التفاسير

< >
عرض

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ
٨١
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ
٨٢
فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ
٨٣
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ
٨٤
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٨٥
وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ
٨٦
وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ
٨٧
-الأعراف

النهر الماد

{إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} هذا بيان لقوله: أتأتون الفاحشة، وأتى هنا من قولهم: أتى المرأة، إذا غشيها، وهو استفهام على جهة الإِنكار والتوبيخ. وشهوة مصدر في موضع الحال أي مشتهين وإن كانت حالاً من الضمير في تأتون أو مشتهين ان كان حالاً من الرجال. ويجوز أن ينتصب مفعولاً من أجله أي للشهوة. وبل هنا للخروج من قصة إلى قصة تنبىءُ بأنهم متجاوزوا الحد في الاعتداء، وجاء هنا مسرفون باسم الفاعل ليدل على الثبوت ولموافقتها ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأسماء. وجاء في النمل تجهلون بالمضارع لتجدد الجهل فيهم ولموافقة ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأفعال.
{وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} الآية الضمير المنصوب في أخرجوهم عائد على لوط ومن آمن به ولما تأخر نزول هذه السورة عن سورة النمل أضمر ما فسره الظاهر في النمل من قوله:
{ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ } [النمل: 56]، الآية، ويتطهرون قال ابن عباس ومجاهد: يتقذرون عن إتيان أدبار الرجال والنساء.
{فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} أي من العذاب الذي جعل بقومه وأهله وهم المؤمنون معه.
{إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} فلم تنج واسمها واهلة كانت منافقة تسر الكفر موالية لأهل سدوم.
ومعنى: {مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا. والجملة من قوله: كانت، تأكيد لما تضمنه الاستثناء من عدم نجاة امرأته.
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً} ضمّن أمطرنا معنى أرسلنا فلذلك عداه بعلى كقوله:
{ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [الأنفال: 32]. والمطر هنا هي الحجارة وقد ذكرت في غير آية.
{فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} هذا خطاب للسامع قصتهم كيف كان مآل من أجرم، وفيه اتعاظ وازدجار أن تسلك هذه الأمة مسلكهم. والمجرمين عام في قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم. ومن نظر التفكر أو من نظر البصر فيمن بقيت له آثار منازل ومساكن كثمود وقوم لوط كما قال تعالى:
{ وَعَاداً وَثَمُودَاْ } [الفرقان: 38]، وقد تبين لكم من مساكنهم وكيف خبر كان وعاقبة اسم كان، والجملة في موضع نصب لأن أنظر معلقة عنها.
{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} قال الفراء: مدين، اسم بلد وقطر. والجمهور على أن مدين اسم أعجمي، فإِن كان عربياً احتمل أن يكون فيْعلاً من مَدَن بالمكان أقام به وهو بناء نادر أو مفعلاً من دان فتصحيحه شاذ وكان قياسه مدان. وشعيب اسم عربي هو تصغير شِعْب أو شعب واختلف في نسب شعيب اختلافاً كثيراً ذكر ذلك في البحر المحيط. وشعيب قيل: هو ابن بنت لوط، وقيل: زوج بنته.
{قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} هذا دليل على أنه قد جاء بالمعجزة إذ كل نبي لا بد له من معجزة تدل على صدقه ولكنه لم يعين هنا ما المعجزة ولا من أي نوع هي.
{فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} أمرهم أولاً بشىء خاص وهو إيفاء الكيل والميزان، ثم نهاهم عن شىء عام وهو قوله:
{وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} والكيل مصدر كني به عن الآلة التي يكال بها.
{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تقدم تفسير هذه الجملة قريباً.
{ذٰلِكُمْ} الإِشارة بذلكم إلى إيفاء الكيل والميزان وترك البخس والإِفساد، وخير أفعل التفضيل، أو خير من الخيور.
{وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} ظاهرة العموم قال الزمخشري: ولا تقعدوا بكل صراط ولا تقتدوا بالشيطان. في قوله: لأقعدن لهم صراط المستقيم فتقعدوا بكل صراط أي بكل منهاج من مناهج الدين. والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله:
{وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} فإن قلت: صراط الحق واحد وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق به عن سبيله. فكيف قيل: بكل صراط؟ قلت: صراط الحق واحد ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة فكانوا إذا رأوا واحد يشرع في شىء منها أوعدوه وصدوه عنها. انتهى جمل القعود والصراط على المجاز وقد تقدم أن الظاهر أنه حقيقة وأنهم كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون انه كذاب فلا تذهب إليه على نحو ما كانت قريش تفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا تظهر الدلالة على أن الصراط سبيل الحق من قوله: وتصدون عن سبيل الله، كما ذكر بل الظاهر التغاير لعموم كل صراط وخصوص سبيل الله، فيكون بكل صراط حقيقة في الطرق وسبيل الله مجاز عن دين الله. والباء في بكل صراط ظرفية نحو: زيد بالبصرة أي في كل صراط وفي البصرة.
{تُوعِدُونَ} جملة حالية أي من جاء للإِيمان بشعيب.
{وَتَصُدُّونَ} معطوف على توعدون. قال الزمخشري: فإِن قلت: إلى م يرجع الضمير في من آمن به؟ قلت: إلى كل صراط تقديره وتوعدون من آمن به وتصدون عنه، فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير زيادة في تقبيح أمرهم دلالة على عظم ما يصدون عنه. هذا تعسف في الإِعراب لا يليق أن يحمل عليه القرآن لما في التقديم والتأخير ووضع الظاهر موضع المضمر من غير حاجة إلى ذلك، وعود الضمير على ابعد مذكور مع إمكان عوده على أقرب مذكور الإِمكان. السائغ الحسن الراجح. وجعل من آمن منصوباً بتوعدون فيصير من أعمال الأول وهو قليل. وقد قال النحاة: انه لم يرد في القران لقلته. ولو كان من أعمال الأول للزم ذكر الضمير في الفعل الثاني وكان يكون التركيب وتصدونه أو تصدونهم إذ هذا الضمير لا يجوز حذفه على قول الأكثرين إلا ضرورة: وعلى قول بعض النحاة: يحذف في قليل من الكلام. ويدل على أن من آمن منصوب بتصدون الآية الأخرى وهي: قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن فنصبه بتوعدون بعيد هذا مع التكلفات المضافة إلى ذلك فكان جديراً بالمنع لما في ذلك من التعقيد البعيد عن الفصاحة. قال ابن عطية: يجوز أن يعود على شعيب في قوله من رأى القعود على الطرف تفرد عن شعيب. "انتهى". وهذا بعيد لأن القائل ولا تقعدوا هو شعيب فكان يكون التركيب من آمن بي ولا يسوغ هنا أن يكون التفاتاً، لو قلت: يا هند أنا أقول لا تهيني من أكرمه، تريد أكرمني لم يصح، وتبغونها الضمير عائد على سبيل الله والسبيل تذكر وتؤنث وهي جملة حالية أي باغيها والتقدير تبغون لها عوجاً.
{وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} روي أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله تعالى في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا.
{وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} هذا تهّديد لهم وتذكير بعاقبة من أفسد قبلهم وتمثيل لهم بمن حل به العذاب من قوم نوح وهود وصالح ولوط وكانوا قريبيْ عهد بما أصاب المؤتفكة وإعراب هذه الجملة كإِعراب الجمل الواقعة أثر قصة قوم لوط، قال الزمخشري: إذ مفعول به غير ظرف أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم فكثركم الله ووفى عددكم. "انتهى". وذكر غيره أنه منصوب على الظرف فلا يمكن أن يعمل فيه واذكروا لاستقبال واذكروا وكون إذ ظرفاً لما مضى والقلة والتكثير هنا بالنسبة إلى الأشخاص أو إلى الفقر والغنى، أو إلى قصر الأعمار وطولها، أقوال ثلاثة أظهرها الأول. وقال الزمخشري: إذ كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد. "انتهى". ولا ضرورة تدعو إلى حذق صفعة وهي أذلة، ولا إلى تحميل قوله: فكثركم معنى بالعدد. ألا ترى أن القلة لا تستلزم الذلة ولا الكثرة تستلزم العزة. قال الشاعر:

