التفاسير

< >
عرض

رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ
١٩٣
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
١٩٤
فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ
١٩٥
لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ
١٩٦
مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
١٩٧
لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ
١٩٨
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
١٩٩
يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٢٠٠
-آل عمران

النهر الماد

{رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا} سمع تعدت هنا إلى واحد: وينادى: صفة له. وإن آمنوا: تفسيره التقدير أي آمنوا، وقيل: مصدرية على تقدير إسقاط حرف الجر تقديره بأن آمنوا وعطف فآمنا بالفاء مؤذن بتعجيل القبول وتسبيب الإِيمان عن السماع من غير تراخ والمعنى فامنا بك أو بربنا.
و{ٱلأَبْرَارِ} جمع بار أو جمع بر. {عَلَىٰ رُسُلِكَ} أي على ألسنة رسلك. وانظر إلى حسن مجاورة هؤلاء الذاكرين المتفكرين فإِنهم خاطبوا الله بلفظة ربنا وهي إشارة إلى أنه ربهم، وأصلحهم وهيأهم للعبادة، فأخبروا أولاً بنتيجة الفكر وهو قولهم: ربنا ما خلقت هذا باطلاً، ثم سألوه أن يقيهم النار بعد تنزيهه عن النقائص وأخبروا عن حال من يدخل النار وهم الظالمون الذين لا يذكرون الله ولا يتفكرون في مصنوعاته، ثم ذكروا أيضاً ما أنتج لهم التفكر من إجابة الداعي إلى الإِيمان إذ ذاك مترتب على أنه تعالى ما خلق هذا الخلق العجيب باطلاً، ثم سألوه غفران ذنوبهم ووفاتهم على الإِيمان الذي أخبروا به في قولهم: فآمنا، ثم سألوا الله الجنة وأن لا يفضحهم يوم القيامة وذلك هو غاية ما سألوه. وتكرر لفظ ربنا خمس مرات كل ذلك على سبيل الاستعطاف وتطلب رحمة الله بندائه بهذا الاسم الشريف الدال على التربية والملك والاصلاح ولذلك تكرر هذا الاسم في قصة آدم ونوح وغيرهما وفي تكرار ربنا ربنا دلالة على جواز الإِلحاح في المسألة واعتماد كثرة الطلب من الله سبحانه وتعالى. وفي الحديث ألظوا بيا ذا الجلال والإِكرام. وقال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم.
{فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} استجاب بمعنى أجاب تقدم الكلام عليه في البقرة عند قوله:
{ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي } [الآية: 186] ولما كان تقدم قولهم: ربنا ربنا، جاء هنا ربهم ولم يأت اسم غيره ليكون المدعو هو المستجيب لهم.
{أَنِّي لاَ أُضِيعُ} أي باني لا أضيع. وقرىء بأني بالباء. وقرىء اني بكسر الهمزة على إضمار القول كأنه قائلاً: اني على مذهب البصريين أو على تضمين استجاب معنى قال على مذهب الكوفيين. وقرىء أضيع مضارع أضاع. وقرىء أضيّع مضارع ضيّع. ومنكم في موضع الصفة لعامل ومن ذكر بدل من الضمير بدل بعضٍ من كل. وقوله: أو أنثى معطوف عليه ولا يجوز أن يكون بدلاً تفصيلياً لوجود أوْ لأنه لا يعطف فيه إلاّ بالواو. وكقول الشاعر:

وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت

فإِن جعلت أو بمعنى الواو جاز.
{بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} معناه تبيين شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده العاملين.
{فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} روى أن أم سلمة قالت: يا رسول الله قد ذكر الله الرجال في الهجرة ولم يذكر النساء في شيء من ذلك. فنزلت هذه الآية. والذين: مبتدأ خبره جملة القسم المحذوفة التي جوابها لأكفرن وفي هذا حجة على إبطال مذهب ثعلب في زعمه إن جملة القسم لا تكون خبراً للمبتدأ وبدأ أولاً بالخاص وهي الهجرة وهي أشق شيء على النفس إذ فيها مفارقة الوطن الذي نشأ فيه حيث لم يمكنه إقامة دين الله فهاجر إلى المكان الذي يمكن فيه ذلك وهي المدينة وثنى بما ينشأ عنه ما هو أعلم من الهجرة وهو الإِخراج من الديار وقد يخرج إلى الهجرة إلى المدينة أو إلى غيرها، كخروج من خرج إلى الحبشة، وكخروج أبي جندل إذ لم يترك يقيم بالمدينة. وأتى ثالثاً بذكر الاذاية وهي أعم من أن يكون بإِخراج من الديار أو غير ذلك من أنواع الأذى، وارتقى بعد هذه الأوصاف السنية الى رتبة جهاد من أخرجه ومقاومته واستشهاده في سبيل الله، فجمع بين رتب هذه الأعمال من تنغيص أحواله في الحياة لأجل دين الله بالمهاجرة وإخراجه من داره وإذايته في الله ومآله أخيراً إلى افنائه بالقتل في سبيل الله والظاهر الاخبار عمن جمع هذه الأوصاف كلها بالخبر الذي بعد ويجوز أن يكون ذلك من باب عطف الصلات والمعنى اختلاف الموصول لاتحاده فكأنه قيل: فالذين هاجروا، والذين أخرجوا، والذين أوذوا، والذين قاتلوا، والذين قوتلوا، ويكون الخبر عن كل من هؤلاء. وقرىء وقاتلوا مبنياً للفاعل وقتلوا مبنياً للمفعول. وقرىء بالعكس.
{ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ} انتصب ثواباً على المصدر المؤكد وإن كان الثواب هو المثاب به كما كان العطاء هو المعطي واستعمل في بعض المواضع بمعنى المصدر الذي هو الإِعطاء فوضع ثواباً موضع إثابة أو موضع تثويباً لأن ما قبله في معنى لأثيبنهم ونظيره صنع الله ووعد الله. وفي قوله: من عند الله التفات وهو خروج من ضمير المتكلم إلى الاسم الغائب.
{لاَ يَغُرَّنَّكَ} الخطاب للسامع والذين كفروا عام وتقلبهم في البلاد سعيهم فيها لكسب الأموال والجاه والرتب. وقرىء بتشديد النون وتخفيفها.
{مَتَاعٌ قَلِيلٌ} خبر مبتدأ محذوف أي ذلك متاع قليل أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره متاع قليل تقلبهم وتصرفهم والمأوى مفعل يراد به المكان الذي يأوي إليه ويرجع يعني في الآخرة. والمخصوص بالذم محذوف تقديره وبئس المهاد جهنم. قيل: ونزلت هذه الآية في اليهود كانوا يضربون في الأرض فيصيبون الأموال: قاله ابن عباس.
{لَهُمْ جَنَّاتٌ} قابل جهنم بالجنات وقابل قلة متاعهم بالخلود الذي هو الديمومة في النعيم، فوقعت لكن أحسن مواقعها لأنه آل معنى الجملتين إلى تعذيب الكفار وإلى تنعيم المتقين، فهي واقعة بين الضدين، النزل ما يعد للنازل من الضيافة والقرى. ويجوز تسكين زايه. وقرىء به وانتصب نزلاً على أنه حال من جنات وهي موصوفة بقوله: تجري وخيراً فعل تفضيل أي خير لهم مما كانوا فيه في الدنيا. وفي قوله: وما عند الله حوالة على ما أعد لهم في الآخرة.
{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ} لما مات أصحمة النجاشي ملك الحبشة صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قائل يصلي على هذا العِلج النصرانيّ وهو في أرضه، فنزلت: قاله جابر وابن عباس. ومن أهل الكتاب عام فيمن آمن منهم كعبد الله بن سلام ومن آمن من نصارى بحران ونصارى الحبشة.
{لَمَن} موصولة وهي اسم إنْ دخلت عليها اللام كما دخلت في قوله: إن لك لأجر أو حمل على لفظ في فأفرد الضمير في قوله: يؤمن، ثم حمل على المعنى فجمع في قوله: وما أنزل إليهم وفي خاشعين وما بعده.
{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} أمر أولاً بمطلق الصبر، ثم بخاصّ من الصبر وهو المصابرة على الجهاد في سبيل الله تعالى وقتال أعدائه ثم بالرباط وهو الإِقامة في الثغور رابطين الخيل مستعدين للغزو. وفي البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها" . وفي مسلم: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه. وإن مات جرى عليه رزقه وأمن الفتان" . وفي سنن أبي داود قال: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإِنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتاني القبر" . والله الموفق.