التفاسير

< >
عرض

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ
٣١
مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
٣٢
إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٣٣
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٤
-المائدة

النهر الماد

{فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً} روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أول قتيل قتل على وجه الأرض ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه.
{فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً} والغراب طائر معروف ويجمع في القلة على أغربه، وفي الكثرة على غربان، قيل: وهو مشتق من الاغتراب وتتشاءم به العرب. قال الشاعر:

جرى بفراق العامريّة غدوة سواج سود ما تعيد وما تبدى

يعني الغربان: وظاهر الآية، أن الله تعالى بعث غراباً يبحث في الأرض فروي أنهما غرابان قتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة وألقاه فيها والبحث في الأرض نبش التراب وإثارته. {لِيُرِيَهُ} متعلق بقوله: بعث، والمواراة: الستر، والضمير الفاعل في ليريه عائد على الغراب ويجوز أن يكون عائداً على المصدر المفهوم من قوله: يبحث، أي ليريه البحث، وكيف منصوب بقوله: يواري، والجملة استفهامية في موضع مفعول ثان لقوله ليريه بمعنى ليعلمه. والسوءة: العورة.
{قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ} الآية، استقصر إدراكه وعقله في جهله ما يصنع بأخيه حتى تعلم وهو ذو العقل المركب فيه الفكر والرويّة والتدبير من طائر لا يعقل ومعنى هذا الاستفهام الإِنكار على نفسه والنفي أي لا أعجز عن كوني مثل هذا الغراب وفي ذلك هضم لنفسه واستصغار لها بقوله: مثل هذا الغراب وأصل النداء أن يكون لمن يعقل ثم قد ينادي ما لا يعقل على سبيل المجاز كقولهم: يا عجباً ويا حسرة، والمراد بذلك التعجب، كأنه قال: انظروا لهذا العجب ولهذه الحسرة، والمعنى تنبهوا لهذه الهلكة وتأويله هذا أو انك فاحضري وقراءة الجمهور يا ويلتا بألف هي منقلبة عن الياء كما قالوا في يا غلامي يا غلاماً، وقرىء يا ويلتي على أصل ياء المتكلم، وقرىء أعجزت بفتح الجيم وهي اللغة الفصيحة وبكسرها وهي قراءة شاذة، والعجز عن الشيء انتفاء القدرة عليه.
و{أَنْ أَكُونَ} تقديره عن أن أكون فحذف عن وأن أكون هل هو في موضع رفع أو نصب أو في موضع جر فيه خلاف. {فَأُوَارِيَ} معطوف على قوله أن أكون فالعجز متسلط على الكون وعلى المواراة. قرأ طلحة بن مصرف والفياض بن عروان فأواري ـ بسكون الياء ـ فالأولى أن تكون على القطع أي فأنا أواري سوءة أخي فيكون أواري مرفوعاً.
وقال الزمخشري: وقرىء بالسكون على فأنا أواري أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف. "انتهى". يعني أنه حذف الحركة وهي الفتحة تخفيفاً استثقلها على حرف العلة.
قال ابن عطية: هي لغة لتوالي الحركات لا ينبغي أن تخرج على النصب لأن النصب مثل هذا هو بظهور الفتحة ولا تستثقل الفتحة فتحذف تخفيفاً، كما أشار إليه الزمخشري ولا ذلك لغة كما زعم ابن عطية ولا يصح التعليل بتوالي الحركات فيه وهذا عند النحويين أعني النصب بحذف الفتحة لا يجوز إلا في الضرورة فلا تحمل القراءة عليها إذا وجد حملها على معنى صحيح وقد وجد وهو الاستئناف أي فأنا أواري.
قال ابن عباس: هو من حيث انتهاك حرمتها بالقتل أو صون حرمتها بالامتناع وباستحيائها. {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ} الضمير في جاءتهم عائد على بني إسرائيل. ومعنى بالبينات: بالمعجزات والكتب الإِلهية الواضحة. فكان المناسب اتباع الرسل فيما جاؤا به من امتثال أمر الله والانقياد لأحكامه.
وقال الزمخشري: فأواري بالنصب على جواب الاستفهام. "انتهى". وهو خطأ فاحش لأن الفاء الواقعة جواباً للاستفهام تنعقد من الجملة الاستفهامية والجواب شرط وجزاء وهنا لا تنعقد. تقول: أتزورين فأكرمك فالمعنى أن تزرني أكرمك لو قلت هنا: ان أعجز أن أكون مثل هذا الغراب أوار سوءة أخي لم يصح لأن المواراة لا تترتب على عجزه عن كونه مثل الغراب.
{فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} قبل هذا جملة محذوفة تقديرها فوارى سوءة أخيه. والظاهر أن ندمه كان على قتل أخيه لما لحقه من عصيان ربه وإسخاط أبويه وتبشيره أنه من أصحاب النار وهذا يدل على أنه كان عاصياً لا كافراً.
{مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} متعلق بقوله: كتبنا، ويقال: أجل وأجل ومعناه. من سبب ذلك القتل. {كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} يقال: فعلت هذا من أجلك أي بسببك. وقيل: يتعلق من أجل بقوله: {مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} أي صار من النادمين بسبب القتل، ويكون كتبنا على بني إسرائيل استئناف كلام.
وقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي بغير قتل نفس. {أَوْ فَسَادٍ} هو معطوف على نفس أي وبغير فساد، والفساد: قطع الطريق وقطع الأشجار وقتل الدواب لا لضرورة وحرق الزرع وما يجري مجراه، وهو الفساد المشار إليه بعد هذه الآية. والضمير في أنه. ضمير الأمر والشأن، ومن شرطية وجوابه فكأنما، والجملة في موضع خبر انه، وتشبيهه قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعاً وإحياها بإِحيائهم.
{ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي بعد مجيء الرسل لمسرفون أي مجاوزون الحد في المعاصي وعدم اتباع الرسل ومنهم في موضع الصفة لقوله: كثيراً، وبعد منصوب على الظرف، والعامل فيه قوله: {لَمُسْرِفُونَ}.
{إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ} الآية، نزلت في قوم من عكل وعُرينة، وحديثهم مشهور. ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر في الآية قبلها تغليظ الإِثم في قتل النفس بغير نفس ولا فساد في الأرض اتبعه ببيان الفساد في الأرض الذي يوجب القتل ما هو فإِن بعض ما يكون فساداً في الأرض لا يوجب القتل.
{يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ} هو على حذف مضاف تقديره يحاربون أولياء الله والمحاربة مطلقة ففسرها مالك بأن المحارب هو في حمل السلاح على الناس في مصر أو في بريّة فكادهم عن أنفسهم وأموالهم دون ثائرة ولا دخل ولا عداوة، ومذهب أبي حنيفة وجماعة ان المحاربين هم القطاع للطريق خارج المصر وأما في المصر فيلزمه حد ما. اجترح من قتل أو سرقة أو غصب أو نحو ذلك. وقوله: في الأرض، ظاهرة العموم فيشمل المصر وغيره، كما قال مالك: والسعي في الأرض فساداً، يحتمل أن يكون المعنى بمحاربتهم أي يضيفون فساداً إلى المحاربة، وانتصب فساداً على أنه مفعول أو مصدر في موضع الحال أو مصدر من معنى يسعون على معنى ان يسعون في الأرض معناه يفسدون لما كان السعي للفساد جعل فساداً أي إفساداً. والظاهر في هذه العقوبات الأربع أن الإِمام مخير بين إيقاع ما شاء منها بالمحارب في أي رتبة كان المحارب من الرتب التي قدمناها وبه قال جماعة من الصحابة وهو مذهب مالك وجماعة وقال ملك: استحسن أن يأخذ في الذي لم يقتل بأيسر العقاب ولا سيما إن لم يكن ذا شرور معرفة، وأما إن قتل فلا بد من قتله. وقال ابن عباس وجماعة من التابعين: لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب فمن قتل يقتل ومن أخذ المال ولم يقتل فالقطع من خلاف ومن أخاف فقط فالنفي ومن جمعها قتل وصلب، والقائلون بهذا الترتيب اختلفوا. فقال أبو حنيفة ومحمد وغيرهما: يصلب حياً ويطعن حتى يموت. وقال الشافعي وجماعة: يقتل ثم يصلب نكالاً لغيره، وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل. واختلفوا في النفي فقال أبو حنيفة: النفي هو أن يسجن وهو إخراجه من الأرض. قال الشاعر وهو مسجون:

