التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ
٤٢
يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ
٤٣
ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
٤٤
-آل عمران

النهر الماد

{وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ} لما فرغ من قصة زكريا وكان قد استطرد من قصة مريم إليها رجع إلى قصة مريم والمقصود تبرئة مريم عليها السلام مما رمتها به اليهود وفي نداء الملائكة لها باسمها تأنيس لها وتوطئة لما تلقيه إليها. قال الزمخشري: روي أنهم كلموها شفاهاً معجزة كزكريا عليه السلام لنبوة عيسى. "انتهى". يعني بالإِرهاص التقدم والدلالة على نبوته وهذا مذهب المعتزلة أن الخارق للعادة عندهم لا يكون على يد على غير نبي إلا إن كان في وقت نبي أو انتظار بعث نبي فيكون ذلك الخارق مقدمة بين يدي بعثه ذلك النبي.
{وَطَهَّرَكِ} قال ابن عباس: وطهرك من دم الحيض. وقال الزمخشري: اصطفاك أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية وطهرك مما يستقذر من الأفعال ومما قذفك به اليهود.
{وَٱصْطَفَـٰكِ} آخراً. {عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء. "انتهى". وهو كلام حسن.
{يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي} أمرت بالصلاة فذكر أركانها من القنوت وهو القيام والسجود وهو وضع الجبين على الأرض والركوع وهو انحناء الظهر، وقدم السجود على الركوع لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. والعطف بالواو لا يدل على الترتيب الزماني. وقد يكون الركوع في ملتهم متأخراً عن السجود. قال ابن عطية: هذه الآية أشد اشكالاً من قولنا: قام زيد وعمرو، لأن قيام زيد وعمرو ليس له رتبة معلومة. وقد علم ان السجود بعد الركوع فكيف جاءت الواو بعكس ذلك. "انتهى". وهذا كلام من لم يمعن النظر في كلام سيبويه. فإن سيبويه ذكر أن الواو تكون معها في العطف المعية وتقديم السابق وتقديم اللاحق يحتمل ذلك احتمالات سواء ولا يترجح أحد الإِحتمالات على الآخر. ومع في قوله: مع الراكعين، تقتضي الصحبة والاجتماع في إيقاع الركوع مع من يركع والظاهر التجوز في لفظة مع فتكون للموافقة في الفعل فقط لأنها كانت في عبادتها تنفرد من أهلها كما قال تعالى:
{ فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً } [مريم: 17]، وجاء الراكعين جمع سلامة ويعم المذكرين والمؤنثات بالتغليب.
{ذٰلِكَ} الإِشارة إلى اخبار الله تعالى باصطفائه آدم وما بعد ذلك من القصص ذلك مبتدأ. "ومن أنباء" الخبر. "ونوحيه إليك" الضمير المنصوب عائد على الغيب أي من شأننا أن نوحي إليك بالمغيبات ولو كان الضمير عائداً على ذلك لكان بصيغة الماضي فكان التركيب أوحيناه إليك لأن الإِيحاء به قد وقع.
{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ} روي أن منّة لما ولدت مريم لفّتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت أمامهم وصاحب قرباتهم وكان بغوا مائتان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها. فقالوا: لا حتى نقترع عليها. فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر قيل: هو نهر الأرْدُنّ وهو قول الجمهور وقيل إلى عين ماء كانت هناك فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا ورسبت أقلامهم فكفلها. والخطاب في قوله: وما كنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تقرير وتثبيت ان ما علمه من ذلك إنما هو بوحي من الله تعالى والمعلم به قصتان قصة مريم وقصة زكريا فنبه على قصة مريم إذ هي المقصودة بالاخبار أولاً وإنما جاءت قصة زكريا على سبيل الاستطراد والاندراج بعض قصة زكريا في ذكر من يكفل فما خلت من تنبيه على قصته. ويعني وما كنت لديهم، أي وما كنت معهم بحضرتهم إذ يلقون أقلامهم ونفي المشاهدة وإن كانت منتفية بالعلم ولم ينف القراءة والتلقي من حفاظ الأنبياء على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي وقد علموا أنه ليس ممن يقرأ ولا ممن ينقل عن الحفاظ للأخبار فتعين أن يكون علمه بذلك عن وحي من الله إليه، ونظيره في قصة موسى وما كنت بجانب الغربي وما كنت بجانب الطور وفي قصة يوسف وما كنت لديهم إذا جمعوا أمرهم. والضمّير في لديهم عائد على غير مذكور بل على ما دل عليه المعنى أي وما كنت لدى المتنازعين كقوله: فأثرت به نقعا، أي بالمكان والعامل في إذ العامل في لديهم. وقال أبو علي الفارسي: العامل في إذ كنت. "انتهى". ولا بناس ذلك مذهبه في مكان الناقصة لأنه يزعم أنها سلبت الدلالة على الحدث وتجردت للزمان وما سبيله هذا فكيف يعمل في الظرف لأن الظرف دعاء للحدث ولا حدث فلا تعمل فيه والمضارع بعد إذ في معنى الماضي أي إذ ألقوا أقلامهم للإِستهام على مريم والظاهر أنها الأقلام التي للكتابة قيل كانوا يكتبون بها التوراة فاختاروها للقرعة تبركاً بها. ومعنى الإِلقاء: الرمي والطرح. ولم يذكر في الآية ما الذي ألقوها فيه ولا كيفية حال الإِلقاء وكيف خرج قلم زكريا.
و{أَيُّهُمْ} مبتدأ وما بعده خبره والجملة في موضع نصب اما على الحكاية بقول محذوف أي يقولون أيهم يكفل مريم وأما بعلة محذوفة أي ليعلموا أيهم يكفل مريم وأما بحال محذوفة أي ينظرون أيهم يكفل مريم ودل على المحذوف يلقون أقلامهم.