التفاسير

< >
عرض

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٣٣
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣٤
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ
٣٥
-الأنعام

النهر الماد

{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ} الآية، قيل: نزلت في الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف فإٍِنه كان يكذب في العلانية ويصدق في السر، ويقول: يخاف أن تتخطفنا العرب ونحن أكلة رأس. وقيل: نزلت في الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإِنه ليس عندنا أحد غيرنا. فقال له: والله ان محمد الصادق وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فنزلت. قد نعلم عبر هنا بالمضارع عن الماضي لأن علم الله لا يتجدد وهي هنا معلقة وأنه والجملة بعدها في موضع مفعوليْ نعلم ويقولون أي بألسنتهم.
و{لاَ يُكَذِّبُونَكَ} أي ببواطنهم بل يعتقدون صدقك. وقرىء لا يكذبونك أي لا يجدونك تكذب، تقول: أكذبته أي وجدته يكذب لأن أفعل تأتي للوجدان كقولهم: أحمدته أي وجدته محموداً. وقرىء لا يكذبونك بالتشديد أي لا يعتقدون كذبك.
{وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ} نبه على الوصف المؤدي بهم إلى جحود الآيات وهو الظلم.
{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} الآية، تسلية له صلى الله عليه وسلم ولما سلاه تعالى بأنهم بتكذيبك إنما كذبوا الله، سلاه ثانياً بأن عادة أتباع الرسل قبلك تكذيب رسلهم وان الرسل صبروا فتأس بهم في الصبر.
{وَأُوذُواْ} يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله: كذبت، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله: فصبروا.
{وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} أي لمواعيده في نصر رسله، نحو قوله:
{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا } [الصافات: 171]، الآية.
{مِن نَّبَإِ} قال الفارسي: من زائدة، وفاعل جاء نبأ بعد من وهو نبأ المرسلين والذي يظهر أن الفاعل مضمر تقديره هو ويعود على ما دل عليه المعنى من الجملة السابقة أي ولقد جاءك هذا الخبر من تكذيب أتباع الرسل للرسل والصبر والإِيذاء إلى أن نصروا، وأن هذا الاخبار هو بعض نبأ المرسلين الذين تتأسى بهم. ومن نبأ في موضع الحال، وذو الحال ذلك المضمر.
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} وكبر أي شق وصعب إعراضهم عن الإِيمان وعن اتباع ما جئت به، فإِن شرط ثان وإن تخلص الماضي للإِستقبال، وكبر أعراضهم واقع ماض لكن يتأول على معنى الاستقبال، أي وأن يتبين كبر أعراضهم والتبين مستقبل والاستطاعة مستقبلة فصار عطف مستقبل على مستقبل وهو البيتين. والنفق: السرب في داخل الأرض الذي يتواى فيه. وقرأ نبيح الغنوي أن تبتغي نافقاً وهو في اللغة أحد حجرة اليربوع. قال الشاعر:

ويستخرج اليربوع من نافقاته ومن حجره بالشبحة اليتقصع

والسلم الذي يصعد عليه ويرتقي. ومعنى الآية أنك لا تستطيع ذلك والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم. والظاهر من قوله: فتأتيهم بآية، أن الآية هي غير ابتغاء النفق في الأرض أو السلم في السماء وان المعنى أن تبتغي نفقاً في الأرض فتدخل فيه أو سلماً في السماء فتصعد عليه إليها فتأتيهم بآية غير الدخول في السرب والصعود إلى السماء مما يرجى إيمانهم بسببها أو مما اقترحوه رجاء إيمانهم، وتلك الآية من أحد الجهتين. قال ابن عطية: فتأتيهم بآية بعلامة ويريد اما في فعلك ذلك أي تكون الآية نفس دخولك في الأرض وارتقائك في السماء واما في أن تأتيهم بالآية من إحدى الجهتين. "انتهى". وقال نحواً من ذلك الزمخشري وما جوزاه من ذلك لا يظهر من دلالة اللفظ إذ لو كان ذلك كما جوزاه لكان التركيب فتأتيهم بذلك آية، وأيضاً فأي آية في دخول في سرب في الأرض. وأما الرقي إلى السماء فيكون آية واسم كان في قوله: وإن كان، هو ضمير الأمر والشان، وكبر أعراضهم فعل، وفاعل جملة في موضع خبر كان، وأجاز قوم أن يكون اعراضهم اسم كان، وكبر في موضع نصب على الخبر، وجواب الشرط في قوله: فإِن استطعت محذوف تقديره فافعل أحد الأمرين ابتغاء النفق وابتغاء السلم.
{لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} أي اما أن يخلق ذلك في قلوبهم أو لا. فلا يضل أحد واما أن يخلقه فيهم بعد هلاكهم ودل هذا التعليق على أن الله تعالى ما شاء منهم جميعهم الهدى بل أراد إبقاء الكافر على كفره، ومفعول شاء محذوف لدلالة جواب لو عليه تقديره ولو شاء جمعهم على الهدى، ويحذف مفعول شاء كثيراً في القرآن لدلالة جواب لو عليه.
{فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ} ذكرو في هذه الآية أقوالاً مدخولة ذكرت في البحر والذي اختاره أن هذا الخطاب ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن الله تعالى قال: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}، فهذا إخبار وعقد كلي أنه لا يقع في الوجود إلا ما شاء الله سبحانه وتعالى وقوعه ولا يختص هذا الاخبار بهذا الخطاب بالرسول بل هو صلى الله عليه وسلم عالم بمضمون هذا الاخبار فإِنما ذلك للسامع. فالخطاب والنهي في فلا تكونن للسامع دون الرسول عليه السلام، فكأنه قيل: ولو شاء الله أيها السامع الذي لا يعلم أن ما وقع في الوجود هو بمشيئة الله تعالى جمعهم على الهدى لجمعهم عليه فلا تكونن من الجاهلين فإِن ما شاء الله إيقاعه وقع وإن الكائنات معذوقة بإِرادته.