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

قال السدي: هو أن يطلب بالخيل والرجل فيقام عليه حد الله ويخرج من دار الإِسلام. وقال مالك: لا يضطر مسلم إلى الدخول في دار الشرك. {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا} أي ذلك الجزاء من القتل والصلب والقطع والنفي. والخزي الهوان والذل والافتضاح. {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} ظاهرة الجمع للمحارب بين عقاب الدنيا وعذاب الآخرة.
{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} الآية ظاهرة أنه استثناء من المعاقبين عقاب قاطع الطريق، فإِذا تابوا قبل القدرة على أخذهم سقط عنهم ما ترتب على الحرابة. وهذا ظاهر فعل عليّ رضي الله عنه بحارثة بن بدر الغداني فإِنه كان محارباً ثم تاب قبل القدرة عليه فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتاباً منشوراً. وقالوا: لا نظر للإِمام فيه كما ينظر في سائر المسلمين؛ فإِن طولب بدم نظر فيه وأقيد منه بطلب الولي، وإن طولب بمال فمذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي يؤخذ ما وجد عنده من مال وغيره ويطالب بقيمة ما استهلك. وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطالب بما استهلك ويؤخذ ما وجد عنده بعينه. وظاهر قوله: غفور رحيم، عدم المطالبة بشيء من الجزاء السابق لمن تاب من المحاربين قبل القدرة عليه.