التفاسير

< >
عرض

قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ
٩٣
رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٩٤
وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ
٩٥
ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ
٩٦
وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ
٩٧
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ
٩٨
حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ
٩٩
لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٠٠
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ
١٠١
فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
١٠٢
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
١٠٣
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
١٠٤
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
١٠٥
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ
١٠٦
رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ
١٠٧
قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ
١٠٨
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١٠٩
فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
١١٠
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ
١١١
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
١١٢
قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ
١١٣
قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
١١٤
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ
١١٥
فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ
١١٦
وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ
١١٧
وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١١٨
-المؤمنون

النهر الماد

{قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي} الآية لما ذكر تعالى ما كان عليه الكفار من ادعاء الولد والشريك لله وكان تعالى قد أعلم نبيه أنه ينتقم منهم ولم يبين أذلك في حياته أم بعد موته أمره بأن يدعو بهذا الدعاء أي ان تريني ما تعدهم واقعاً بهم في الدنيا أو في الآخرة فلا تجعلني معهم ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم معصوم مما يكون سبباً لجعله معهم ولكنه أمره أن يدعو بذلك إظهاراً للعبودية وتواضعاً لله * على أن نريك متعلق بقادرون ثم أمره تعالى بحسن الأخلاق والتي هي أحسن أبلغ من الحسنة للمبالغة الدال عليها أفعل التفضيل وجاء في صلة التي ليدل على معرفة السامع بالحالة التي هي أحسن قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف والتي هي أحسن شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك * ثم أمره تعالى أن يستعيذ من نخسات الشيطان والهمز من الشيطان عبارة عن حثه على العصيان والاغراء ثم أمره أن يستعيذ من حضورهم عنده لأنهم إذا حضروا توقع الهمز وفسر همز الشيطان بسورة الغضب التي لا يملك الإِنسان فيها نفسه.
{حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} قبلها جملة محذوفة تكون حتى غاية لها يدل عليها ما قبلها التقدير فلا أكون كالكفار الذين يهمزهم الشياطين ويحضرونهم حتى إذا جاء أحدهم الموت ونظير حذف هذه الجملة قول الشاعر:

