التفاسير

< >
عرض

فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
٢٨
لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
٢٩
قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
٣٠
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٣١
وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٣٢
وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٣
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ
٣٤
ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ
٣٥
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ
٣٦
رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ
٣٧
لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٨
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٣٩
أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ
٤٠
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
٤١
وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ
٤٢
-النور

النهر الماد

{غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} هي الفنادق التي في طرق المسافرين وقيل الخرب التي تدخل للتبرز وقيل الربط وقيل حوانيت البياعين والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرحال والشراء والبيع وغير ذلك.
{قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ} الآية تقدّم مثل هذا التركيب في قوله تعالى:
{ قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ } [إبراهيم: 31] ومن لابتداء الغاية.
{ذٰلِكَ} أي غض البصر وحفظ الفرج أطهر لهم.
{خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} من إحالة النظر وانكشاف العورات فيجازي على ذلك والمؤمنات عام في الزوجات المملوكات.
{وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} وهو الكحل والخضاب والخاتم.
{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} الخمر جمع خمار وهو المقنعة التي تلقى المرأة على رأسها وهو جمع كثرة مقيس ويجمع في القلة على أخمرة وهو مقيس فيه أيضاً، قال: وقرىء: الشجر افي ريقه * كرؤوس قطعت فيها الخمر وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهر فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن وضمن وليضربن معنى وليضعن وليلقين فلذلك عداه بعلى وبدأ تعالى بالأزواج لأن اطلاعهم يقع على أعظم من الزينة ثم ثني بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ولكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب والأخ ليسا كابن الزوج فقد تبدى للأب ما لا تبدى لابن الزوج ولم يذكر تعالى هنا العم ولا الخال وقال الحسن: هما كسائر المحارم في جواز النظر.
{أَوْ نِسَآئِهِنَّ} مخصوص بمن كان دينهن قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لقوله تعالى:
{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن أمنع نساء أهل الذمة من دخول الحمام مع المؤمنات والظاهر العموم في قوله: أو ما ملكت أيمانهن فيشمل الذكور والإِناث فيجوز للعبد أن ينظر من سيدته ما ينظر أولئك المستثنون وهو مذهب عائشة وأم سلمة وقال سعيد من المسيب: لا تغرنكم آية النور فإِنما المراد بها الإِماء * قال الزمخشري: وهذا هو الصحيح لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها خصيا كان أو فحلاً وعن ميسون بنت بحدل الكلابية أن معاوية دخل عليها ومعها خصي فتقنعت منه فقال: هو خصي، فقالت: يا معاوية أترى المثلة تحلل ما حرم الله هو عن أبي حنيفة لا يحل إمساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم ولم ينقل عن أحد من السلف إمساكهم.
و{ٱلإِرْبَةِ} الحاجة إلى الوطء لأنهم بله لا يعرفون شيئاً من أمر النساء ويدخل في هذه الصفة المجنون والمعتوه والمخنث والشيخ الفاني والزمن الموقوذ بزمانته وقسم التابعين غير أولي الحاجة إلى الوطء قسمين رجال وأطفال والمفرد المحلى بأل يكون للجنس فيعم ولذلك وصف بالجمع في قوله:
{ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ} ومن ذلك قول العرب أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض يريد الدنانير والدراهم فكأنه قال: والأطفال والطفل ما لم يراهق الحلم.
{وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال وزعم حضرمي أن امرأة اتخذت خلخالاً من فضة واتخذت جزعاً فجعلته في ساقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية.
{وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} لما سبقت منه تعالى أوامر ومناه وكان الإِنسان لا يكاد يقدر على مراعاتها دائماً وان ضبط نفسه واجتهد فلا بد من تقصير أمر بالتوبة وترجي الفلاح إذا تابوا وعن ابن عباس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة وقرىء:
{أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} وأيه الساحر وأيه الثقلان أصل ها للتنبيه ضمت لضم الياء قبلها اتباعاً وضمها لغة لبني مالك رهط شقيق بن سلمة.
{وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ} لما تقدمت أوامر ونواه في غض البصر وحفظ الفرج وإخفاء الزينة وغير ذلك قال بعده: وانكحوا والظاهر أن الأمر في وانكحوا للوجوب وبه قال أهل الظاهر: وأكثر العلماء على أنها للندب وتقدّم في المفردات أن الايم من لا زوج له من ذكر وأنثى ووزنه فعيل يقال منه آم يئيم وقال:

