التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
١٥
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ
١٦
ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ
١٧
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
١٨
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
١٩
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢٠
وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ
٢١
قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ
٢٢
-سبأ

النهر الماد

{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} لما ذكر تعالى حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان بين حال الكافرين بأنعمه بقصة سبأ موعظة لقريش وتحذيراً وتنبيهاً على ما جرى لمن كفر أنعم الله تعالى وتقدم الكلام في سبأ في النمل ولما ملكت بلقيس اقتتل قومها على ماء واديهم فتركت ملكها وسكنت قصرها وراودوها على أن ترجع فأبت فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك فقالت لهم لا عقول لكم مسير ثلاث أيام فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمساءة بالصخر والقار وحبست الماء من وراء السد وجعلت له أبواباً بعضها فوق بعض وبقيت من دونه بركة فيها اثنا عشر مخرجاً على عدة أنهارهم وكان الماء يخرج لهم بالسوية إلى أن كان من شأنها مع سليمان عليه السلام ما سبق ذكره في النمل.
وقرىء: مساكنهم ومفرداً بفتح الكاف وكسرها آية أي علامة دالة على الله تعالى وعلى قدرته ووجوب شكره وخبر كان لسبأ وآية اسمها وفي مساكنهم متعلق بما تعلق به لسبأ والتقدير لقد كانت آية كائنة في مساكنهم جنتان خبر مبتدأ محذوف تقديره هي جنتان.
قال ابن عطية: جنتان مبتدأ وخبره عن يمين وشمال "انتهى" لا يظهر ذلك لأنه نكرة لا مسوغ للابتداء بها إلا ان اعتقد أن ثم صفة محذوفة أي جنتان لهم أو عظيمتان عن يمين وشمال وعلى ذلك يبقى الكلام مفلتاً مما قبله وجنتان جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة. قال ابن زيد: لا يوجد فيها برغوث ولا بعوض ولا عقرب ولا تقمل ثيابهم ولا تعيادوا بهم وكانت المراة تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها المكتل فيمتلىء ثمراً من غير أن تتناول بيدها شيئاً كلوا من رزق ربكم قول الله لهم على السنة الأنبياء المبعوثين إليهم وفيه إشارة إلى تكميل النعمة عليهم حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.
{وَٱشْكُرُواْ لَهُ} على ما أنعم به عليكم.
{بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} أي كريمة التربة حسنة الهواء سليمة من الهوام والمضار.
{وَرَبٌّ غَفُورٌ} لا عقاب على التمتع بنعمه في الدنيا ولا عذاب في الآخرة فأعرضوا عما جاء به إليهم أنبياؤهم وكانوا ثلاثة عشر نبياً دعوهم إلى الله وذكروهم نعمه فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله نعمة فسلط الله تعالى عليهم الجرذ فاراً أعمى توالد فيه ويسمى الخلد فخرقه شيئاً بعد شىء وأرسل سيلاً في ذلك الوادي فحمل ذلك السد.
فروي أنه كان من العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ما بين الجبلين وحمل الجناب وكثيراً من الناس ممن لم يمكنهم الفرار وروي أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس الجنات فهلكت بهذا وقال ابن عباس: العرم الشديد فاحتمل أن يكون صفة للسيل أضيف الموصوف إلى صفته التقدير السيل العرم أو صفة لموصوف محذوف أي سيل المطر الشديد الذي كان عنه السيل أو سيل الجرذ العرم فالعرم صفة للجرذ وقيل العرم اسم الجرذ بنفسه وأضيف السيل إليه لكونه كان السبب في خراب السد الذي حمله السيل والإِضافة تكون بأدنى ملابسة ولما غرق من غرق ونجا من نجا تفرقوا وتمزقوا حتى ضربت العرب المثل بهم فقالوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ قيل والأوس والخزرج منهم وعن ابن عباس: كان سيل ذلك الوادي يصل إلى مكة وينتفع به وكان سيل العرم في ملك ذي الاذعار بن حسان في الفترة التي بين عيسى عليه السلام وبين نبينا صلى الله عليه وسلم ودخلت الباء في بجنتهم على الزائل وانتصب ما كان بدلاً وهو قوله: جنتين على المعهود في لسان العرب ويسمى هذا المعوض جنتين على سبيل للقابلة لأن ما كان فيه خمط وأثل وسدر لا يسمى جنة لأنها أشجار لا يكاد ينتفع بها وجاءت تثنية ذات على الأفصح في رد عينها في التثنية فقال ذواتي أكل كما جاء ذواتاً أفنان وقرىء: أكل خمط فالإِضافة على حذف مضاف أي عثر خط وقرىء: بالتنوين وخمط بدلاً من أكل وقرىء: بالنصف خمطاً ونصب ما بعدها بدلاً من قوله: جنتين قال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة مرة ذات شوك والاثل شجر وهو ضرب من الطرفاء والسدر.
قال الفراء: هو السمر.
وقال الأزهري: السدر سدر أن سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمرة عفصة لا تؤكل وهو الذي يسمى الضال وسدر ينبت على الماء وثمرة النبق وورقه الغسول يشبه شجر العناب.
{ذَٰلِكَ} إشارة إلى إرسال السيل وتبديل الجنتين وما مصدرية والباء سببية.
{وَهَلْ نُجَٰزِيۤ} أي بذلك الجزاء.
{إِلاَّ ٱلْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ} الآية جاءت هذه الجملة بعد قوله: وبدلناهم وذلك أنه لما ذكر ما أنعم به عليهم من جنتيهم وذكر تبديلها بالخمط والاثل والسدر ذكر ما أنعم به عليهم من اتصال قراهم وذكر تبديلها بالمفاوز والبراري وصف تعالى حالهم قبل مجيء السيل وهي أنه مع ما كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها وقدر السير بأن قرب بعضها من بعض.
قال ابن عطية: حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في أخرى ولا يحتاج إلى حمل زاد والقرى المدن.
قال الزمخشري: ولا قول ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه فكأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه "انتهى". ودخول الفاء في قوله: فكأنهم لا يجوز والصواب كأنهم لأنه خبر لكنهم وقرىء: ربنا على الندراء باعد فعل أمر من باعد وبعد فعل أمر من بعد وقرىء: ربنا بالرفع على الابتداء باعد فعلاً ماضياً في موضع الخبر.
{وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بتكذيب الرسل.
{فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي عظات وعبراً يتحدث ويتمثل.
{وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي تفريقاً اتخذه الناس مثلاً مضروباً قال كثير:

