التفاسير

< >
عرض

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ
١٥١
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٥٢
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٥٣
-آل عمران

النهر الماد

{سَنُلْقِي} أتى بالسين التي هي أقرب في الاستقبال من سوف، وقرىء الرعب بسكون العين وضمها والباء في بما للسبب وما مصدرية أي بإِشراكهم بالله. وقرىء سيلقي بالياء وهو ضمير الله تعالى.
{مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} يريد إلهاً أو معبوداً لم ينزل به سلطاناً وليس المعنى أن ثم سلطاناً لم ينزل الله وإنما المعنى على نفي السلطان فينتفي الإِنزال كما قال الشاعر:

على لاحب لا يهتدي بمناره

أي لا منار له فيهتدي به فانتفى السلطان والانزال كما انتفى المنار والهداية به.
{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} هذا جواب لمن رجع إلى المدينة من المؤمنين، قالوا: وعدنا الله بالنصر والامداد بالملائكة فمن أي وجه آتينا فنزلت اعلاماً أنه تعالى صدقهم الوعد ونصرهم على أعدائهم أولاً وكان الامداد مشروطاً بالصبر والتقوى فاتفق من بعضهم من المخالفة ما نص الله تعالى في كتابه وجاءت المخاطبة بجمع ضمير المؤمنين في هذه الآيات وإن كانوا لم يصدر ما يعاتب عليه من جميعهم وذلك على طريقة العرب في نسبة ما يقع من بعضهم للجميع على سبيل التجوز، وفي ذلك إبقاء على من فعل وستر إذ لم يعين وزجر لمن لم يفعل أن يفعل وصدق الوعد هو أنهم هزموا المشركين أولاً، وكان لعلي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب والزبير وأبي دجانة وعاصم بن أبي الأفلح رضي الله عنهم في ذلك اليوم بلاء عظيم وهو مذكور في السير وكان المشركون في ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس والمسلمون في سبعمائة رجل وتعدت صدق هنا إلى اثنين ويجوز أن تتعدى إلى الثاني بحرف جر تقول: صدقت زيداً الحديث وصدقت زيداً في الحديث وذكرها بعض النحويين في باب ما يتعدى إلى اثنين وأصلها أن يكون الثاني بحرف الجر فيكون من باب استغفر واختار والعامل في إذ صدقكم ومعنى تحسونهم تقتلونهم وكانوا قتلوا من المشركين اثنين وعشرين رجلاً وقرأ أبو عبيد بن عمير تحسونهم رباعياً من الاحساس أي تذهبون حسهم بالقتل وغيا القتل بوقت الفشل وهو الجبن والضعف والتنازع هو التجاذب في الأمر التنازع صدر من الرماة
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رتب الرماة على فم الوادي وقال: أثبتوا مكانكم وإن رأيتمونا هزمنا فأنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وعدهم بالنصر إن ثبتوا أو انتهوا إلى أمره" ، فلما انهزم المشركون قال بعض الرماة: قد انهزموا فما موقفنا هنا الغنيمة الغنيمة الحقوا بنا بالمسلمين، وقال بعضهم: بل نثبت مكاننا كما أمرنا: وقيل: التنازع هو ما صدر من المسلمين في الاختلاف حين صيح ان محمداً قد قتل والعصيان هو ذهاب من ذهب من الرماة عن مكانه طلباً للنهب والغنيمة وكان خالد بن الوليد حين رأى قلة الرماة صاح في خيله وحمل على من بقي من الرماة فقتلهم وحمل في عسكر المسلمين فتراجع المشركون فأصيب من المسلمين يومئذٍ سبعون رجلاً وإذا بعد حتى في موضع جر بحتى مزالاً عنها معنى الشرطة، قال الأخفش وغيره. وقيل: تدخل حتى على إذا الشرطية وجواب إذا المختار أنه محذوف لا عصيتم على زيادة الواو ولا على زيادة ثم، وقدره ابن عطية: انهزمتهم، والزمخشري: منعكم نصره، وغيرهما: امتُحنتم. ويظهر لي أن الجواب المحذوف غير ما قدروه وهو انقسمتم إلى قسمين ويدل عليه ما بعده وهو نظير فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد التقدير انقسموا قسمين فمنهم مقتصد. لا يقال: كيف، يقال: انقسموا فيمن قتل وتنازع وعصى، لأن هذه الأفعال لم تصدر من كلهم بل من بعضهم كما ذكرناه في أول الكلام على هذه الآية.
{مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} قال ابن عباس: هي الغنيمة كالرماة الذين خالفوا أمر الرسول عليه السلام في الثبات في مكانهم ومنكم من يرد الآخرة، أي ثواب الآخرة كالرماة الذين ثبتوا في مكانهم. وقاتلوا حتى قتلوا في نفر دون العشرة منهم أنس بن النضر.
