التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٥٤
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
٥٥
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ
٥٦
-المائدة

النهر الماد

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} قال الحسن وغيره نزلت خطاباً للمؤمنين عامة إلى يوم القيامة. وقيل: هي خاصة في قبائل بأعيانهم فذكر المفسرون أن ارتد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ حج ورئيسهم عبهلة بن كعب ذو الخمار وهو الملقب بالأسود العنسي قتله فيروز على فراشه، وأخبر رسول الله بقتله وسمي قائله ليلة قتل، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغدو وأتى مقتلة في آخر ربيع الأول. وبنو حنيفة رئيسهم مسيلمة قتله وحشي قاتل حمزة وبنو أسد رئيسهم طليحة بن خويلد هزمه خالد وأفلت ثم أسلم وحسن إسلامه. هذه ثلاث فرق ارتدت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وتنبأ رؤساؤها. وارتد في خلافة أبي بكر سبع فرق فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وسليم قوم الفجأة بن عبد يا ليل، ويربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر وقد تنبأت وتزوجها مسيلمة. وقال شاعرهم:

أضحت نبيتنا أنثى نُطيف بها وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا

وقال أبو العلاء المعري:

أمت سجاح ووالاها مسيلمة كذابة في بن الدنيا وكذاب

وكندة قوم الأشعث وبكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن يزيد، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه، وفرقة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم نصّرته اللطمة وسيرته إلى بلد الروم بعد إسلامه. وقرىء من يرتدد بالفك والإِدغام وهي جملة شرطية، والجواب قوله: فسوف يأتي الله بقوم. والقاعدة النحوية أنه إذا كان جواب الشرط جملة واسم الشرط غير ظرف فلا بد من ضمير في جملة الجواب عائد على اسم الشرط والجملة ها هنا ليس فيها ضمير ظاهر فلا بد من تقديره وتقديره بقوم غيرهم أي غير من يرتد وبقوم فيه أقوال. وفي المستدرك لأبي عبد الله الحاكم بإِسناده، أنه لما نزلت أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعَريّ وقال: هم قوم هذا، وهذا أصح الأقوال وكان لهم بلاء في الإِسلام زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعامة فتوح عمر على أيديهم. ووصف تعالى هؤلاء القوم بأنه يحبهم ويحبونه محبة لله لهم هي توفيقهم للإِيمان كما قال تعالى: { وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ } [الحجرات: 7] وإثباته على ذلك وعلى سائر الطاعات وتعظيمه إياهم وثناؤه عليهم ومحبتهم له تعالى طاعته واجتناب مناهيه وامتثال مأموراته، وقدم محبته على محبتهم إذ هي أشرف وأسبق.
{أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} هو جمع ذليل لا جمع ذلول الذي هو نقيض الضعف لأن ذلولاً لا يجمع على أذلة بل على ذلك وعدي أذلة بعلى وإن كان الأصل باللام لأنه ضمنه معنى الحنو والعطف، كأنه قيل: عاطفين على المؤمنين والمعنى أنهم يذلون ويخضعون لمن فضلوا عليه مع شرفهم وعلو مكانتهم وهو نظير قوله تعالى:
{ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29]، وجاءت هذه الصفة بالاسم الذي فيه مبالغة لأن أذلة جمع ذليل، وأعزة جمع عزيز، وهما صفتا مبالغة وجاءت الصفة قبل هذا بالفعل في قوله: يحبهم ويحبونه، لأن الاسم يدل على الثبوت فلما كانت صفة مبالغة وكانت لا تتجدد بل هي كالغريزة جاء الوصيف بالاسم ولما كانت الصفة تتجدد لأنها عبارة عن أفعال الطاعات والثواب المترتب عليها جاء الوصف بالفعل الذي يقتضي التجدد ولما كان الوصف الذي يتعلق بالمؤمن آكد ولموصوفه ألزم قدم على الوصف المتعلق بالكافر ولشرف المؤمن أيضاً ولما كان الوصف الذي بين المؤمن وربه أشرف من الوصف الذي بين المؤمن والمؤمن قدم قوله: يحبهم ويحبونه، على قوله: أذلة على المؤمنين، وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من ذهب إلى أن الوصف إذا كان بالاسم وبالفعل لا يتقدم الوصف بالفعل على الوصف بالاسم إلا في ضرورة الشعر نحو قوله: وفرع يُغش المتن أسود فاحم. إذ جاء ما ادعى أنه يكون في الضرورة في هذه الآية فقدم يحبهم ويحبونه وهو فعل على قوله: أذلة، وهو اسم. وكذلك قوله تعالى: { وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ } [الأنعام: 92، 155]. وقرىء شاذاً أذلة بالنصب وكذا أعزة نصباً على الحال من النكرة إذ قربت من المعرفة بوصفها.
{يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في نصرة دينه. وظاهر هذه الجملة أنها صفة ويجوز أن تكون استئناف أخبار. {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} أي هم صلاب في دينه لا يبالون بمن لام فيه فمتى شرعوا في أمر معروف أو نهي عن منكر أمضوه لا يمنعهم اعتراض معترض ولا قول قائل، وهذان الوصفان أعنى الجهاد والصلابة في الدين هما نتيجة الأوصاف السابقة لأن من أحب الله لا يخش إلا إياه ومن كان عزيزاً على الكافر جاهد في إخماده واستئصاله وناسب تقديم الجهاد على انتفاء الخوف من اللائمين لمجاورته أعزة على الكافرين ولأن الخوف أعظم من الجهاد فكان ذلك ترقياً من الأدنى إلى الأعلى ويحتمل أن تكون الواو في ولا يخافون واو الحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة غير حال المنافقين فإِنهم كانوا موالين لليهود فإِذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود وتخاذلوا وخذلوا حتى لا يلحقهم لوم من جهتهم وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله تعالى لا يخافون لومة لائم. ولومة للمرة الواحدة، وهي نكرة في سياق النفي فتعم أي لا يخافون شيئاً قط من اللوم.
{ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} الظاهر أن ذلك إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف التي تحلّى بها المؤمن ذكر أن ذلك هو فضل الله يؤتيه من أراده ليس ذلك بسابقة ممن أعطاه إياه بل هو على سبيل الاحسان منه تعالى لمن أراد الإِحسان إليه. وقيل: ذلك إشارة إلى حبّ الله لهم وحبهم له.
{وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الإِحسان والافضال عليم بمن يصنع ذلك فيه. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} لما نهاهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء بين هنا من هو وليهم وهو الله ورسوله. والولي هنا الناصر والمعنى لأولى لكم إلا الله وقال: وليكم بالافراد ولم يقل أولياؤكم وإن كان المخبر به متعدداً، لأن ولياً اسم جنس أو لأن الولاية حقيقة هي لله تعالى على سبيل التأصل ثم فطم في سلكه من ذكر على سبيل التبع ولو جاء جمعاً لم يتبين هذا المعنى من الأصالة والتبعية.
{ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} الآية هذه أوصاف ميّز بها المؤمن الخالص الإِيمان من المنافق، لأن المنافق لا يدوم على الصلاة ولا على الزكاة. قال تعالى:
{ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } [النساء: 142]. وقال: آشحة على الخير، ولما كانت الصحابة وقت نزول هذه الآية بين مقيم صلاة ومؤتي زكاة في كلتا الحالتين كانوا متصفين بالخضوع لله والتذلل له. نزلت الآية متضمنة هذه الأوصاف الجليلة. قال الزمخشري: فإِن قلت: الذين يقيمون ما محله. قلت الرفع على البدل من الذين آمنوا أو على هم الذين يقيمون. "انتهى". ولا أدري ما الذي منعه من الصفة إذ هو المتبادر إلى الذهن، ولأن المبدل منه في نية الطرح وهو لا يصح هنا طرح الذين آمنوا لأنه هو الوصف المرتب عليه صحة ما بعده من الأوصاف.
{وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية يحتمل أن يكون جواب من محذوف لدلالة ما بعده عليه أي يكن من حزب الله ويغلب. ويحتمل أن يكون الجواب فإِن حزب الله ويكون من وضع الظاهر موضع المضمر أي فأنتم هم الغالبون. وفائدة وضع الظاهر هنا موضع المضمر الإِضافة إلى الله فيشرفون بذلك وصاروا بذلك أعلاماً. وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم. وهم يجوز أن يكون فصلاً، والغالبون خبر ان، ويجوز أن يكون مبتدأ، والغالبون خبره، والجملة في موضع خبر ان.