كل امرىء ستئيم منه العرس أو منها يئم

{وَإِمائِكُمْ} جمع أمة أصله أموه حذفت منه لام الكلمة وهي الواو.
{وَلْيَسْتَعْفِفِ} أي ليجتهد في العفة وصون النفس وهو استفعل بمعنى طلب العفة من نفسه وحملها عليها وجاء الفك في لغة الحجاز.
{لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} قيل النكاح هنا اسم لما يمهر به وينفق في الزواج كاللحاف واللباس لما يلتحف به ويلبس أمر أو لا بما يعصم عن الفتنة ويبعد عن مواقعة العصيان وهو غض البصر ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوات عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة ولما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإِماء رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك ليصيروا أحراراً فيتصرفون في أنفسهم.
{وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} أي المكاتبة كالعتاب والمعاتبة.
{مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعم المماليك الذكور والإِناث والذين يحتمل أن يكون مبتدأ خبره الجملة والفاء دخلت في الخبر لما تضمن الموصول من معنى اسم الشرط * والخير المال قاله ابن عباس:
{وَآتُوهُمْ} أمر للمكاتبين.
{مِّن مَّالِ ٱللَّهِ} لا يدل على مقدار معين من المال.
{وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن عبد الله بن أبي كان له ست جوار * معاذة * ومسيكة * وأميمة * وعمرة * وأروى * وقتيلة جاءت إحداهن ذات يوم بدينار وأخرى ببرد فقال لهما: ارجعا فازينا فقالت: والله لا نفعل ذلك قد جاءنا الله بالإِسلام وحرم الزنا فأتتا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكتا له ذلك فنزلت * والفتاة المملوكة وهذا خطاب للجميع ويؤكد أن يكون وآتوهم خطاباً للجميع والنهي عن الإِكراه على الزنا مشروط بإِرادة التعفف منهن لأنه لا يمكن الإِكراه إلا مع إرادة التحصن أما إذا كانت مريدة للزنا فإِنه لا يتصور الإِكراه..
{فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} جواب للشرط والصحيح أن التقدير غفور رحيم لهم ليكون جواب الشرط فيه ضمير يعود على من الذي هو اسم الشرط ويكون ذلك مشروطاً بالتوبة ولما غفل الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء عن هذا الحكم وقدروا فإِن الله غفور رحيم لهن أي المكرهات فعريت جملة الشرط من ضمير يعود على اسم الشرط * ومثلاً أي قصة غريبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم في براءتهما وقال الضحاك المثل ما في التوراة والإِنجيل من إقامة الحدود وأنزل في القرآن مثله.
{وَمَوْعِظَةً} أي: ما وعظ به في الآيات والمثل من نحو قوله ولا تأخذكم بها رأفة لولا إذ سمعتموه يعظكم الله أن تعود والمثلة وحض المتقين لأنهم المنتفعون بالموعظة.
{ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الآية النور الضوء المدرك بالبصر واسناده إلى الله مجاز كما تقول زيد كرم وإسناده على اعتبارين إما على أنه إسم فاعل أي منور السماوات والأرض وإما على حذف مضاف أي ذو نور ويؤيده قوله: مثل نوره وأضاف النور للسماوات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض * المشكاة الكوّة غير النافذة، قال الكلبي: وهو حبشي معرب وهو على حذف مضاف أي صفة نوره كنور مشكاة.
{فِيهَا مِصْبَاحٌ} المصباح آلة يستصبح بها كالمفتاح آلة للفتح وقال أبو موسى: المشكاة الحديدة والرصاصة التي يكون فيها الفتيلة في جوف الزجاجة والزجاجة ظرف للمصباح لقوله: المصباح في زجاجة.
{كَأَنَّهَا} أي كأن الزجاجة لصفاء جوهرها وذاتها وهي أبلغ في الإِنارة أو لما احتوت عليه من نور المصباح كأنها:
{كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} قرىء: دري بضم الدال وتشديد الياء نسبة إلى الدر لصفائه وقرىء: درىء بهمزة على وزن مريق وقرىء: درىء بكسر الدال والهمز وهما مشتقان من درأ أي دفع كأنهما يدفعان الظلمة، وقرىء: يوفد أي المصباح وتوقد بالتاء أي الزجاجة ونسب الاتقاد إليها لتوقد المصباح.
{مِن شَجَرَةٍ} أي من زيت شجرة.
{مُّبَارَكَةٍ} قيل بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم * والزيتون من أعظم الشجر ثمراً ونماءً.
{زَيْتُونَةٍ} بدل من شجرة وأجاز الكوفيون والفارسي أن يكون عطف بيان ولا يجيز البصريون ذلك لأنهم شرطوا في عطف البيان أن يكون معرفة لمعرفة.
{لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} هي من شجر الشام فليست من شرق الأرض ولا من غربها لأن شجر الشام من أفضل الشجر.
{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} مبالغة في صفاء الزيت وأنه لإِشراقه وجودته يكاد يضيء من غير نار والجملة من قوله:
{وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} حالية معطوفة على حال محذوفة أي يكاد زيتها يضيء في كل حال ولو في هذه الحال التي تقتضي أنه لا يضيء لانتفاء مس النار له.
{نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} أي متضاعف تعاون عليه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت فلم يبق مما يقوي النور ويزيده إشراقاً شىء لأن المصباح إذا كان في مكان ضيق كان أجمع لنوره بخلاف المكان الواسع فإِنه ينشر النور والقنديل أعون شىء على زيادة النور وكذلك الزيت وصفاءه وهنا تم المثال وما أحسن ما جاء في التركيب في قوله تعالى: {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} حيث ذكر الإِصباح مرتين نكرة ومعرفة وكذلك قوله: الزجاجة ذكرها نكرة ومعرفة فدل ذلك على تفخيم هذا التركيب وحسنه ولو كان في غير القرآن لاكتفى بقوله: كمصباح في مشكاة في زجاجة، وهذا التشبيه كله إنما جاء باعتبار ما يتخيله الناس من انتشار هذا النور وإلا فالنور المنسوب إلى الله أعظم من كل نور يتخيل ولقد أحسن أبو تمام في قوله: وقد مدح ملكاً فشبهه بعمر وفي إقدامه وحاتم في كرمه وأحنف في حلمه وإياس في ذكائه، فقال:

