التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٨٣
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ
١٨٤
كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ
١٨٥
-آل عمران

النهر الماد

{ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} نزلت في جماعة من اليهود فيهم كعب بن الأشرف وعهد بمعنى أوصى. والظاهر أن القربان هو ما يتقرب به إلى الله تعالى، وزعموا أن هذا العهد في التوراة. وقيل: هو من كذبهم على الله.
قال ابن عطية: وقرأ عيسى بن عمر بقربان بضم الراء اتباعاً لضم القاف. وليس بلغة لأنه ليس في الكلام فعلان بضم الفاء والعين. وحكى سيبويه السلطان بضم اللام وقال: إن ذلك على الاتباع. "انتهى". لم يقل سيبويه ان ذلك على الاتباع بل قال: ولا نعلم في الكلام فعلان ولا فعلان ولا شيئاً من النحو لم نذكره ولكنه جاء فعلان وهو قليل قالوا السلطان وهو اسم. "انتهى". وقال الشارح صاحب هذه اللغة لا يسكن ولا يتبع. "انتهى". والظاهر من هذه الآية والتي قبلها ان ذلك من فعل أسلافهم ألا ترى إلى قوله:
{ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ } [آل عمران: 181]. وقوله: {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ...} إلى آخر الآية، والمعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود لم يقتلوا الأنبياء ولا جاءتهم رسل غير محمد صلى الله عليه وسلم ويظهر ما قلناه في قوله تعالى: {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} وإنما هذا كله من فعل أسلافهم فُوُبّخوا بذلك لرضاهم بما صدر من أسلافهم. {فَإِن كَذَّبُوكَ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجواب الشرط محذوف تقديره فتسل بما صدر للرسل من تكذيبهم قبلك وما وجد من كلام المعربين أن جواب الشرط هو قوله: فقد كذب، إنما هو صلى سبيل المجاز لأن الماضي حقيقة لا يكون جواباً للشرط المستقبل، ومعنى بالبينات: بالمعجزات الواضحة.
{وَٱلزُّبُرِ} جمع زبور وهو الكتاب. يقال: زبره أي كتبه وقد يكون مشتقاً من الزبر وهو الزجر. والجمع يدل على الكثرة، ويعني به الكتب الإِلهية.
{وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} القرآن. الظاهر أنه التوراة إذ هو أكبر الكتب المنزلة على بني إسرائيل وفيه تبيين شريعتهم. وقرىء وبالزبر وبالكتاب بالباء فيهما. وقرىء بتركهما.
{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تضمنت هذه الجملة وما بعدها الوعظ والتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدنيا وأهلها والوعد بالنجاة في الآخرة إذ بذكر الموت والفكرة فيه يهون ما يصدر من الكفار من تكذيب وغيره. ولما تقدم ذكر المكذبين الكاذبين على الله تعالى من اليهود والمنافقين وذكر المؤمنين نبهوا كلهم على أنهم ميتون وما لهم إلى الآخرة، ففيها يظهر الناجي والهالك، وإن ما تعلقوا به في الدنيا في مال وأهل وعشيرة إنما هو على سبيل التمتع المغرور به كلها تضمحل وتزول ولا يبقى إلا ما عمله الانسان فهو يوفاه في الآخرة يوفى على طاعته ومعصيته. وقال محمد بن عمر الفخر الرازي: في هذه الآية دلالة على أن النفس لا تموت بموت البدن وعلى أن النفس غير البدن. "انتهى". وهذه مكابرة في الدلالة فإِن ظاهر الآية يدل على أن النفس تموت. وقال أيضاً: لفظ النفس مختص بالأجسام. "انتهى". وقرىء ذائقة منوناً، الموت نصباً. وقرىء بغير تنوين، والموت نصباً. ونظيره قول الشاعر:

ولا ذاكر الله إلا قليلاً

حذف التنوين لإِلتقاء الساكنين. وقراءة الجمهور على الاضافة وكل إذا أضيفت إلى نكرة كان الحكم في الخبر والاضمار لتلك النكرة، كقوله: {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}، وقوله: { كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } [الطور: 21]، وكل رجلين قاما، وكل امرأتين قامتا، وقوله تعالى: { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } [الإسراء: 71]، وقول الشاعر:

وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل

فالتذكير والتأنيث والافراد والتثنية والجمع بحسب النكرة التي أضيف إليها كل.
{فَمَن زُحْزِحَ} الزحزحة التنحية والابعاد.