللام فضمنت وأنه مصدر هلك بشد اللام لا تصح وذلك لأن فيها حملاً على شاذ ودوي إبدال دليل عليه أما الحمل على الشاذ فحمله على أن أصله تفعلة ذات الضم على تفعلة ذات الكسر وجعله تهلكة مصدر الهلك المشدد اللام وفعل الصحيح اللام غير المهموز قياس مصدره أن يأتي على تفعيل نحو كسر تكسير ولا يأتي على تفعلة إلا شاذاً والأولى جعل تهلكة مصدراً إذ قد جاء ذلك نحو التضرة والتسره وأما التهلكة فالأحسن أن يكون مصدر الهلك المخفف اللام لأنه بمعنى تهلكة بضم اللام وقد جاء في مصادر فعل تفعله قالوا: جل تجلة أي جلالاً فلا يكون تهلكة إذ ذاك مصدر الهلك المشدد اللام وأما إبدال الضمة من الكسرة لغير علة ففي غاية الشذوذ وأما تمثيله بالجوار والجوار فلا يدعي فيه الإِبدال بل بنى المصدر فيه على فعال بضم الفاء شذوذاً وزعم ثعلب أنه مصدر لا نظير له غير صحيح إذ نقل سيبويه له نظيراً.
{وَأَحْسِنُوۤاْ} أمر بالإِحسان ولم يقيد بمفعول فيندرج فيه كل محسن به.
{وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ} أي افعلوهما كاملين من شروطهما وأفعالهما التي يتوقفان عليها وقرىء: والعمرة بالنصب على الحج فتدخل في الأمر بالإِتمام وبالرفع مبتدأ وخبر فلا تدخل تحت الأمر وفروض الحج: النية، والإِحرام، والطواف المتصل بالسعي، والسعي بين الصفا والمروة خلافاً لأبي حنيفة، والوقوف بعرفة، والجمرة على قول ابن الماجشون، والوقوف بمزدلفة على قول الأوزاعي. وأعمال العمرة: النية، والإِحرام، والطواف، والسعي. والأمر بالإِتمام لا يدل على فرضية العمرة لصحة صوم رمضان وشيئاً من شوال بجامع ما اشتركا فيه من المطلوبية وان اختلفت جهتا الطلب والإِحصار والحصر بمعنى واحد وهو المنع بالعدوّ أو بالمرض أو بغير ذلك من الموانع.
{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} مطلق لا تقييد فيه وظاهره ثبوت هذا الحكم وأنه يتحلل بالاحصار بالعدوّ وبالمرض وبغير ذلك من الموانع فيما استيسر من:
{ٱلْهَدْيِ} أي فالواجب ما استيسر من الهدى وهو شاة أو ما سهل من جمل أو بقرة والمعنى فإِن أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة والهدى مطلق فلا يشترط فيه سنة واستيسر بمعنى الفعل المجرد وهو يسر نحو استصعب وصعب وقرىء: الهدى على وزن أولى وغيا حلق الرأس ببلوغ الهدى محله أي إذا بلغ الهدى محله فأحلقوا والخطاب للمأمورين بالإِتمام كانوا محصرين أو غير محصورين والخطاب في ولا تحلقوا للذكور فلا تحلق المرأة بل تقصر وظاهر النهي التحريم ومحل الهدى إن كان الخطاب للمحصرين فحيث أحصر من حل أو حرم.
{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} الآية سبب نزولها حديث كعب بن عجرة ومن عام في المحصر وغيره ولما غيا الحلق ببلوغ الهدى وكان الخطاب بالنهي عاماً خص بمن ليس مريضاً ولا به أذى من رأسه وفي الكلام حذف أي مريضاً ففعل ما ينافي المحرم من حلق وغيره أو به أذى من رأسه فحلق ومنكم متعلق بمحذوف وهو في موضع الحال لأنه قبل تقدمه كان صفة لمريضا وأجاز أبو البقا أن يكون متعلقاً بمريضاً وهو لا يكاد يعقل.
{أَوْ بِهِ أَذًى} يجوز أن يكون من عطف المفردات فيرتفع أدى على الفاعلية ومن باب عطف الجمل فيرتفع على الابتداء وأجيز أن يكون من عطف المفردات فيرتفع أذى على الفاعلية ومن باب عطف الجمل فيرتفع على الابتداء وأجيز أن يكون على إضمار كان أي أو كان به ففي كان ضمير هو اسمها وبه الخبر وأذى فاعل بالمجرور أو هو جملة خبر لكان المحذوفة أو يرتفع أذى على أنه اسم كان المحذوفة وبه الخبر وأجاز أبو البقا أن يكون أو به أذى من رأسه معطوفاً على كان وأذى مبتدأ وبه خبره والضمير في به عائد على من كان قد قدم ان من شرطية وعلى هذا التقدير يكون ما قاله خطأ لأن العطف على جملة الشرط يجب فيه أن يكون جملة فعلية إذا المعطوف على الشرط شرط فيجب فيه ما يجب في الشرط والباء في به للالصاق أو ظرفية.
{فَفِدْيَةٌ} أما مبتدأ أي فعليه فدية أو خبر أي فالواجب فدية ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار فعل أي فليفد فدية واو للتخيير والظاهر إطلاق الثلاثة وقيدت ذلك السنة الثابتة في حديث كعب ان الصيام ثلاثة أيام والصدقة إطعام ستة مساكين والنسك شاة ولم تتعرض الآية ولا السنة لمقدار ما يطعم المسكين ولا الآية لزمان فعل ذلك ولا لمحل النسك.
{فَإِذَآ أَمِنتُمْ} أي كنتم في حال أمن وسعة أو فإِذا أمنتم من الإِحصار.
{فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} فسر التمتع هنا بإِسقاط أحد السفرين لأن حق العمرة أن تفرد بسفر غير سفر الحج وعن على هو تأخير العمرة حتى يجمعها مع الحج فعليه الهدى والفاء في إذا للعطف وفي فمن جواب إذا وفي فما جواب فمن تمتع.
{فَمَن لَّمْ يَجِدْ} ما استيسر اما لعدمه أو لعدم ثمنه.
{فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} أي في أشهر الحج.
{وَسَبْعَةٍ} أي وسبعة أيام والعامل في:
{إِذَا} هو صيام تعلق به في الحج وإذا وجاز ذلك للعطف وإذا ظرف محض لا شرط فيها وفي:
{رَجَعْتُمْ} التفات وحمل على معنى من بعد الحمل على لفظه في إفراده وغيبته ولفظ الرجوع مبهم وثيب في السنة تقييده بالرجوع إلى أهله فاحتمل أن يكون بعد أن وصل إلى أهله وهو الظاهر واحتمل أن يكون إذا رجع أي شرع في الرجوع إلى أهله واحتمل إذا نفرتم ورجعتم من أعمال الحج وبكل من الاحتمالات قال قوم:
{تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} تلك مبتدأ وعشرة توطئة للخبر وكاملة هو الخبر حقيقة أي كاملة في الثواب والأجر لا يتوهم أن صوم السبعة ليس كصوم الثلاثة في الأجر لاختلاف زمان إيقاع صومها ذلك أي المتع وما ترتب عليه.
{لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وهو سكان مكة لأنهم هم الذين يشاهدون المسجد الحرام وحضور الأهل يقتضي مراد حضور المتمتع لأن الغالب سكناه حيث يسكن أهله ولما تقدم أمر ونهي وواجب ناسب ان يختم ذلك بالأمر بالتقوى في أن لا يتعدى ما حدّه تعالى.