اقدام عمر وفي سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس

فقيل له: شبهت ذلك الملك باجلاف من العرب فقال مرتجلاً:

لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شردوا في الندى والياس
فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس

والنبراس المصباح ثم قال:
{يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ} أي يهدي من يشاء هدايته ويصطفيه لها ثم ذكر تعالى أنه يضرب الأمثال ليقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإِيمان.
{فِي بُيُوتٍ} الظاهر أن يتعلق في بيوت بقوله: يسبح وان ارتباط هذه بما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر أنه يهدي لنوره من يشاء ذكر حال من حصلت له الهداية لذلك النور وهم المؤمنون ثم ذكر أشرف عباداتهم القلبية وهو تنزيههم الله تعالى عن النقائص وإظهار ذلك بالتلفظ به في مساجد الجماعات ثم ذكر سائر أوصافهم من التزام ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وخوفهم ما يكون في البعث ولذلك جاء مقابل المؤمنين وهم الكفار في قوله: والذين كفروا وكأنه لما ذكرت الهداية للنور جاء التقسيم لقابل الهداية وعدم قابلها فبدىء بالمؤمن وما تأثر به من أنواع الهدى ثم ذكر الكافرين وقرىء: يسبح بكسر الباء ورجال فاعل، وقرىء: بفتح الباء ورجال فاعل بفعل محذوف ولما قال: يسبح له، قيل: من يسبحه فقيل: رجال وحذف لدلالة يسبح عليه وفيها بدل من قوله: في بيوت ثم ذكر تعالى وصف المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى وطلبهم رضاه لا يشتغلون عن ذكر الله * واحتمل قوله لا تلهيهم وجهين أحدهما أنهم لا تجارة لهم تلهيهم عن ذكر الله كقوله: على لا حب لا يهتدي بمناره أي لا منار له فيهتدي به والثاني أنهم ذوو تجارة وبيع ولكن لا يشغلهم ذلك عن ذكر الله وعما فرض عليهم * واللام في ليجزيهم متعلقة بمحذوف تقديره فعلوا ذلك ليجزيهم * أحسن هو على حذف مضاف أي ثواب أحسن ما عملوا وما في ما عملوا يحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره عملوه واحتمل أن تكون مصدرية أي أحسن عملهم.
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} الآية لما ذكر تعالى حال المؤمنين ذكر حال الكافرين فمثل لهم ولأعمالهم مثلين أحدهما بطلان أعمالهم في الآخرة وأنهم لا ينتفعون بها والثاني يقتضي حالها في الدنيا من ارتباكها في الضلال والظلمة شبه أعمالهم أولاً في اضمحلالها وفقدان ثمرتها بسراب في مكان منخفض ظنه العطشان ماء فقصده وأتعب نفسه في الوصول إليه.
{حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ} أي جاء موضعه الذي تخيله فيه.
{لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} أي فقده لأنه مع الدنو لا يرى شيئاً كذلك الكافر يظن أن عمله في الدنيا نافعه حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم ينفعه عمله بل صار وبالاً عليه * والقيعة المكان المنخفض من الأرض وجمعها قيعان * والظمآن العطشان * والسراب الضباب المنعقد كأنه سحاب وهو لا حقيقة له والظاهر أنه تعالى شبه أعمالهم في عدم انتفاعهم بها بسراب صفة كذا وأن الضمائر فيما بعد الظمآن له والمعنى في:
{وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ} أي ووجد مقدور الله عليه في هلاكه بالظمأ عنده أي عند موضع السراب.
{فَوَفَّاهُ} ما كتب له من ذلك وهو المحسوب له والله تعالى معجل حسابه لا يؤخره عنه فيكون الكلام متناسقاً آخذاً بعضه بعنق بعض وذلك باتصال الضمائر لشىء واحد ويكون هذا التشبيه مطابقاً لأعمالهم من حيث أنهم اعتقدوها نافعة فلم ينفعه وحصل لهم الهلاك باثر ما حوسبوا.
{أَوْ كَظُلُمَاتٍ} هذا التشبيه الثاني لأعمالهم والأول فيما تؤول إليه أعمالهم في الآخرة وهذا الثاني فيما هم عليه في حال الدنيا وبدأ بالتشبيه الأول لأنه آكد في الاخبار لما فيه من ذكر ما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم والعذاب السرمد أتبعه بهذا التمثيل الذي نبههم على ما هي أعمالهم.
{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى الإِيمان ويتفكرون في نور الله تعالى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وقرىء:
{سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ} على الإِضافة وسحاب منوناً ظلمات مجرور بدلاً من ظلمات المتقدمة ويكون بعضها فوق بعض مبتدأ وخبر في موضع الصفة بظلمات وقرىء: سحاب منوناً ظلمات منوناً بدل من قوله سحاب * والضمير في يده عائد على محذوف يدل عليه المعنى تقديره إذا أخرج من استقر في الظلمات يده لم يكد يراها أي: لم يقارب رؤيتها لتكاثف الظلمة وإذا انتفت المقاربة انتفت الرؤية.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ} الآية لما ذكر تعالى المؤمن والكافر وان الإِيمان والضلال أمرهما راجع إليه أعقب بذكر الدلائل على قدرته وتوحيده والظاهر حمل التسبيح على حقيقته وتخصيص من في قوله: ومن في الأرض بالمطيع لله من الثقيلين وقيل من عام لكل موجود وغلب من يعقل على ما لا يعقل فادرج ما لا يعقل فيه ولما ذكر انقياد من في السماوات والأرض والطير إليه وذكر ملكه لهذا العالم وصيرورتهم إليه أكد ذلك بشىء عجيب من أفعاله مشعراً بانتقال من حال إلى حال وكان عقب قوله: وإليه المصير، فاعلم بانتقال إلى معاد فعطف عليه ما يدل على تصرفه في نقل الأشياء من حال إلى حال * ومعنى يزجي يسوق قليلاً قليلاً ويستعمل في سوق الثقيل برفق كالسحاب والإِبل والسحاب اسم جنس واحده سحابة والمعنى يسوق سحابة إلى سحابة * ثم يؤلف بينه أي بين أجزائه لأنه سحابة تلحق بسحابة فيجعل ذلك ملتئماً بتأليف بعضه إلى بعض * فيجعله ركاماً أي متكاثفاً يجعل بعضه على بعض.