تعيّرنا انا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارُنا عزيز وجار الأكثرين ذليل

وقيل: المراد مجموع الأقوال الأربعة كثر عددهم وارزاقهم وطول أعمارهم وأعزهم بعد أن كانوا على مقابلاتها.
{وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ} هذا الكلام من أحسن ما تلطف به في المجاورة إذ أبرز المتحقق في صورة المشكوك فيه وذلك أنه قد آمن به طائفة بدليل قول المستكبرين عن الإِيمان: {لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ}، وهو أيضاً من بارع التقسيم إذ لا يخلوا قومه من القسمين. والذي أرسل به هنا ما أمرهم به من افراد الله تعالى بالعبادة وإيفاء الكيل والميزان، ونهاهم عنه من البخس والإِفساد والقعود المذكور. ومتعلق لم يؤمنوا محذوف دل عليه ما قبله وتقديره لم يؤمنوا به. والخطاب بقوله: منكم، لقومه وينبغي أن يكون قوله: فاصبروا، خطاباً لفريقي قومه من آمن ومن لم يؤمن.
و{بَيْنَنَا} أي بين الجميع فيكون ذلك وعد للمؤمنين بالنصر الذي هو نتيجة الصبر فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا، ووعيداً للكفار بالعقوبة والخسار.