عزة أيادي سبأ يا عزماً كنت بعدكم فلم يحل للعين بعدك منظر

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} أي من قصص هؤلاء لآيات أي علامات.
{لِّكُلِّ صَبَّارٍ} عن المعاصي وعلى الطاعات.
{شَكُورٍ} للنعم والظاهر أن الضمير في عليهم عائد على من قبله من أهل سبأ وقيل هو لبني آدم وقرىء: صدق بشد الدال وانتصب ظنه على أنه مفعول به لصدق والمعنى وجد ظنه صادقاً أي ظن شيئاً فوقع ما ظن.
{وَمَا كَانَ لَهُ} أي لإِبليس.
{عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي من تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء وعلل التسلط بالعلم والمراد ما تعلق به العلم وهي تميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها.
{قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} قل أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أي قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم وهي معبوداتهم من الملائكة والأصنام وهو أمر بدعاء هو تعجيز وإقامة حجة وروي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشاً أي ادعوهم ليكشفوا عنكم ما حل بكم والتجؤا إليهم فيما يعن لكم وزعم من الأفعال التي تتعدى إلى اثنين إذا كانت اعتقادية والمفعول الأول هو الضمير المحذوف العائد على الذين والثاني محذوف أيضاً لدلالة المعنى عليه ونابت صفته منابه التقدير الذين زعمتموهم آلهة من دونه لا يملكون ملك أحقر الأشياء وهو مثقال ذرة ثم نفى الشركة ثم نفى الإِعانة بقوله: من ظهير وهو المعين ولما كان من العرب من يعبد الملائكة لتشفع له نفى أن شفاعتهم تنفع والنفي منسحب على الشفاعة أي لا شفاعة لهم فتنفع.