التفاسير

< >
عرض

إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ
٣٥
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ
٣٦
بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣٧
إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ
٣٨
وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٣٩
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
٤٠
أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ
٤١
فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ
٤٢
فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ
٤٣
عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ
٤٤
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ
٤٥
بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ
٤٦
لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ
٤٧
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ
٤٨
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ
٤٩
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ
٥٠
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ
٥١
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ
٥٢
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ
٥٣
قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ
٥٤
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ
٥٥
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ
٥٦
وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ
٥٧
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
٥٨
إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
٥٩
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٦٠
لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ
٦١
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ
٦٢
إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ
٦٣
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ
٦٤
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ
٦٥
فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ
٦٦
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ
٦٧
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ
٦٨
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ
٦٩
فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ
٧٠
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ
٧١
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ
٧٢
فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ
٧٣
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
٧٤
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ
٧٥
وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ
٧٦
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ
٧٧
-الصافات

النهر الماد

{إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} إستثناء منقطع لما ذكر شيئاً من أحوال الكفار وعذابهم ذكر شيئاً من أحوال المؤمنين ونعيمهم والمخلصين صفة مدح ووصف رزق بمعلوم أي عندهم.
{فَوَاكِهُ} بدل من رزق وهو ما يتلذذ به ولا يتقوت لحفظ الصحة ذكر أولاً الرزق وهو ما تتلذذ به الأجسام وثانياً الاكرام وهو ما تتلذذ به النفوس ثم ذكر المحل الذي هم فيه وهو جنات النعيم ثم أشرف المحل وهو السرر ثم لذة التآنس بأن بعضهم يقابل بعضاً وهو أتم السرور وآنسه ثم المشروب وانهم لا يتناولون ذلك بأنفسهم.
{يُطَافُ عَلَيْهِمْ} بالكؤوس ثم وصف ما يطاف عليهم به من الطيب وانتفاء المفاسد ثم ذكر تمام اللذة الجسمانية وختم بها كما بدأ باللذة الجسمانية من الرزق وهي أبلغ الملاذ وهو التآنس بالنساء والتقابل ان لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض وفي الحديث
"أنه في أحيان ترفع عنهم الستور فينظر بعضهم إلى بعض" والكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كاسا إلا وفيه خمر وقد يسمى الخمر كأساً تسمية للشىء بمحله قال الشاعر:

وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها

وقال ابن عباس: كل كأس في القرآن فهو خمر.
{مِّن مَّعِينٍ} من شراب معين أي من نهر معين وهو الجاري على وجه الأرض كما يجري الماء ومعين إسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف.
{بَيْضَآءَ} للكاس أو للخمر وقال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن ولذة صفة بالمصدر على سبيل المبالغة أو على حذف أي ذات لذة أو على تأنيث لذ بمعنى لذيذ.
{لاَ فِيهَا غَوْلٌ} قال ابن عباس وغيره: هو صداع الرأس.
{وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} يقال نزفت الشارب الخمر وأنزف هو أي ذهب عقله من السكر فهو نزيف ومنزوف وقرىء: ينزفون بفتح الزاي من نزفته الخمر وبكسر الزاي وضم الياء مضارع أنزف.
قال أبو حيان: قال سيدي ووالدي: قرأت على الأستاذ أبي جعفر بن الزبيررحمه الله في قصيدة علقمة بن عبدة قوله:

تشفى الصداع ولا يؤذيك طالبها ولا يخالطها في الرأس تدويم

فقال لي هذه صفة خمر الجنة لا خمر الدنيا.
{قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} قصرن الطرف على أزواجهن لا يمتد طرفهن إلى أجنبي كقوله تعالى
{ عُرُباً أَتْرَاباً } [الواقعة: 37] وقال الشاعر:

من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الاتب منها لأثرا

والمحول النملة التي مضى عليها من السنين حول والأتب القميص والعين جمع عيناء وهي الواسعة العين في جمال:
{كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} شبههن ببيض النعام المكنون في عشه وهو الأدحية ولونها بياض به صفرة حسنة وبها تشبه النساء فيقال فيهن بيضات الخدور. ومنه قول امرىء القيس:

وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهو بها غير معجل
كبكر مغاناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل

وتساؤلهم في الجنة تساؤل راحة وتنعم يتذاكرون نعيمهم وحال الدنيا والإِيمان وثمرته.
{فَأَقْبَلَ} معطوف على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحدثون على الشراب كعادة الشرب في الدنيا قال الشاعر:

وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام

وجيء به ماضياً لصدق الاخبار به فكأنه قد وقع ثم حكى تعالى عن بعضهم ما حكى يتذكر بذلك نعمه عليهم حيث هداه إلى الإِيمان واعتقاد وقوع البعث والثواب والعقاب وهو مثال للتحفظ من قرناء السوء والبعد عنهم قال ابن عباس: هذا القائل وقرينه من البشر قال فراث بن ثعلبة البهراني كانا شريكين بثمانية آلاف درهم أحدهما يعبد الله ويقصر من التجارة والنظر والآخر كافر مقبل على ماله فانفصل من شريكه لتقصيره فكلما اشترى داراً أو جارية أو بستاناً عرضه على المؤمن وفخر به عليه فيتصدق المؤمن بنحو ذلك ليشتري به في الجنة فكان من أمرهما في الآخرة ما قصه لله تعالى.
{أَءِنَّا لَمَدِينُونَ} قال ابن عباس: لمجازون محاسبون والضمير في:
{قَالَ هَلْ أَنتُمْ} عائد على قائل في قوله: قال قائل والخطاب في هل أنتم لرفقائه في الجنة الذين كان هو وإياهم يتساءلون وهذا هو الظاهر لما كان قرينه ينكر البعث علم أنه في النار.
{فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} أي وسطها.
و{تَٱللَّهِ} قسم فيه التعجب من سلامته منه.
{لَتُرْدِينِ} أي لتهلكين بإِغوائك.
{وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي} وهي توثيقه للإِيمان والبعد من قرين السوء.
{لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} للعذاب كما أحضرته أنت.
{أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ} الظاهر أنه من كلام القائل يسمع قرينه على جهة التوبيخ أي لسنا أهل الجنة بميتين لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا بخلاف أهل النار فإِنهم في كل ساعة يتمنون الموت.
{وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} كحال أهل النار بل نحن منعمون دائماً ويكون خطابه في ذلك منكلاً به مقرعاً له بما أنعم الله عليه من دخول الجنة.
{إِنَّ هَـٰذَا} أي الأمر الذي نحن فيه من النعم والنجاة من النار.
{أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ} لما انقضت قصة المؤمن وقرينه وكان ذلك على سبيل الاستطراد من شيء عاد إلى ذكر الجنة والرزق الذي أعدّ الله تعالى فيها لأهلها فقال أذلك خير نزلاً وعادل بين ذلك الرزق وبين شجرة الزقوم ولاستواء الرزق المعلوم تحصل به اللذة والسرور وشجرة الزقوم يحصل بها الألم والغم.
{إِنَّا جَعَلْنَاهَا} أي الشجرة.
{فِتْنَةً} قال قتادة: قال أبو جهل ونظراؤه: لما نزلت للكفار محمد يخبر عن النار أنها تنبت الأشجار وهي تأكلها وتذهبها ففتنوا بذلك أنفسهم وقال أبو جهل: إنما الزقوم الثمر بالزبد ونحن نتزقمه واستعير الطلع وهو للنخلة لما تحمل هذه الشجرة وشبه طلعها بثمر شجرة معروفة يقال لثمرها رؤوس الشياطين وهي بناحية اليمين يقال لها الاستن ذكرها النابغة في قوله:

تحيد من أستن سود أسافله مشي الاماء الغوادي تحمل الحزما

وهو شجر مر منكر الصورة سمت العرب ثمره بذلك تشبيهاً برؤوس الشياطين ثم صار أصلاً يشبه به والضمير في منها عائد على الشجرة.
{ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ} أي لإِلى النار ثم ذكر تعالى حالهم في تقليد آبائهم والضمير لقريش أي وجدوا آباءهم ضالين فاتبعوهم على ضلالتهم أكثر من تقدم من الأمم وفي قوله فانظر ما يقتضي إهلاكهم وسوء عاقبتهم واستثني المخلصين من عباده وهم الأقل المقابل لقوله أكثر الأولين والمعنى إلا عباد الله فإِنهم نجوا ولما ذكر ضلال الأولين ذكر أولهم شهرة وهم قوم نوح عليه السلام ونداؤه عليه السلام تضمن أشياء منها الدعاء على قومه وسؤاله النجاة وطلب النصرة واللام في فلنعم جواب القسم كقول الشاعر:

يميناً النعم السيدان وجدتما

والمخصوص بالمدح محذوف تقديره فلنعم المجيبون نحن والكرب العظيم الغرق وركوب الماء وهوله.