التفاسير

< >
عرض

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
٩٣
يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٩٤
يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ
٩٥
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٩٦
-المائدة

النهر الماد

{لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس: لما تزل تحريم الخمر قال قوم: كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر. فنزلت. فأعلم تعالى أن الدم والجناح إنما يتعلق بفعل المعاصي والذين ماتوا قبل التحريم ليسوا بعاصين. والظاهر من سبب النزول أن اللفظ عام ومعناه الخصوص.
{ثُمَّ اتَّقَواْ} ثبتوا وداموا على الحالة المذكورة. {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} انتهوا في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك.
{يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ} الآية نزلت عام الحديبية وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنعيم فكان الوحش والطير يغشاهم في رحالهم وهم محرمون. وقيل: كان بعضهم أحرم وبعضهم لم يحرم فإِذا عرض صيد اختلفت أحوالهم واشتبهت الأحكام. وقيل: قتل أبو اليسر حمار وحش برمحه، فقيل: قتلت الصيد وأنتم محرم. فنزلت. ومناسبتها لما قبلها هو أنه لما أمرهم أن لا يحرموا الطيبات وأخرج من ذلك الخمر والميسر وهما حرامان وإنما أخرج بعده ما حرم من الطيبات في حال دون حال وهو الصيد وكان الصيد مما تعيش به العرب وتتلذذ باقتناصه ولهم فيه الأشعار والأوصاف الحسنة. والظاهر أن الخطاب بقوله: يا أيها الذين آمنوا، عام للمحل والمحرم لكن لا يتحقق الإِبتلاء إلا مع الإِحرام أو الحرم. {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} هذا تعليل لقوله: ليبلونكم، ومعنى ليعلم ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآية فيتقي العبيد ممن لا يخافه فيقدم عليه.
{فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي فمن اعتدى بالمخالفة فصاد. وذلك إشارة إلى النهي الذي تضمنه معنى الكلام السابق، وتقديره فلا تصيدوا يدل عليه قوله: {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ}.
{فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قيل: في الآخرة. وقيل: في الدنيا. قال ابن عباس: يوسع بطنه وظهره جلداً ويسلب ثيابه. {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} جملة حالية. وحرم جمع حرام، والحرام ينطلق على من كان محرماً وعلى من حل الحرم.
{وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم} الآية الظاهر تقييد القتل بالعمد فمن لم يتعمد فقتل خطأ بأن كان ناسياً لإِحرامه أو رماه ظاناً أنه ليس بصيد فإِذا هو صيد أو عدل سهمه الذي رماه لغير صيد فأصاب صيداً فلا جزاء عليه، وروى ذلك عن أبي عباس وابن جبير وطاووس وعطاء وسالم، وبه قال أبو ثور وداود والطبري، وهو أحد قولي الحسن البصري ومجاهد وأحمد وغيرهم. ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأصحابه أن الخطأ بنسيان أو غيره، كالعمد والعمد أن يكون ذاكراً لإِحرامه قاصداً للقتل، وروي ذلك عن عمر وابن عباس.
وقرأ الكوفيون فجزاء بالتنوين مثل بالرفع فارتفاع جزاء على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره فالواجب عليه أو اللازم له جزاء، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره فعليه جزاء ومثل صفة أي فجزاء يماثل ما قتل. وقرأ باقي السبعة فجزاء مثل برفع جزاء وإضافته إلى مثل، فقيل: مثل كأنها مفخمة. كما تقول: مثلك يفعل كذا أي أنت تفعل كذا فالتقدير فجزاء ما قتل. وقيل: ذلك من إضافة المصدر إلى المفعول وكان الأصل فعليه جزاء مثل ما قتل أي يغرم مثل ما قتل ثم أضيف إلى المفعول، ويدل على هذا التقدير قراءة السلمي فجزاء بالرفع والتنوين مثل ما قتل بالنصب. ومن النعم صفة لجزاء سواء أرفع جزاء مثل أو أضيف جزاء إلى مثل أي كائن من النعم. ويجوز في وجه الإِضافة أن يتعلق من النعم بجزاء إلا في الوجه الأول لأن جزاء مصدر موصوف فلا يعمل. ووهم أبو البقاء في تجويزه أن يكون من النعم حالاً من الضمير في قتل يعني من الضمير المنصوب المحذوف في قتل العائد على ما قال لأن المقتول يكون من النعم وليس المعنى على ذلك لأن الذي هو من النعم هو ما يكون جزاء لا الذي يقتله المحرم ولأن النعم لا تدخل في اسم الصيد. والظاهر في المثلية أنها مثلية في الصورة والخلقة والعظم والصغر وهو قول الجمهور وظاهر قوله: من النعم أنه لا يشترط سن فتجزىء الجفرة والعناق على قدر الصيد وبه قال ابو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يهدي إلا ما يجزىء في الأضحية.
