التفاسير

< >
عرض

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
١١٧
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١١٨
قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
١١٩
للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٢٠
-المائدة

النهر الماد

{مَا قُلْتُ لَهُمْ} أخبر أنه لم يتعد أمر الله تعالى في أن أمر بعبادته وأقر بربوبيته. وفي قوله: ربي وربكم، براءته مما ادعوه فيه. قال الحوفي وابن عطية: وان في أن اعبدوا مفسرة لا موضع لها من الإِعراب ويصح أن يكون بدلاً، وما ويصح أن تكون بدلاً من الضمير في به، وزاد ابن عطية أنه يصح أن تكون في موضع خفض على تقدير بأن اعبدوا وأجاز أبو البقاء الجر على البدل من الهاء، والرفع على إضمار هو، والنصب على إضمار أعني أو بدلاً من موضع به. وقال أبو عبد الله الرازي: كان الأصل أن يقال ما أمرتني به، إلا أنه وضع القول موضع الأمر نزولاً على موجب الأدب. قال الحسن: إنما عدل لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معاً، ودل على أن الأصل ما ذكر أن المفسرة. "انتهى". وقال الزمخشري: أن في قوله: أن اعبدوا الله، إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر، والمفسر اما فعل القول واما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له، اما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن توسط بينهما حرف التفسير لا نقول ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، ولكن ما قلت لهم إلا اعبدوا الله، وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله تعالى فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم لم يستقم لأن الله تعالى لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم يخل من أن تكون بدلاً من ما أمرتني به أو من الهاء في به، وكلاهما غير مستقيم، لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه، ولا يقال ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته لأن العبادة لا يقال، وكذلك إذا جعلته بدلاً من الهاء لأنك لو أقمت أن اعبدوا الله مقام الهاء فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله، لم يصح لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته. فإِن قلت: كيف تصنع؟ قلت: يحمل فعل القول على معناه لأن معنى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم، ويجوز أن تكون موصولة عطفاً على بيان الهاء لا بدلاً. "انتهى". وفيه بعض تعقب. أما قوله: وأما فعل الأمر إلى آخر المنع، وقوله: لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، فإِنما لم يستقم لأنه جعل الجملة وما بعدها مضمومة إلى فعل الأمر ويستقيم فعل الأمر أن يكون مفسراً بقوله: اعبدوا الله ويكون ربي وربكم من كلام عيسى عليه السلام على إضمار أعني، أي أعني ربي وربكم، لا على الصفة التي فهمها الزمخشري فلم يستقم ذلك عنده. وأما قوله: لأن العبادة لا تقال، فصحيح لكن ذلك يصح على حذف مضاف أي ما قلت لهم إلا القول الذي أمرتني به قول عبادة الله أي القول المتضمن عبادة الله، وأما قوله: لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته، فلا يلزم في كل بدل أن يحل محل المبدل منه ألا ترى إلى تجويز النحويين زيد مررت به أبي عبد الله. ولو قلت: مررت بأبي عبد الله لم يحز ذلك إلا على رأي الأخفش. وأما قوله: عطفاً على بيان للهاء، فهذا فيه بعد لأن عطف البيان أكثره بالجوامد الاعلام، وما اختاره الزمخشري وجوزه من كون أن مفسرة لا يصح لأنها جاءت بعد الا وكل ما كان بعد إلا المستثنى بها فلا بد أن يكون له موضع من الإِعراب وأن التفسيرية لا موضع لها من الإِعراب ويظهر لي أن تكون أن مفسرة لفعل محذوف يدل على معنى القول وتقديره أمرتهم أن اعبدوا الله، ويدل على هذا الفعل قوله: ما أمرتني، وإذا أمره الله بشيء فلا بد أن يأمر به عباده، والذي صدر من عيسى عليه السلام في غير موضع أمره بعبادة الله تعالى. ومنه وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، وقال: إن الله ربي وربكم فاعبدوه، ولو ذهب ذاهب إلى أنّ انْ زائدة لمجرد التوكيد، وإن قوله: اعبدوا الله ربي وربكم، من قوله: ما أمرتني به، لكان وجهاً حسناً سائغاً، وصار التقدير إلا ما أمرتني به اعبدوا الله ربي وربكم.
{وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} أي رقيباً كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من قول ذلك أن يتدينوا به وأتى بصيغة فعيل للمبالغة كثير الحفظ عليهم والملازمة لهم، وما ظرفية، ودام تامة أي ما بقيت فيهم أي شهيداً في الدنيا.
{فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} هي وفاة رفعه عليه السلام إلى السماء لا وفاة الموت ألا ترى إلى قوله تعالى:
{ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } [النساء: 157-158]. وتظافرت الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في السماء حي وأنه ينزل ويقتل، وقال تعالى: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } [النساء: 159]، به أي بعيسى قبل موته أي الموتة الحقيقية.
{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية قال أهل السنة: مقصود عيسى عليه السلام تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى وترك الاعتراض بالكلية، ولذلك ختم الكلام بقوله: فإِنك أنت العزيز الحكيم، أي قادر على كل ما تريد حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض عليك. {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} قرأ الجمهور: هذا يوم، بالرفع على أن هذا مبتدأ ويوم خبره والجملة محكية يقال: وهو في موضع المفعول به لقال. وقرأ نافع: هذا يوم بفتح الميم فخرجه الكوفيون على أنه مبني خبراً لهذا ويبنى لإِضافته إلى الجملة الفعلية المصدرة بالمضارع فتتحد القراءتان والبصريون لا يجيزون بناء الظرف إلا إذا كانت الجملة مصدرة بالفعل الماضي نحو: عجبت من يوم قدم زيد، وهذه المسألة ذكرت في علم النحو.
{لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} هذا كأنه جواب سائل سأل ما لهم جزاء على الصدق فقيل: لهم جنات. {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} إشارة إلى تأييد الديمومة في الجنة.
{ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} ذلك إشارة إلى ما تقدم من كينونة الجنة لهم على التأييد وإلى رضوان الله عنهم، لأن الجنة بما فيها كالعدم بالنسبة إلى رضوان الله تعالى. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"يطلع الله على أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون يا ربنا وكيف لا نرضى وقد بعدتنا عن نارك وأدخلتنا. فيقول الله عز وجل: ولكم عندي أفضل من ذلك. فيقولون: وما أفضل من ذلك؟ فيقول الله عز وجل: عليكم رضائي فلا أسخط عليكم بعدها أبداً" . وقال أبو عبد الله الرازي: مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين الربوبية والعبودية فيشرع العبد في العبودية وينتهي إلى الفناء المحصن عن نفسه بالكلية، فالأول هو الشريعة وهو البداية، والآخر هو الحقيقة وهو النهاية، فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله وقهره وعزته وعلوه وذلك هو الوصول إلى مقام الحقيقة فما أحسن المناسبة بين ذلك المفتتح وهذا المختتم. "انتهى". وليست الحقيقة والشريعة والتمييز بينهما من ألفاظ الصحابة والتابعين وإنما ذلك من ألفاظ الصوفية ولهم في ذلك كلام طويل.