التفاسير

< >
عرض

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
١٠٠
تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ
١٠١
وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ
١٠٢
-الأعراف

النهر الماد

{أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ} الآية، قال ابن عباس: يهد يبين. والفاعل بيهد يحتمل وجوها: احدها، أن يعود على الله تعالى ويؤيده قراءة من قرأ نهد بالنون. والثاني، أن يكون ضميراً عائداً على ما يفهم من سياق الكلام السابق، أي أو لم يهد ما جرى للأمم السالفة أهل القرى وغيرهم. وعلى هذين الوجهين يكون ان لو نشاء وما بعده في موضع المفعول بنهد أي أو لم يبين الله تعالى أو ما سبق من قصص القرى ومآل أمرهم للوارثين أصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك، أي علمهم بإِصابتنا أو قدرتنا على إصابتنا إياهم، والمعنى أنكم مذنبون كهم وقد علمتم ما حل بهم أفما تحذرون أن يحل بكم ما حل بهم فذلك ليس بممتنع علينا لو شئنا. والوجه الثالث، أن يكون الفاعل بنهد قوله: ان لو نشاء، فينسبك المصدر من جواب لو والتقدير أو لم يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبتهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك أي علمهم بإِصابتنا وقدرتنا على إصابتنا إياهم على التقديرين إذا كانت إن مفعولة، وأنْ هنا هي المخففة من الثقيلة لأن الهداية فيها معنى العلم واسمها ضمير الشأن محذوف. والخبر الجملة المصدرة بلو ونشاء في معنى شئنا لأن لو التي هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره إذا جاء بعدها المضارع صرفت معناه إلى المعنى ومفعول نشاء محذوف دل عليه جواب لو والجواب أصبناهم، ولم يأت باللام، وإن كان الفعل مثبتاً إذ حذفها جائز فصيح كقوله تعالى: { لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً } [الواقعة: 70] والأكثر الإِتيان باللام كقوله تعالى: { لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً } [الواقعة: 65]، { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } [الأعراف: 176]، والذين يرثون الأرض من بعد أهلها، أي يخلفون فيها من بعد هلاك أهلها. وظاهره التسميع لمن كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مشركي قريش وغيرهم.
{وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} الظاهر أنها جملة مستأنفة أي ونحن نطبع على قلوبهم، والمعنى أن من أوضح الله تعالى له سبيل الهدى وذكر له أمثالاً ممن أهلكه الله تعالى بذنوبهم وهو مع ذلك دائم على غيّه لا يرعوي يطبع الله على قلبه فينبو سمعه عن سماع الحق. وأجاز الزمخشري في عطف ونطبع وجهين: أحدهما ضعيف، والآخر خطأ. قال الزمخشري: فإِن قلت: بم يتعلق قوله ونطبع على قلوبهم؟ قلت: فيه أوجه أن يكون معطوفاً على ما دل عليه معنى أو لم يهد لهم، كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم، أو على يرثون الأرض. "انتهى". فقوله: انه معطوف على مقدر وهو يغفلون عن الهداية ضعيف لأنه إضمار لا يحتاج إليه إذ قد يصح أن يكون على الاستئناف من باب العطف في الجمل فهو معطوف على مجموع الجملة المصدرة بأداة الاستفهام، وقد قال الزمخشري وغيره. وقوله انه معطوف على يرثون خطأ، لأنه إذا كان معطوفاً على يرثون كان صلة للذين، لأن المعطوف على الصلة صلة، ويكون قد فصل بين أبعاض الصلة بأجنبي من الصلة وهو قوله: أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، سواء أقدرنا ان لو نشاء في موضع الفاعل ليهدأ وفي موضع المفعول فهو معمول ليهد لا تعلق له بشىء من صلة الذين وهو لا يجوز.
{تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والقرى في بلاد قوم نوح وهود وصالح وشعيب بلا خلاف بين المفسرين. وجاءت الإِشارة بتلك إشارة إلى بعد هلاكها وتقادمه وحصل الربط بين هذه وبين قوله:
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ } [الأعراف: 96]، ونقص يحتمل بقيّة على حاله من الاستقبال والمعنى قد قصصنا عليك من أنبائها ونحن نقص أيضاً منها مفرقاً في السور. ويجوز أن يكون عبّر بالمضارع عن الماضي، أي تلك القرى قصصنا والأنباء هنا أخبارهم مع أنبيائهم ومآل عصيانهم. وتلك مبتدأ، والقرى خبر، ونقص جملة حالية نحو قوله تعالى: { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ } [النمل: 52] . وفي الإِخبار بالقرى معنى التعظيم لها ولمهلكها، كما قيل في قوله: ذلك الكتاب. وفي قوله عليه السلام: أولئك الملأ من قريش. ولما كان الخبر مقيداً بالحال أفاد كالتقييد بالصفة. ومعنى من أنباء من للتبعيض فدل على أن لها أنباءً آخر لم نقصها عليه وإنما قص عليه ما فيه عظة وازدجار واذكار بما جرى على من خالف الرسل ليتعظ بذلك السامع من هذه الأمة.
{فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} والذي يظهر أن الضمير في كانوا وفي ليؤمنوا هو عائد على أهل القرى، وأن الباء في بما ليست سببية فالمعنى أنهم انتفت عنهم قابلية الإِيمان وقت مجيء الرسل بالمعجزات بما كذبوا به من قبل مجيء الرسل بالمعجزات بل حالهم واحد قبل ظهور المعجزات وبعد ظهورها لم تجد عنهم شيئاً وفي الإِتيان بلام الجحود في ليؤمنوا مبالغة في نفي القابلية والوقوع وهو أبلغ في تسليط النفي على الفعل بغير لام وما في بما كذبوا موصولة. والعائد منصوب محذوف أي بما كذبوه وجوز أن تكون مصدرية.
{وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} أي لأكثر الناس أو أهل القرى والأمم الماضية. ومن في من عهد تدل على استغراق الجنس.
{وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} إنْ هنا هي المخففة من الثقيلة. ووجد بمعنى علم. ومفعول وجدنا الأولى لأكثرهم، ومفعول الثانية لفاسقين، واللام للفرق بين أنْ المخففة من الثقيلة، وأن النافية. وتقدم الكلام على ذلك في قوله:
{ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } [البقرة: 143]. ودعوى بعض الكوفيين أنّ إنْ في نحو هذا التركيب هي النافية، واللام بمعنى إلاّ. وقال الزمخشري: وإنّ الشأن والحديث وجدنا. انتهى. ولا يحتاج إلى هذا التقدير وكأنّ الزمخشري يزعم أنّ إنْ إذا خففت كان محذوفاً منها الاسم وهو الشأن والحديث إبقاء لها على الاختصاص بالدخول على الأسماء. وقد تقدم لنا تقدير نظير ذلك ورددنا عليه.