التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
١٧
قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ
١٨
ويَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٩
فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ
٢٠
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢١
فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٢٢
قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٢٣
قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٢٤
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
٢٥
-الأعراف

النهر الماد

{ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} الظاهر أن إتيانه من هذه الجهات الأربع كناية عن وسوسته وإغوائه له والجد في إضلاله من كل وجه ممكن، ولما كانت هذه الجهات يأتي منها العدو غالباً ذكرها، لا انه يأتي من الجهات الأربع حقيقة وغاير في حرف الجر الذي هو من وعن، لأنه لو كان الكل بمن أو بعن لكان في تكرار ذلك قلق في التركيب.
{مَذْءُوماً} يقال: ذأمه يذأمُه ذأْماً، بسكون الهمزة، ويجوز إبدالها ألفاً.
{مَّدْحُوراً} يقال: دحره أبعده وأقصاه دحوراً. قال الشاعر:

دَهَرتُ بني الحُصيب إلى قديد وقد كانوا ذوي أشر وفخر

وهذه ثلاث أوامر أمر بالهبوط مطلقاً وأمر بالخروج مخبراً أنه ذو صغار وأمر بالخروج مقيداً بالذم والطرد.
{لَّمَن تَبِعَكَ} منهم قرأ الجمهور لمن بفتح اللام، والظاهر أنها اللام الموطئة للقسم، ومن: شرطية في موضع رفع على الابتداء، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم المحذوف قبل اللام الموطئة. ويجوز أن تكون اللام لام الابتداء. ومن: موصولة. ولأملأن: جواب قسم محذوف بعد من تبعك وذلك القسم المحذوف وجوابه في موضع خبر من الموصولة. وقرأ الجحدري وعصمة عن أبي بكر عن عاصم لمن تبعك بكسر اللام، واختلفوا في تخريجها. قال ابن عطية: المعنى لأجل من تبعك منهم لأملأن. "انتهى". ظاهر هذا التقدير أن اللام تتعلق بلأملأن. ويمتنع ذلك على قول الجمهور وإن ما بعد لام القسم لا يعمل فيما قبلها. قال الزمخشري: يعني لمن تبعك منهم الوعيد وهو قوله: لأملأن جهنم منكم أجمعين على أن لأملأن في محل الابتداء، ولمن تبعك خبره. "انتهى". إن أراد ظاهر كلامه فهو خطأ على مذهب البصريين لأن قوله: لأملأن جملة هي جواب قسم محذوف لمن حيث كونها جملة فقط لا يجوز أن تكون مبتدأة، ومن حيث كونها جواباً للقسم المحذوف يمتنع أيضاً لأنه إذا ذاك من هذه الحيثية لا موضع لها من الإِعراب، ومن حيث كونها مبتدأ، لها موضع من الإِعراب. ولا يجوز أن تكون الجملة لها موضع من الإِعراب ولا موضع لها بحال لأنه يلزم أن تكون في موضع رفع لا في موضع رفع داخلاً عليها عامل غير داخل عليها عامل ذلك لا يتصور.
و{وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} أي وقلنا يا آدم. وتقدم تفسيرها في البقرة، إلا أن هنا فكلا من حيث شئتم، وفي البقرة
{ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً } [الآية: 35]. قالوا وجاءت على أحد محاملها وهي أن يكون الثاني بعد الأول وحذف رغداً هنا على سبيل الاختصار وأثبت هناك لأن تلك مدنية وهذه مكية فوفى المعنى هناك باللفظ.
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} أي فعل الوسوسة لأجلهما، وأما قوله: فوسوس إليه، فمعناه ألقي الوسوسة إليه.
{لِيُبْدِيَ} اللام: لام كي، وهي علة للوسوسة.
{مَا وُورِيَ} أي ما سُتر. وقرأ عبد الله بن مسعود أُوري بإِبدال الواو همزة، وهو بدل جائز. وقرىء: ما وري بواو مضمومة من غير واو بعدها على وزن كسى. وقرأ مجاهد والحسن من سؤتهما بالإِفراد وتسهيل الهمزة وبإِبدالها واواً وإدغام الواو فيها.
و{إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} استثناء مفرغ من المفعول من أجله، أي ما نهاكما ربكما لشىء إلا أن تكونا ملكين أو من الخالدين من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين.
{وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} لم يكتف إبليس بالوسوسة وهي الإِلقاء خفية سراً ولا بالقول، حتى أقسم على أنه ناصح لهما والمقاسمة مفاعلة تقتضي المشاركة في العقل. وأما هنا فمعنى وقاسمهما أي أقسم لهما لأن اليمين لم يشاركا فيها، وهي كقول الشاعر:

وقاسمهما بالله جهراً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها

وفاعل قد يأتي بمعنى أفعل نحو: باعدت الشىء وأبعدته. ولكما: متعلق بمحذوف تقديره ناصح لكما أو أعني أو بالناصحين على أنّ ألْ موصولة وتسومح في الظرف المجرور ما لا يتسامح في غيرهما.
{فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} أي استنزلهما إلى الأكل من الشجرة بغروره أي بخداعه إياهما وإظهار النصح لهما وإبطان الغش وإطماعهما أن يكونا ملكين أو خالدين وبإِقسامه أنه ناصح لهما، جُعل من يغتر بالكلام حتى يصدق فيقع في مصيبة كالذي يُدَلّى من علو إلى سفل بحبل ضعيف فيتقطع به فيهلك.
{فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} أي وجدا طعمها آكلين منها. قال تعالى:
{ فَأَكَلاَ مِنْهَا } [طه: 121] وتطايرت عنهما ملابس الجنة وظهرت لهما عوراتهما. وتقدم أنهما كانا قبل ذلك لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.
{وَطَفِقَا} طفق من أفعال المقاربة بفتح الفاء وكسرها. وبالباء مكان الفاء مكسورة.
و{يَخْصِفَانِ} خبر طفق، ومعنى يخصفان أي جعلا يلصقان ورقة على ورقة ويلصقانها.
والأولى أن يعود الضمير في {عَلَيْهِمَا} على عورتيْهما. كأنه قيل: يخصفان على سوآتهما.
{مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} وعاد بضمير الاثنين لأن الجمع يراد به اثنان. وعلى هنا ظرف مجازي بمعنى فوق لا حرف جر. ونظير هذا التركيب قوله تعالى:
{ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } [الأحزاب: 37]. وقول الشاعر:

هوّن عليك فإِن الأمور بكف الإِله مقاديرها

{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ} لما كان وقت الهناء شرف بالتصريح باسمه في النداء. وقيل: ويا آدم اسكن. وحين كان وقت العتاب أخبر أنه ناداه ولم يصرح باسمه. والظاهر أنه تعالى كلمهما بلا واسطة، والجملة معمولة لقول محذوف أي قائلا:
{أَلَمْ أَنْهَكُمَا} وهو استفهام معناه العتاب على ما صدر منهما. والنهي قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا}. وثم مضاف محذوف تقديره عن قربان تلك وتي اسم الإِشارة، واللام: للبعد، حذفت ياء تي للالتقاء الساكنين. وكما: خطاب للإِثنين.
{وَأَقُل لَّكُمَآ} إشارة إلى قوله: فقلنا يا آدم. ان هذا عدو لك ولزوجك، الآية في سورة طه.
و{لَنَكُونَنَّ} جواب قسم محذوف قبل أنْ، كقوله تعالى:
{ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ } [المائدة: 73]، ليمسن التقدير والله إن لم تغفر لنا. وأكثر. ما تأتي انْ هذه ولام الموطئة قبلها، كقوله: لئن لم ينته المنافقون، ثم قال: لنغرينك بهم.
{قَالَ ٱهْبِطُواْ} تقدم تفسيرها في البقرة.
{قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ} هذا كالتفسير لقوله: ولكم في الأرض مستقر ومتاع، أي بالحياة. إلى حين، أي حين الموت.
{وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} أي إلى المجازاة بالثواب والعقاب.