{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ} الآية أن يحكم به بمثل ما قتل. قال ابن وهب: من السنة أن يخيّر الحكمان من قتل الصيد كما خيره الله تعالى في أن يخرج هدياً بالغ الكعبة. وانتصب هدياً على الحال من الضمير في قوله: به، ومعنى بالغ الكعبة وأصلاً إِليها أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً فإِن اختار الهدى حكماً عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب وأدنى الهدى شاة وما لم يبلغ شاة حكماً فيه بالطعام ثم خير بين أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوماً وكذلك قال مالك. والظاهر أنه يحكم به عدلان وكذلك فعل عمر في حديث قبيصة بن جابر استدعى عبد الرحمن بن عوف وحكم في ظبي بشاة وفعل ذلك جرير وابن عمر رضي الله عنهما. والظاهر أن العدلين ذكران فلا يحكم في امرأتان عدلتان.
{أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} قرأ الصاحبان بالإِضافة. وزعم الزمخشري أن هذه الإِضافة مبنيّة، كأنه قيل: أو كفارة من طعام مسكين، كقوله: خاتم فضة بمعنى خاتم من فضة. وليست من هذا الباب لأن خاتم فضة من باب إضافة الشيء إلى جنسه، والطعام ليس جنساً للكفارة إلا بتجوز بعيد جداً. وقرأ باقي السبعة بالتنوين ورفع طعام، وقرأ كذلك الأعرج وعيسى بن عمر إلا أنهما أفردا مسكين على أنه اسم جنس، قال أبو علي: طعام عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة. "انتهى". وهذا لا يجوز على مذهب البصريين لأنهم شرطوا في عطف البيان أن يكون في المعارف لا في النكرات فالأولى أن يعرب بدلاً وقد أجمل في مقدار الطعام وفي عدد المساكين. والظاهر أنه يكفي ما يسمى طعاماً وأنه يكفي أقل ما ينطلق عليه جمع مساكين. وجوزوا أن يكون ذلك إشارة إلى الصيد المقتول، وفي الظبي ثلاثة أيام، وفي الإِبل عشرون يوماً، وفي النعامة وحمار الوحش ثلاثون يوماً، قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام. والظاهر عدم تقييد الإِطعام والصوم بمكان، وبه قال جماعة من العلماء فحيثما شاء كفر بهما. وقال عطاء وغيره: الهدي والإِطعام بمكة والصوم حيث شاء.
{لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} الذوق معروف، فاستعير هنا لما يؤثر من غرامة أو أتعاب النفس بالصوم. والوبال: سوء عاقبة ما فعل، وهو هتكه حرمة الإِحرام بقتل الصيد. قال الزمخشري: ليذوق متعلق بقوله: فجزاء، أي فعليه أن يجازى أو يكفر ليذوق. "انتهى". وهذا لا يجوز إلا على قراءة من أضاف فجزاء أو نون ونصب مثل وأما على قراءة من نوّن ورفع مثل فلا يجوز أن تتعلق اللام به، لأن مثل صفة لجزاء، وإذا وصف المصدر لم يجز لمعموله أن يتأخر عن الصفة، لو قلت: أعجبني ضرب زيد الشديد عمراً، لم يجز، فإِن تقدم المعمول على الوصف جاز ذلك، والصواب أن يتعلق على هذه القراءة بفعل محذوف التقدير جوزي بذلك ليذوق.
{عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} أي في جاهليتكم من قتلكم الصيد في الحرم. قال الزمخشري: لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرماً. "انتهى". وقال ابن زيد: عفا الله عما سلف لكم أيها المؤمنون من قتل الصيد قبل هذا النهي والتحريم. {وَمَنْ عَادَ} قال ابن عباس: ان عاد متعمداً عالماً بإِحرامه فلا كفارة عليه وينتقم الله منه. {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} الآية، قال الكلبي: نزلت في بين مدلج وكانوا ينزلون في أسياف البحر سألوا عما نَضَبَ عنه الماء من السمك. فنزلت. قال الزمخشري: صيد البحر مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل وطعامه وما يطعم من صيده. ومعنى أحل لكم: الانتفاع بجميع ما يصاد من البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده عند أبي حنيفة، وعند ابن أبي ليلى جميع ما يصاد منه على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه. "انتهى". وتفسير وطعامه بقوله: وأن تطعموه، خلاف الظاهر ويكون على قول ابن أبي ليلى الضمير في وطعامه عائداً على صيد البحر، والظاهر عوده على البحر فإِنه يراد به المطعوم لا الإِطعام، ويدل على ذلك ظاهر لفظ وطعامه. وقراءة ابن عباس وطعمه بضم الطاء وسكون العين تدل على أنه لا يراد به المصدر، وقد فسر قوله: وطعامه، بما يرمي به البحر ولم يصد. وفي الأثر: كلوا السمكة الطافية وهي الميتة التي طفت على وجه الماء، وقد أكل جماعة من الصحابة في سفر لهم من دابة عظيمة تسمى العنبر حسر عنها البحر، والحديث في ذلك مشهور. وانتصب متاعاً قال ابن عطية: على المصدر، والمعنى متعكم به متاعاً تنتفعون به وتأتدمون. وقال الزمخشري: متاعاً لكم مفعول له أي أحل لكم تمتيعاً لكم وهو في المفعول له بمنزلة قوله: ووهبنا له اسحاق ويعقوب. نافلة في باب الحال لأن قوله: متاعاً لكم، مفعول له مختص بالطعام كما أن نافلة حال مختصة بيعقوب يعني أحل لكم طعامه تمتيعاً تأكلونه طرياً ولسيارتكم يتزودونه قديداً كما تزود موسى عليه السلام الحوت في مسيرة إلى الخضر. "انتهى". وتخصيصه المفعول له بقوله: وطعامه، جار على مذهب أبي حنيفة بأن صيد البحر منه ما يؤكل وما لا يؤكل. وان قوله: وطعامه، هو المأكول منه، وانه لا يقع التمتيع إلا بالمأكول منه طرياً وقديداً. وعلى مذهب غيره يجوز أن يكون مفعولاً له باعتبار صيد البحر وطعامه، والخطاب في لكم لحاضري البحر ومدته.
{وَلِلسَّيَّارَةِ} أي المسافرين. {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ} الآية كرر تعالى تحريم الصيد على المحرم تغليظاً لحكمه. والظاهر تحريم صيد البر على المحرم من جميع الجهات صيد وأكل صيد ذلك من أجله أو من أجل غيره روي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين. وعن أبي هريرة وبعض التابعين أنهم أجازوا للمحرم أكل ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذ لم يدل عليه ولم يشد. وروي عن عمر وعثمان والزبير أنه يأكل المحرم ما صاده الحلال لنفسه أو لحلال مثله. وقال آخرون: يحرم على المحرم أن يصيد فأما ان اشتراه من مالك فذبحه وأكله فلا يحرم، وفعل ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أكل المحرم الصيد جائز إذا اصطاده الحلال ولم يأمر المحرم بصيد، ولا دل عليه. وقال مالك والشافعي وأحمد: يأكل ما صاده الحلال إن لم يصده لأجله فإِن صيد من أجله فلا يأكل فإِن أكل، فقال مالك والأوزاعي والحسن بن صالح: عليه الجزاء. وقال الشافعي: لا جزاء عليه. وقال الزمخشري: فإِن قلت: ما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله: صيد البر؟ قلت: قد أخذ أبو حنيفة بالمفهوم من قوله: وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً، لأن ظاهره أنه صيد المحرمين دون صيد غيرهم لأنهم هم المخاطبون، فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر، فيخرج منه مصيد غيرهم ومصيدهم حين كانوا غير محرمين. ويدل عليه قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. "انتهى". وهذه مكابرة من الزمخشري في الظاهر بل الظاهر من قوله: صيد البر، العموم سواء صاده محرم أم حلال: وقرىء وحرّم مبنياً للفاعل صيد بالنصب وحرم بفتح الحاء والراء، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} هذا فيه تنبيه وتهديد جاء عقيب تحليل وتحريم وذكر الحشر إذ فيه يظهر جزاء من أطاع وعصى.