{إِذْ تُصْعِدُونَ} قرىء رباعياً من أصعد، والاصعاد ابتداء السفر. وقرىء تصعدون مضارع صعد الجبل أي ارتقى فيه. وقرىء تصّعّدون بشد الصاد وأصله تتصعدون وماضيه تصعّد أي ارتقى في السلم وقرأ الحسن.
{وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} وخرجوها على قراءة همزة الواو ونقل الحركة إلى اللام وحذف الهمزة ويحتمل أن يكون مضارع ولي وعدى بعلى على التضمين أي ولا تعطفون على احد، قال ابن عطية: وحذفت إحدى الواوين الساكنتين وكان قد قال في هذه القراءة وهي قراءة متركبة على لغة من همز الواو المضمومة ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام. انتهى. وهذا الكلام عجيب تخيل هذا الرجل أنه نقلت الحركة إلى اللام فاجتمع واوان ساكنتان احداهما الواو التي هي عين الكلمة والأخرى واو الضمير وحذفت إحدى الواوين لأنهما ساكنتان، وهذا قول من لم يمعن النظر في صناعة النحو لأنها إذا كانت متركبة على لغة من همز الواو ثم نقل حركتها إلى اللام فإِن الهمزة إذ ذاك تحذف ولا يلتقي واوان ساكنتان، ولو قال: استثقلت الضمة على الواو لأن الضمة كأنها واو فصار ذلك كأنه جمع بين ثلاث واوات فنقلت الضمة إلى اللام فالتقى ساكنان فحذفت الأولى منهما ولم يبهم في قوله: إحدى الواوين لأمكن ذلك في توجيه هذه القراءة الشاذة اما أن يبني ذلك على لغة من همز على زعمه فلا يتصور ذلك.
{وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} أي يقول إليّ عباد الله.
{فَأَثَـٰبَكُمْ} كني به عن المعاقبة على فرارهم عن الرسول عليه السلام كما قال: تحية بينهم وجميع.
{غَمّاًً بِغَمٍّ} أي ملتبساً بغم ويريد بذلك كثرة الغم الذي حصل لهم. وقال ابن عباس: هما غمان الأول هو ما أصابهم من الهزيمة والقتل، والثاني إشراف خالد بخيل المشركين عليهم. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الضمير في فأثابكم للرسول أي فأساءكم في الاغتمام وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمّه ما نزل بكم فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يتبكم على عصيانكم ومخالفتكم وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم.
{لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} من نصر الله.
{وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ} من غلبة العدو. انتهى. هذا خلاف الظاهر لأن المسند إليه الأفعال السابقة هو الله تعالى وذلك في قوله: ولقد صدقكم الله وعده. وقوله: ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم. فيكون قوله: فأثابكم، مسنداً إلى الله تعالى. وذكر الرسول إنما جاء في جملة حالية نعي عليهم فرارهم مع كون من اهتدوا على يديه يدعوهم فلم يجيىء مقصود الآن يحدّث عنه إنما الجملة التي ذكر فيها في تقدير المفرد إذ هي حال. قال الزمخشري: فأثابكم عطف على صرفكم. انتهى. وفيه بعد لطول الفصل بين المتعاطفين والذي يظهر أنه معطوف على تصعدون ولا تلوون لأنه مضارع في معنى الماضي لأن إذ تصرف المضارع إلى الماضي إذ هي ظرف لما مضى، والمعنى: إذ صعد ثم وما لويتم على أحد فأثابكم لكيلا تحزنوا ليست لا زائدة وتقديره لكي تحزنوا كما ذهب إليه أبو البقاء. وقيل: لا باقية على النفي. فقال الزمخشري: لكيلا تحزنوا لتتمرّنوا على تجرع الغموم وتضروا باحتمال الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار. انتهى. فجعل العلة في الحقيقة تبوتية وهي التمرن على تجرع الغموم والاعتياد لاحتمال الشدائد ورتب على ذلك انتفاء الحزن وجعل ظرف الحزن هو مستقبل لا تعلق له بقصة أحد بل لينتفي الحزن عنكم بعد هذه القصة. وقال ابن عطية المعنى لتعلموا أن ما وقع بكم هو بجنايتكم فأنتم آذيتم أنفسكم وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة وأكثر قلق المعاقب وحزنه إنما هو مع ظنه البراءة بنفسه. "انتهى". والذي يظهر أن الغم الكثير الذي عاقبهم الله به غلب على قلوبهم حتى لم يقع منهم حزن على ما فاتهم ولا ما أصابهم فشغلهم الغم عن ذلك.