فيا عجباً حتى كليب تسبني كان أباها نهشل أو مجاشع

أي يسبني الناس حتى كليب فدل ما بعد حتى على الجملة المحذوفة وفي الآية دل ما قبلها عليها * حتى إذا جاء أحدهم الموت أي حضر وعاينه الإِنسان فحينئذٍ يسأل الرجعة إلى الدنيا وفي الحديث "إذا عاين الموت قالت له الملائكة: نرجعك فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدما إلى الله وأما الكافر فيقول: ارجعون لعلي أعمل صالحاً" ومعنى: فيما تركت في الإِيمان الذي تركته.
{كَلاَّ} كلمة ردع عن طلب الرجعة وإنكار واستبعاد فقيل هي من قول الله لهم وقيل من قول من عاين الموت يقول ذلك لنفسه على سبيل التحسر والندم ومعنى هو قائلها لا يسكت ولا ينزع لاستيلاء الحسرة عليه ولا يجدي لها جدوى ولا يجاب لما سأل ولا يغاث.
{وَمِن وَرَآئِهِمْ} أي الكفار.
{بَرْزَخٌ} حاجز بينهم وبين الرجعة إلى وقت البعث وفي هذه الجملة إقناط كلي أن لا رجوع إلى الدنيا وإنما الرجوع إلى الآخرة استعير البرزخ للمدة التي بين موت الإِنسان وبعثه.
{فَلاَ أَنسَابَ} أي لا تواصل بينهم حين افتراقهم إلى ما أعد لهم من ثواب وعقاب وإنما التواصل بالأعمال ولا تعارض بين انتفاء التساؤل هنا وبين إثباته في قوله:
{ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } [الصافات: 27، الطور: 25] لأن يوم القيامة مواطن ومواقف وتقدّم الكلام في الموازين في الأعراف * قال الزمخشري: في جهنم خالدون بدل من خسروا أنفسهم ولا محل للبدل والمبدل منه لأن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف "انتهى" جعل في جهنم بدلاً من خسروا وهذا بدل غريب وحقيقته أن يكون البدل الفعل الذي يتعلق به في جهنم أي استقروا في جهنم وكأنه من بدل الشىء من الشىء وهما المسمى واحد على سبيل المجاز لأن من خسر نفسه استقر في جهنم وأجاز أبو البقاء أن يكون الذين نعتاً لأولئك وخبر أولئك في جهنم والظاهر أن تكون خبراً لأولئك لا نعتاً وخالدون خبراً ثانياً وفي جهنم متعلقاً به * اللقح أشد من النفخ تأثيراً والكلوح تشمر الشفتين عن الأسنان ومنه كلوح الكلب والأسد وخص الوجه باللفح لأنه أشرف ما في الإِنسان والإِنسان أحفظ له من الآفات من غيره من الأعضاء فإِذا لفح الأشرف فما دونه ملفوح ولما ذكر إصابة النار للوجه ذكر الكلوح المختص ببعض أعضاء الوجه وفي الترمذي "تتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" قال: هذا حديث حسن صحيح.
{أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} الآية يقول الله تعالى لهم على لسان من يشاء من ملائكته: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} وهي القرآن ولما سمعوا هذا التقرير أذعنوا وأقروا على أنفسهم بقولهم: غلبت علينا شقوتنا من قولهم: غلبني فلان على كذا إذا أخذه منك وامتلكه والشقاوة سوء العاقبة.
{وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} أي عن الهدى ثم تدرجوا من الإِقرار إلى الرغبة والتضرع وذلك أنهم أقروا والاقرار بالذنب اعتذار فقالوا:
{رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي من جهنم.
{فَإِنْ عُدْنَا} إلى التكذيب واتخاذ آلهة وعبادة غيرك.
{فَإِنَّا ظَالِمُونَ} أي متجاوزون الحد في العدوان حيث ظلمنا أنفسنا أولاً ثم سومحنا فظلمناها ثانية.
{قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا} أي ذلوا فيها وانزجروا كما تزجر الكلاب إذا زجرت يقال خسأت الكلب وخسأ هو بنفسه يكون متعدياً ولازماً.
{وَلاَ تُكَلِّمُونِ} أي في رفع العذاب أو تخفيفه قيل: هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون.
{إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي} الفريق هنا هم المستضعفون من المؤمنين وهذه الآية مما يقال للكفار على جهة التوبيخ ونزلت في كفار قريش مع صهيب وعمار وبلال ونظرائهم ثم هي عامة فيمن جرى مجراهم قديماً وبقية الدهر.
{سِخْرِيّاً} أي تسخرون منهم ومن اتباعهم للحق * قال الزمخشري: في قراءة من قرأ انهم بالفتح هو المفعول الثاني أي جزيتهم فوزهم "انتهى" الظاهر أنه تعليل أي جزيتهم لأنهم والكسر على الاستئناف وقد يراد به التعليل فيكون الكسر مثل الفتح من حيث المعنى لا من حيث الاعراب لاضطرار المفتوحة إلى عامل.
و{ٱلْفَآئِزُونَ} الناجون من هلكة إلى نعمة.
{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ} سألهم سؤال توقيف وهو تعالى يعلم عدد ما لبثوا ولما سئلوا عن المدة التي أقاموا فيها في الأرض أجابوا بقولهم: لبثنا يوماً أو بعض يوم ترددوا فيما لبثوا فنسوا لفرط هول العذاب حتى قالوا يوماً أو بعض يوم * العبث اللعب الخالي عن الفائدة وانتصب على أنه مصدر في موضع الحال تقديره عابثين وعلى أنه مفعول من أجله والمعنى في هذا ما خلقناكم للعبث وإنما خلقناكم للتكليف والعبادة.
{وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا} معطوف على إنما فهو داخل في الحسبان والكريم صفة للعرش لتنزيل الخيرات منه أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين ومن شرطية وجوابه فإِنما حسابه ولا برهان له به صفة لازمة للاحتراز من أن يكون ثم آخر يقوم عليه برهان فهي مؤكدة كقوله يطير بجناحه ويجوز أن يكون جملة اعتراض بين الشرط وجزائه فلا موضع لها من الإِعراب وافتتح السورة بقوله: قد أفلح المؤمنون وأورد في خاتمتها أنه لا يفلح الكافرون فنظر تفاوت ما بين الافتتاح والاختتام ثم أمر رسوله بأن يدعو بالغفران والرحمة.